زيارة كوماموتو: قلعة شامخة وطبيعة بركانية مذهلة
ADVERTISEMENT

كوماموتو، المدينة اليابانية الواقعة في جزيرة كيوشو الجنوبية، تُعد واحدة من أكثر الوجهات إثارة للاهتمام لعشاق الرحلات الباحثين عن مزيج فريد من التاريخ العريق والطبيعة الخلابة. تُعرف المدينة بقلعتها الشامخة التي تُعد واحدة من أعظم قلاع اليابان، وبقربها من جبل أسو، أحد أنشط البراكين في البلاد. زيارة كوماموتو ليست مجرد

ADVERTISEMENT

نزهة سياحية، بل هي تجربة تغمر الزائر بجمال مناظر طبيعية آسرة، ونفحات من تاريخ الساموراي، ودفء الضيافة اليابانية الأصيلة.

تصوير Kohji Asakawa على Unsplash

قلعة كوماموتو: حصن التاريخ والعظمة

لا يمكن الحديث عن كوماموتو دون أن نبدأ بقلعتها الشهيرة، قلعة كوماموتو. هذه القلعة التي يعود تاريخ بنائها إلى أوائل القرن السابع عشر تُعتبر واحدة من أجمل القلاع وأكثرها إثارة للإعجاب في اليابان.

ADVERTISEMENT

تصميم مذهل وتاريخ ملهم

تم بناء القلعة في عام 1607 على يد القائد العسكري كاتو كيوماسا، وتمثل مثالاً متقنًا للهندسة الدفاعية في فترة الإيدو. الجدران الحجرية الضخمة، والأسوار السوداء الأنيقة، والأبراج المتعددة، كلها تجتمع لتشكل مشهدًا مهيبًا يُدهش الزوار من اللحظة الأولى.

وقد لعبت القلعة دورًا مهمًا خلال حرب الساموراي ساتسوما في عام 1877، حيث صمدت لمدة 53 يومًا أمام قوات المتمردين، مما أكسبها مكانة رمزية عظيمة في التاريخ الياباني.

زيارة القلعة بعد الترميم

رغم الأضرار التي لحقت بها جراء زلزال 2016، تعمل الحكومة اليابانية بجد على ترميم القلعة، وقد أعيد فتح أجزاء كبيرة منها للزوار. تجربة المشي داخل أسوار القلعة، والتجول في الحدائق المحيطة بها، تمنحك لمحة واقعية عن الحياة في زمن الساموراي، وتجعلك تشعر وكأنك سافرت عبر الزمن.

ADVERTISEMENT

جبل أسو: قلب الطبيعة البركانية

على بعد حوالي ساعة بالسيارة من مركز مدينة كوماموتو، ينتصب جبل أسو(Mount Aso) كواحد من أكثر المعالم الطبيعية إثارة في اليابان. إنه ليس مجرد جبل، بل أحد أكبر الفوهات البركانية في العالم، ولا يزال نشطًا حتى اليوم.

تجربة بركانية لا تُنسى

زيارة جبل أسو أشبه بمغامرة جغرافية، حيث يمكن للزوار الاقتراب من الفوهة النشطة (حين يكون ذلك آمنًا)، ومشاهدة الأبخرة المتصاعدة من عمق الأرض، ورؤية الحمم الصلبة المتناثرة حول المنطقة. المناظر الخلابة من أعلى الجبل، مع السحب التي تلامس قمته، تمنح شعورًا بالرهبة والجمال في آنٍ واحد.

المتنزه الوطني ومغامرات التنزه

يحتضن الجبل منتزه أسو كوجو الوطني، الذي يُعد وجهة رائعة لمحبي التنزه واستكشاف الطبيعة. هناك العديد من المسارات التي تمر عبر المراعي الخضراء، والوديان البركانية، والبحيرات الصغيرة. وتُعد هذه المنطقة أيضًا موطنًا لقطعان الخيول البرية، مما يمنح الرحلة طابعًا بريًا ساحرًا.

ADVERTISEMENT
تصوير Kohji Asakawa على Unsplash

الينابيع الساخنة (أونسن): استرخاء بين أحضان الطبيعة

الطبيعة البركانية في كوماموتو توفر أيضًا فرصة مثالية لتجربة الينابيع الساخنة، أو "الأونسن"، التي تُعد جزءًا لا يتجزأ من الثقافة اليابانية. من أشهر مناطق الأونسن في المحافظة:

كوروكاوا أونسن (Kurokawa Onsen): قرية صغيرة ساحرة محاطة بالغابات، تتميز ببيوت الضيافة التقليدية (ريوكان) والحمامات المعدنية في الهواء الطلق. الهدوء والجمال الطبيعي هنا يجعلانها مثالية للراحة بعد يوم طويل من الاستكشاف.

تاما نو يو (Tama no Yu): أونسن تاريخي في مدينة كوماموتو يوفر تجربة تقليدية للحمامات اليابانية، مع تصميم خشبي راقٍ وجو من السكينة.

الحديقة النباتية وحدائق سويزنجي

بالقرب من القلعة، تقع حديقة سويزنجي (Suizenji Jojuen)، وهي حديقة يابانية تقليدية تمثل محاكاة رمزية للطريق التاريخي "توكيدو"، الذي كان يربط بين كيوتو وطوكيو. تحتوي الحديقة على تلال مصغرة تمثل جبل فوجي، وبرك مياه تعكس صورة السماء، ومعابد هادئة للزيارة. إنها مساحة للاسترخاء واستنشاق عبير الهدوء الياباني.

ADVERTISEMENT

أما الحديقة النباتية في كوماموتو، فتضم مجموعة واسعة من النباتات المحلية والعالمية، وتُعد مثالية لمحبي الطبيعة والعائلات.

صورة بواسطة A Y على Unsplash

المطبخ المحلي: نكهات من قلب كيوشو

زيارة كوماموتو لن تكتمل دون تجربة المأكولات المحلية، التي تعكس التنوع الثقافي والطبيعي للمنطقة. من أبرز الأطباق:

باساشي (Basashi): لحم حصان نيء، وهو طبق شهير في كوماموتو، يُقدَّم عادةً مع صلصة الصويا والزنجبيل والثوم. رغم غرابته، إلا أنه يُعد من الأطعمة الراقية في اليابان.

  • رامن كوماموتو: يتميز هذا الرامن بمرق غني بنكهة الثوم الأسود، ويُعتبر من أفضل أنواع الرامن في كيوشو.
  • فاكهة سوغوري: نوع من العنب الصغير المحلي بطعم لاذع ومنعش، يُستخدم في العصائر والحلويات.

الثقافة والضيافة: لقاء مع روح اليابان الحقيقية

ما يميز كوماموتو أيضًا هو دفء سكانها وكرمهم. رغم أنها ليست من المدن الكبرى في اليابان، إلا أن طابعها المحلي يعطيك فرصة للتعرف على الثقافة اليابانية الأصيلة دون الزحام أو الطابع التجاري الزائد.

ADVERTISEMENT

تجد في المدينة العديد من المتاحف الصغيرة، والمعابد التقليدية، والحرفيين المحليين الذين يصنعون الخزف والسكاكين اليابانية بطريقة تقليدية.

كيف تصل إلى كوماموتو؟

  • من طوكيو: يمكنك الوصول إلى كوماموتو عبر القطار السريع (شينكانسن) في حوالي 5 ساعات، أو بالطائرة خلال ساعة و45 دقيقة.
  • من فوكوكا: الرحلة بالقطار إلى كوماموتو تستغرق أقل من ساعة، ما يجعلها وجهة مثالية للرحلات اليومية من شمال كيوشو.

نصائح للمسافرين:

  • افحص حالة جبل أسو قبل الزيارة: نظرًا لنشاطه البركاني، قد تُغلق المنطقة المحيطة بالفوهة أحيانًا لدواعٍ أمنية.
  • احجز في ريوكان محلي: لتجربة الإقامة اليابانية التقليدية مع وجبات الكايسيكي الشهية والينابيع الساخنة.
  • استخدم بطاقة جيه آر باس: لتوفير تكاليف التنقل بالقطارات إذا كنت تخطط لزيارة عدة مدن.

زيارة كوماموتو هي أكثر من مجرد محطة سياحية في كيوشو؛ إنها تجربة متكاملة تمزج بين السحر التاريخي لقلعة شامخة وقوة الطبيعة البركانية لجبل أسو. سواء كنت من عشاق التراث الياباني، أو محبي المغامرات الجغرافية، أو الباحثين عن لحظات استرخاء في ينابيع دافئة، فإن كوماموتو تقدم لك كل ذلك وأكثر.

ADVERTISEMENT

ابدأ رحلتك الآن، ودع هذه المدينة الهادئة تُدهشك بما تخبئه بين جدرانها القديمة ووديانها البركانية.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
الاستعمار في القرن الحادي والعشرين: هناك دولٌ لا تزال تحت السيطرة الأجنبية!
ADVERTISEMENT

هل تتساءل لماذا تُعتبَر اللغتان الإنجليزية والإسبانية من أهمّ اللغات التي يجب تعلّمها؟ أو لماذا هما اللغتان الأكثر استخداماً في العالم؟

الجواب هو الاستعمار

وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، في جميع أنحاء العالم هناك حوالي 17 منطقةً لا تتمتّع بالحكم الذاتي، حيث لا يزال عدّد أقلّ بقليل من

ADVERTISEMENT

مليوني شخصٍ يعيشون تحت الحكم الاستعماري.

الاستعمار يشبه مدرسةً ثانويةً على مستوى العالم.

الصورة عبر unsplash

كان للاستعمار –بما ينطوي عليه من سيطرة بلدٍ معيّنٍ على بلدٍ آخر واستغلاله- تأثيرٌ عميقٌ على كامل الكرة الأرضية. وفي مرحلةٍ ما من التاريخ، كان لكلّ دولةٍ في العالم تقريباً مستعمراتٌ في أجزاءٍ مختلفةٍ من العالم، بما في ذلك إسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا واليابان. وقد ترك ذلك أثراً دائماً على ثقافاتها واقتصاداتها وسياساتها.

ADVERTISEMENT

لكي تفهم ما هو الاستعمار ومدى عمق تأثيره على تاريخ البشرية، تخيّل أنك عُدت إلى المدرسة الثانوية. هناك دائماً مجموعةٌ رائعةٌ في الصف الدراسي، وكلُّ ما يفعله أفرادها يُعتبَر مُهمّاً؛ أمّا الباقون فيحاولون فقط أن يسيروا على خطى تلك المجموعة ليكونوا "رائعين".

إذا كان لدى شخصٍ أخرق شيءٌ مهمٌّ ليقدّمه، فإنّ بقية الفصل لا يعتبرونه مهمّاً إلا إذا أُعجبت المجموعة "الرائعة" بذلك الشيء.

الاستعمار يشبه مدرسةً ثانويةً على مستوى العالم.

وهنا أوروبا هي المجموعة الرائعة.

وتُسمَّى المجموعة أو الأمّة التي تُهيمن على الآخرين قوةً استعمارية أو قوةً إمبريالية، بينما تصبح الأمّة المقهورة مُستعمَرةً. ولعبة القوّة هذه التي تستخدمها الدول الاستعمارية لاستغلال الدول الأخرى لمصلحتها الشخصية، ولفرض ثقافتها ودينها وطريقة تعليمها، ولاستخدام موارد تلك الدول، وربّما حتى للاستقرار الفعلي للسكان هناك هي الاستعمار.

ADVERTISEMENT

كيف استعمرت الدول الاستعمارية دولاً أخرى في البداية؟

الصورة عبر unsplash

بحلول عام 1914، كانت أوروبا قد استعمرت معظم دول العالم. كان الدافع الأساسي هو أن تصبح قوةً عظمى على مستوى الكوكب وتهيمن على العالم بأكمله. وهكذا بدأت العديد من الدول الأوروبية، مثل إيطاليا والبرتغال واليونان وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا، في الحصول على مستعمرات، ممّا أدّى إلى التقسيم الاستعماري للعالم.

وعلى هذا النحو، أصبحت معظم البلدان في آسيا وأفريقيا في ذلك الوقت مُستعمَراتٍ. وأصبحت أستراليا مُستعمَرةً استيطانيةً، حيث كان من الممكن للموظفين البريطانيين أن يستقروا فيها، وأن يستخدموها كسجنٍ، حيث لا يمكن لأحد الهروب من تلك الدولة الجزيرة.

بدأ كلُّ شيءٍ خلال عصر الاستكشاف، عندما بدأت الدول الأوروبية في البحث عن طرقٍ تجاريةٍ جديدةٍ؛ واكتشف كريستوفر كولومبوس وفاسكو دا جاما أراضٍ جديدةٍ. تمكَّن هؤلاء الأوروبيون من الحصول على تلك الأراضي، لأنّ القبائل الأصلية لم تكُن تؤمن بامتلاك الأرض كما فعل الأوروبيون.

ADVERTISEMENT

اعتبر الأوروبيون القبائل الأصلية متوحشةً وأكلةً للحوم البشر وبربريةً؛ وتحت ستار التجارة، بدأ الأوروبيون بغزو هذه الأراضي الجديدة والمطالبة بملكيتها.

وتمّ استخدام التبرير الديني عن السعي لجعل أولئك المتوحِّشين متحضّرين من أجل إخفاء الغزوات بمهارةٍ، كما لو كانت مسؤولية أوروبا الأخلاقية هي أن تقوم بهذا الأمر، وقد يكون ذلك قد ساعد أحياناً على انتشار المسيحية.

فبعد عبادة عناصر الطبيعة لآلاف السنين، تمَّ التحويل الديني شبه الإلزامي للقبائل الأصلية في أمريكا وأفريقيا، حيث اعتنق أفرادها المسيحية، ممّا زاد نسبياً من عدد المنتسبين لهذه الديانة المهمّة في العالم.

هل كان الاستعمار نقمةً أم نعمةً؟

الصورة عبر unsplash

لنبدأ بالحديث عن الإيجابيات، فهي ليست كثيرةً نظراً للسلوك الهمجي المثير للسخرية للمستعمِرين. لقد استثمر المستعمِرون في البنية التحتية والتجارة والمرافق الطبية ووسائل التقدّم التكنولوجي في مستعمَراتهم، كما ساعدوا في إنشاء أنظمةِ حكمٍ ديمقراطيةٍ ونشر محو الأمية.

ADVERTISEMENT

لكنْ تحت ستار الدين، تمّ القيام بقدرٍ كبيرٍ من الأعمال العسكرية ضد القبائل الأصلية. لذا انخفض عدد شعب هيسبانيولا من 250000 إلى 15000 تحت الحكم الإسباني. وشوهدت أعمالٌ حربيةٌ  مماثلةٌ في أفريقيا وفي المستعمرات الأخرى التي حاولت الثورة ضد الاستعمار.

ونحن جميعاً ندرك ما حدث من عبودية السود وسنوات العنصرية والعبودية والتجريد من الإنسانية التي عانى منها هؤلاء الأشخاص.

فقد تمَّ بيع السكان الأصليين كعبيدٍ "للبيض" أو أخذهم كجنودٍ لخوض المعارك، خاصةً في الحروب العالمية. كما فُرضت الثقافة البيضاء والتعليم والدين على الشعوب الملوَّنة.

وكان للاستعمار أيضاً تأثيرٌ نفسيٌّ عميقٌ، ليس فقط على أراضي المستعمَرين ولكن أيضاً على عقولهم. فقد شعر المُستعمَرون وكأنهم عرقٌ أدنى بالمقارنة بـ "البيض"، الأمر الذي دمَّر احترامهم لذاتهم وسمَّم ثقافتهم.

ADVERTISEMENT

هل لا تزال بعض المناطق مُستعمَرةً؟

الصورة عبر Wikimedia Commons

بعد حروبٍ لا حصر لها بين المُستعمِرين والمُستعمَرات، اجتاحت العالم موجةٌ من إنهاء الاستعمار في القرن العشرين، وتحرَّرت معظم الدول من الحكم الاستعماري وأثبتت هويتها المستقلّة. وبعد تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945، قامت ثورةٌ سياسيةٌ لحماية أراضي جميع الأمم والحفاظ على السلام الدولي.

ومع ذلك، لا تزال هناك 55 مُستعمَرةً تتضمَّن 17 إقليماً في شتّى أنحاء العالم. وتحتفظ بهذه المُستعمَرات ثماني دول هي: أستراليا، والدنمارك، وهولندا، وفرنسا، ونيوزيلندا، والنرويج، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، ممّا يضع حوالي مليوني شخصٍ تحت الحكم الاستعماري.

المملكة المتحدة لديها أكبر عددٍ من المُستعمَرات، بإجمالي قدره 14 إقليماً خارجياً.

وتشمل هذه الأراضي: أنغيلا؛ برمودا؛ الإقليم البريطاني في المحيط الهندي؛ جزر فيرجن البريطانية؛ جزر كايمان؛ جزر فوكلاند؛ جبل طارق؛ مونتسيرات؛ جزر بيتكيرن؛ سانت هيلانة؛ أسنشن وتريستان دا كونها؛ جورجيا الجنوبية وجزر ساندويتش الجنوبية؛ جزر تركس وكايكوس؛ إقليم القطب الجنوبي البريطاني؛ ومناطق القواعد تحت سيادة المملكة المتحدة (أكروتيري وديكيليا). وهناك أيضاً تبعيات محلية للمملكة المتحدة هي غيرنسي، جيرسي، وجزيرة مان.

ADVERTISEMENT

هذه المناطق ليست مجرَّد علاماتٍ صغيرةٍ على خريطة العالم ولكنها في الواقع ذات أهميةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ بالنسبة للمُستعمِرين. حيث تأتي جزر كايمان وبرمودا ضمن قائمة العشرة الأوائل على أساس نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كما توفِّر غوام موضعاً أمنياً إقليمياً مهماً. من الجدير بالذكر أنّ جبل طارق وجزر فوكلاند مُتنازَع عليهما دبلوماسياً، لذا من الصعب إنهاء الاستعمار فيهما.

الصورة عبر Wikimedia Commons

إنّ الاستعمار ليس أكثر من لعبةِ قوّة شريرةٍ وجشعةٍ. وإلى جانب إنهاء الاستعمار من الناحية المادية الفعلية، يُعَدُّ إنهاؤه من عقول المُستعمرَات أمراً مهمّاً أيضاً، حيث لا يزال الاستعمار يؤثِّر على ذاكرة الضحايا ومواقفهم المعنوية، ويجد الكثير منهم صعوبةً في التخلَّص من آثار الفظائع التي نجمت عنه.

تسنيم علياء

تسنيم علياء

ADVERTISEMENT
البطاطس والبيض وحبوب القهوة. أيّهم أنت؟
ADVERTISEMENT

ذات مرة اشتكت ابنة لأبيها من أن حياتها بائسة وأنها لا تعرف كيف ستعيشها. لقد سئمت من القتال والنضال طوال الوقت. ويبدو أنه بمجرد حل مشكلة واحدة، سرعان ما تتبعها مشكلة أخرى.

أخذها والدها، رئيس الطهاة، إلى المطبخ، فملأ ثلاثة قدور بالماء ووضع كلَّ واحد منها على

ADVERTISEMENT

نار عالية. وبمجرد أن بدأت الأوعية الثلاثة في الغليان، وضع البطاطس في الوعاء الأول، والبيض في الوعاء الثاني، وحبوب البن المطحونة في الوعاء الثالث.

الصورة عبر unsplash

ثم ترك هذه الأوعيةَ تغلي، دون أن يقول كلمة واحدة لابنته. تذمّرت الابنة وانتظرت بفارغ الصبر، متسائلة عمّا كان يفعله.

وبعد عشرين دقيقة أطفأ المواقد، ثمّ أخرج البطاطس من القِدْر ووضعها في زبديّة، كما أخرج البيض المسلوق ووضعه في وعاء.

ثم أخرج القهوة ووضعها في فنجان. التفت إليها وسأل. "يا ابنتي ماذا ترين؟"

ADVERTISEMENT

أجابت على عجل: "البطاطا والبيض والقهوة".

الصورة عبر unsplash

أجابها: "انظري عن كثب، والمسي البطاطس". فعلَتْ ذلك ولاحظت أن البطاطس كانت ليّنة. ثمّ طلب منها أن تأخذ بيضة وتكسرها. وبعد نزع القشرة، لاحظت البيضةَ المسلوقة. وأخيراً طلب منها أن ترتشف القهوة، فجلبت رائحتُها الغنيّةُ ابتسامةً على وجهها.

سألت الابنة: "أبي، ماذا يعني هذا؟"

أوضح الأب أن البطاطس والبيض وحبوب القهوة واجهت كلُّها المحنةَ نفسَها – الماء المغلي.

ومع ذلك، كان ردّ فِعل كلّ واحد مختلفا.

الصورة عبر unsplash

دخلت البطاطس قوية وصلبة ولا هوادة فيها، لكنها في الماء المغلي أصبحت طرية وضعيفة.

كانت البيضة هشّة، وقشرتها الخارجية رقيقة تحمي داخلَها السائلَ حتى تمّ وضعُها في الماء المغلي، حيث أصبح داخلُ البيضة قاسياً.

ومع ذلك، كانت حبوب البن المطحون فريدةً من نوعها، إذ أنها وبعد تعرضّها للماء المغلي، قامت بتغيير الماء وخلقت شيئًا جديدًا.

ADVERTISEMENT

"من أنتِ؟" سأل ابنتَه. "عندما تطرق الشدائدُ بابَكِ، كيف تردّين؟ هل أنتِ بطاطا أم بيضة أم حبة قهوة؟

المغزى من القصة:

الصورة عبر unsplash

في الحياة، تحدث أشياءُ من حولنا، وتحدث أشياءُ لنا، ولكنّ الشيءَ الوحيد الذي يهمّ حقًا هو كيفية اختيارك للتفاعل والتآثر معها وما الذي سوف تستفيد منها.

تدور الحياة حول النّزعات التي نميل إليها ونعتمدها إزاء كلّ الصعوبات التي نواجهها ونسعى لتحويلها إلى شيء إيجابي. بغضّ النظر عن مدى صعوبة الأمور، أو كيف تبدو الأمور ميؤوساً منها، لا تستسلمْ. أدرِك أننا لا نخلق عالَمنا من الخارج إلى الداخل، بل نصنعه ونحوّله من الداخل إلى الخارج. لدينا جميعًا القدرة على أن نصبح "حبوبَ القهوة" عندما تصبح الأمور صعبة.

تسنيم علياء

تسنيم علياء

ADVERTISEMENT