قبل أن تصبح بطاقة بريدية، كانت زقاق الأزهار الأندلسية تقليدًا من تقاليد التكيّف مع المناخ

ما يبدو زقاقًا مغطى بالزهور كان في الأصل وسيلة للتعايش مع الحر في مدينة يشتد فيها قيظ الصيف لأشهر. تقع «كاييخا دي لاس فلوريس» في قلب قرطبة القديمة، قرب المسجد-الكاتدرائية، واشتهرت لاحقًا بجمالها؛ غير أن شكلها ينتمي إلى أسلوب عيش أقدم، يقوم على صنع الظل، والحد من سخونة الجدران، والعناية بفضاء منزلي تصل إليه المياه بانتظام.

عرض النقاط الرئيسية

  • اشتهرت «كاييخا دي لاس فلوريس» بجمالها، لكنها بدأت بوصفها جزءًا من استجابة قرطبة العملية لفصول صيف طويلة وشديدة الحرارة.
  • تساعد الجدران المطلية بالجير في الزقاق على عكس أشعة الشمس وتقليل امتصاص الحرارة في المركز التاريخي.
  • توفّر الشوارع الضيقة في قرطبة ظلًا دائمًا، ما يحدّ من التعرّض المباشر للشمس ويُبقي الهواء أبرد.
  • تسهم النباتات وأصيص الزهور في تبريد محدود عبر النتح التبخري، مع تآزرها مع الظل والرطوبة.
  • كانت الأفنية الداخلية التقليدية الموجّهة إلى الداخل عنصرًا أساسيًا في تبريد المنازل، إذ تجمع بين حركة الهواء والنباتات والماء والانغلاق المعماري.
  • تُبطئ أعمال البناء السميكة من الحجر والمباني انتقالَ الحرارة، ما يساعد الأبنية على الحفاظ على قدر أكبر من الاستقرار عبر تقلبات درجات الحرارة اليومية.
  • جاءت السياحة لاحقًا لتضخّم الصورة الزهرية للزقاق، لكنها لم تخلق المنطق البيئي الذي شكّل ملامحه.
صورة بعدسة كريستيان هيرغيسيل على Unsplash

يُنظر إلى هذا الممر الصغير كثيرًا كما لو أنه صُمم للبطاقات البريدية. لكن الزقاق يقع داخل حي تاريخي شكّلته حرارة الطقس، وتقارب المباني، والمنازل التي تنفتح إلى الداخل حول أفنية تمنح سكانها الظل والراحة. جاءت الصورة السياحية بعد أن استقر هذا النمط في الحياة اليومية للمدينة.

ثقافة الأفنية أقدم من الصورة السياحية

لم تبتكر قرطبة الزهور لإرضاء الزوار. ثقافة الأفنية فيها قديمة ومتجذرة، وقد أدرجت اليونسكو «مهرجان الأفنية في قرطبة» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي عام 2012. ويرتبط الإدراج بالممارسات الاجتماعية التي تدور داخل الأفنية، ومنها تزيينها جماعيًا بالنباتات والعناية بها، إلى جانب الغناء والرقص وتبادل الطعام والشراب.

توصية

قبل تدفق الزوار وهواتفهم، كانت العناية بهذا الشكل العمراني من أعمال الحي. كان السكان يسقون الأصص في الأوقات الأبرد من النهار ويجددون طلاء الجير الأبيض. وكانت الأبواب والنوافذ تتجه نحو الفناء، لأن مركز المنزل يؤدي وظيفة يومية لا توفرها الواجهة المطلة على الشارع: يجمع الظل والنباتات والماء وحركة الهواء في مساحة واحدة.

كانت معالجة الحر موزعة بين البناء والعادة. الزهور جزء من هذه العادة، ومعها الري والتظليل وصيانة الأسطح الفاتحة وتنظيم استخدام الفناء خلال ساعات اليوم.

كيف خففت البيوت والشوارع وطأة الحر؟

أول ما تراه هو التبييض بالجير. كان طلاء الجير الأبيض في جنوب إسبانيا رخيصًا وعمليًا، كما أن السطح الفاتح يعكس قدرًا أكبر من أشعة الشمس مقارنة بالسطح الداكن. وتوضح وزارة الطاقة الأمريكية أن الجدران الخارجية العاكسة تقلل امتصاص الحرارة الشمسية؛ لذلك يسخن سطح الجدار الأبيض ببطء أكبر تحت الشمس القوية.

ثم يأتي عرض الشارع. تمتلئ النواة التاريخية لقرطبة بالممرات الضيقة، وتقارب الجدران يحد من الساعات التي تصل فيها الشمس مباشرة إلى الأرض. بهذه الهندسة يصبح الشارع معبرًا مظللًا بين الساحات والمساحات المفتوحة الأكثر تعرضًا للشمس، بينما تبقى واجهاته في الظل مدة أطول.

تضيف النباتات أثرًا آخر من خلال النتح، أي انتقال الماء من الأوراق والتربة إلى الهواء. وتشرح وكالة حماية البيئة الأمريكية أن النباتات تساعد على تبريد الهواء بتوفير الظل وإطلاق الماء من الأوراق. لا يحول جدار من إصباريات الغرنوقي شهر أغسطس إلى ربيع، لكنه يضيف قدرًا من الرطوبة والتبريد الموضعي إلى الظل الذي تصنعه الجدران.

أما الأفنية فهي مركز هذا النظام المنزلي. حللت دراسة قادتها فيكتوريا لوبيز-كابيثا عام 2018 الأداء الحراري لأفنية في مبان تقليدية وسط قرطبة، ووجد الباحثون أن درجة الحرارة داخل الفناء تكون أدنى من الخارج في الطقس الحار، ما يساعد على الحد من فرط السخونة. ويتغير مقدار الأثر باختلاف شكل الفناء وتعرضه للشمس، إلا أن الجمع بين الظل وحركة الهواء والنباتات والجدران المحيطة يمنح المساحة الداخلية حرارة أكثر استقرارًا من الشارع المكشوف.

ويسهم الحجر السميك بطريقته. فكتلته الحرارية تجعله يمتص الحرارة ويطلقها ببطء، ما يخفف التقلبات الحادة خلال النهار عندما يكون المبنى مظللًا وتُفتح منافذه للتهوية في الأوقات المناسبة. بهذا تعمل عناصر البيت معًا: الجير يقلل اكتساب الحرارة، والفناء ينظم الظل والهواء، والحجر يؤخر انتقال السخونة إلى الداخل.

الجمال نتيجة لوظيفة استمرت طويلًا

عند رؤية أصص الزهور فوق الجدران البيضاء، يسهل افتراض أن التكوين كله بدأ عرضًا بصريًا. غير أن العمارة المحلية التي صاغها الاستعمال اليومي تصبح جذابة أحيانًا لأنها عالجت مشكلة عملية واستمرت عبر الأجيال. في قرطبة كانت المشكلة هي جعل المنازل والممرات أقدر على احتمال الصيف.

تنتمي «كاييخا دي لاس فلوريس» إلى هذا السياق. يؤكد مكتب سياحة قرطبة وقوعها في الحي اليهودي قرب المسجد-الكاتدرائية، داخل نواة عمرانية كثيفة تلائمها الشوارع الضيقة والمنازل المنفتحة على أفنيتها. الزقاق صورة مصقولة لعادات منتشرة في المدينة، وليس قطعة زخرفية منفصلة عن محيطها.

وتربط المواد السياحية الرسمية الزقاق بتقاليد الأفنية والزهور في قرطبة. غير أن قراءة المكان من خلال الزينة وحدها تخفي العلاقة بين مظهره والمناخ: الجدار الأبيض يعكس الشمس، وضيق الممر يصنع الظل، والنباتات تضيف النتح والرطوبة، والفناء يجمع هذه العناصر داخل البيت.

الأصص بين التبريد والزينة

كانت الوظيفة المناخية هي البداية، ثم التصق بها الجمال. فالطلاء الأبيض يعكس، والجدران المتقاربة تظلل الأرض، والنباتات تنتح، والأفنية تحتفظ بهواء أبرد، والحجر السميك يطلق الحرارة ببطء. عندما تجتمع هذه العناصر في مدينة حارة، يصبح شكل الزقاق امتدادًا لطريقة البناء والسكن.

ولا يلزم من ذلك أن كل أصيص على كل جدار عُلّق للتبريد وحده. مع مرور الوقت امتزجت المنفعة بالعرض؛ اعتنى السكان ببيوتهم، وظهرت المنافسة بين الأحياء والأفنية، ثم صار الزوار جزءًا من يوم المكان. ما بدأ عادة منزلية نافعة أصبح أيضًا عنصرًا يُعرض ويُصوّر.

وتحظى صورة الزقاق اليوم بعناية أكثر انتظامًا لأن السياحة تفضل الهيئة المألوفة: الأصص المرتبة، والزهور، والجدران البيضاء. صقلت السياحة هذا المظهر ووحدته، بينما بقيت عناصره الأساسية متصلة بتقاليد قرطبة المنزلية في التعامل مع الحر.

اقرأ الزقاق من خلال عناصره مجتمعة

إذا أردت ملاحظة الذكاء المناخي نفسه خلال نزهة في طقس حار، فانظر إلى مجموعة السمات بدل التركيز على تفصيل واحد. الشوارع الأبرد تجمع غالبًا أربعة عناصر: جدرانًا فاتحة، وظلًا ناتجًا عن ضيق الممر، ونباتات، وقدرًا محدودًا من أشعة الشمس المباشرة. وقد تنضم إليها أفنية داخلية أو جدران حجرية سميكة تبطئ انتقال الحرارة.

في «كاييخا دي لاس فلوريس» تظهر هذه العناصر في امتداد قصير: أصص فوق جدران بيضاء، وممر ضيق يصل إلى ساحة صغيرة. ومن تلك الساحة يبدو برج المسجد-الكاتدرائية مؤطرًا بين الجدران والزهور، وهي الصورة التي جعلت الزقاق واحدًا من أشهر مواضع قرطبة القديمة.

أحدث المقالات