في قلب المدينة المنورة المشرق، حيث تنتقل القصص عبر القرون ويُقدَّر التمر ليس فقط كفاكهة بل كرمز للضيافة والتقاليد، أقيم احتفال فريد من نوعه هذا الصيف، هو معرض المدينة للكتاب 2025. حوّل هذا المعرض، الذي عقد في مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات، عالم الكتب إلى تجربة حسية للأطفال. تحت شعار ”التمر، قصص تسعد الأطفال في معرض المدينة“، دعا معرض هذا العام الزوار الصغار لتذوق الثقافة، ولمس الخيال، وخلق ذكريات غنية ودائمة.
بينما استقبل المعرض أكثر من 300 ناشر من المملكة العربية السعودية ومن جميع أنحاء العالم، كانت الأضواء هذا العام مسلطة على أصغر الحاضرين. من خلال مجموعة من المناطق المخصصة للأطفال، أصبح المعرض أكثر من مجرد سوق أدبي؛ فقد تطور إلى فصل دراسي حي للثقافة والإبداع والمجتمع.
السعودية ثاني أكبر منتج للتمور في العالم
أكثر من 300 ناشر
هذا الحضور الواسع حوّل معرض المدينة للكتاب 2025 إلى مساحة ثقافية كبيرة، مع تركيز خاص هذا العام على تجارب الأطفال.
في زاوية مشرقة من قاعة المعرض، دعا مطبخ الشيف الأطفال إلى الدخول في عالم طهي تفاعلي. بتوجيه من ميسرين مدربين، كان المكان يضج بالضحك والفضول ورائحة التمر الشهيرة في المدينة المنورة.
قدمت هذه المساحة مزيجًا من الطهي العملي والتعلّم الحسي، فربطت بين المكونات المحلية والمهارات الأساسية والاعتزاز بالتراث.
بدأ الأطفال بالمشاركة في بيئة تفاعلية يقودها ميسرون، وسط أجواء من الضحك والفضول وروائح التمر.
تعلّموا صنع كرات التمر المغطاة بالشوكولاتة، والحلويات المحشوة بالمكسرات، ووجبات بسيطة من الخبز باستخدام مكونات محلية.
لم يقتصر الأمر على التذوق، بل فهم الأطفال قيمة التمر بوصفه جزءًا من الأرض والتراث المحلي.
دعمت الورش المهارات الحركية والوعي الحسي والمعرفة الأساسية بالتغذية، مع تشجيع العرض والإبداع والفخر بالنتائج.
قراءة مقترحة
حلوى التمر الشهية
على بعد خطوات قليلة، كان مختبر القصص بمثابة بوابة رقمية للإبداع. باستخدام شاشات مضيئة وتحديات أدبية متغيرة، قام الأطفال بكتابة قصصهم القصيرة، مسترشدين بإشارات سردية بسيطة.
هنا، لم يكن الأطفال مستمعين سلبيين، بل كانوا رواة قصص، يصوغون المغامرات والشعر سطراً سطراً. طُلب منهم اختيار الشخصيات وابتكار الصراعات وحل الحبكات.
لم يقتصر الأمر على تنمية مهارات الكتابة الإبداعية فحسب، بل عزز أيضًا ثراء المفردات والبنية اللغوية العربية. بالنسبة للعديد من الآباء الذين كانوا يشاهدون من قرب، كانت المشهد مؤثرًا: أطفالهم يستخدمون التكنولوجيا ليس فقط للألعاب أو الترفيه، بل لاستكشاف اللغة والتعبير الثقافي. يثبت هذا المختبر أن التكنولوجيا والتقاليد لا يتعارضان، بل يمكن أن يكمل كل منهما الآخر بشكل رائع.
بينما كان مطبخ الشيف ومختبر القصص من التجارب المركزية، امتدت رؤية المعرض إلى أبعد من ذلك. طوال أيام الحدث الذي استمر 7 أيام، شارك الأطفال أيضًا في:
شكّلت الأيدي الصغيرة مواد محلية في مشاريع فنية مصغرة تجمع بين اللعب والمهارة اليدوية.
قدمت عروضًا نابضة بالحياة تعلم دروسًا أخلاقية، وكثيرًا ما استلهمت مادتها من القصص المحلية.
تعلّم الأطفال الأمثال السعودية الشائعة وحكمتها من خلال الألعاب المصورة والمناقشات.
انتشرت في أنحاء المكان لتمنح الأطفال فرصة استكشاف الكتب المناسبة لمستوى قراءتهم واهتماماتهم بهدوء.
كان أحد أكثر اللحظات المؤثرة الحلقات النقاشية التي سلطت الضوء على الأهمية العاطفية والنفسية للأنشطة الثقافية في نمو الطفل، والتي عكست ما يعرفه كل والد في المعرض بشكل بديهي: الأطفال لا يمتصون الثقافة فحسب، بل يعيشونها ويشعرون بها ويحملونها إلى الأمام.
اللغة العربية الجميلة
لم تكن هذه البرامج المخصصة للأطفال تهدف فقط إلى إشغالهم بينما يتصفح الكبار الكتب. بل كانت جزءًا من رؤية وطنية أوسع: جعل الأطفال السعوديين مشاركين نشطين في رحلتهم الثقافية.
وما جعل هذا الحدث مؤثرًا:
من خلال صنع حلوى التمر والاستماع إلى القصص الشعبية، لم يتعلم الأطفال عن الثقافة السعودية فحسب، بل لمسوها وتذوقوها وابتكروا بها.
لم يكن سرد القصص العربية مجرد تقليد، بل كان طريقة استراتيجية لبناء المفردات وفهم السرد وحب القراءة.
من خلال الحرف اليدوية ورواية القصص الرقمية وإعداد الطعام، شارك الأطفال في تعليم متعدد الحواس عزز التفكير النقدي والإبداع.
لم تقم العائلات بإحضار أطفالها فحسب، بل شاركت أيضًا. أدى ذلك إلى خلق تجربة تعليمية مشتركة جمعت الأجيال معًا.
كان معرض المدينة للكتاب 2025 مثالاً ساطعاً على ما يحدث عندما يجتمع الأدب والتقاليد والابتكار. مع شعار ”التمر، قصص تسعد الأطفال“ الذي كان أكثر من مجرد شعار، أثبت الحدث أن التعليم المبهج ورواية القصص الثقافية يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب.
في عصر تهيمن فيه الشاشات والملهيات على الطفولة، أعاد هذا المعرض الجيل الأصغر إلى جذوره - بأصابع لزجة من عجينة التمر، وكلمة عربية جديدة على شفاههم، وقصص تتفتح في خيالهم.
ومع إطفاء أضواء مركز المؤتمرات في المدينة المنورة وتفكيك الأكشاك، يبقى الدرس الحقيقي: لم يغادر الأطفال مع وجبات خفيفة وتذكارات فحسب، بل مع فهم أعمق لهويتهم - وللإرث الثقافي الذي هم الآن جزء من استمراره.