لماذا يعتقد الناس أنهم على حق، حتى عندما يكونون مخطئين
قد تعرض على شخص دليلاً يناقض رأيه، ثم تراه يزداد تمسكاً به. وقد يحدث معك الشيء نفسه: تفحص الحجة التي تهدد موقفك بدقة شديدة، بينما تقبل بسرعة ما يؤيده. السبب أن العقل لا يعالج المعلومات دائماً كما يعالج مسألة محايدة؛ فقد يتعامل مع الاعتقاد كجزء من الهوية أو الولاء أو الأمان النفسي.
عرض النقاط الرئيسية
- يتمسك بعض الأشخاص بمعتقداتهم رغم الأدلة القوية التي تثبت خطأهم، نتيجة لاعتقادهم الراسخ بأنهم على حق.
- تقارن جوليا جاليف بين "عقلية الجندي" التي تدافع عن المعتقدات و"عقلية الكشافة" التي تسعى للفهم والوضوح.
- الاستدلال المحفّز يجعلنا نفسّر المعلومات بحسب دوافعنا اللاواعية ومخاوفنا، مما يعرض حكمنا للانحياز دون أن ندرك.
- ADVERTISEMENT
- تبرز قصة ألفريد دريفوس كيف يمكن للتحيّز واليقين الخاطئ أن يدين رجلًا بريئًا بالرغم من غياب الأدلة القاطعة.
- العقلية القائمة على الفضول والرغبة في معرفة الحقيقة، مثل عقلية العقيد بيكار، تمكن الأفراد من تجاوز تحيزاتهم والدفاع عن العدالة.
- تؤكد جوليا أن الحكم الجيد لا يعتمد على الذكاء أو المعرفة، بل على المشاعر والقدرة على تقبل الخطأ دون المساس بالقيمة الذاتية.
- تغيير العقلية نحو السعي الصادق لاكتشاف الحقيقة يتطلب تنمية شعور الفضول بدلاً من الدفاعية عند مواجهة أفكار مختلفة.
عقليتان للتعامل مع الأدلة
تشرح جوليا جاليف هذه الظاهرة من خلال صورتين: الجندي والكشاف. يسعى الجندي إلى حماية نفسه وجانبه وهزيمة الخصم، فتخضع المعلومات عنده لمنطق الهجوم والدفاع. أما الكشاف فيرسم خريطة للتضاريس ويجمع المعلومات ليعرف ما يوجد أمامه بأكبر قدر من الدقة. وتعرض جاليف هذه المقارنة في حديثها المنشور لدى منصة تيد عن سبب اعتقادك أنك على حق حتى عندما تكون مخطئاً.
هاتان الصورتان تصفان دوافع ذهنية، لا مستوى الذكاء. يمكنك امتلاك معرفة واسعة والوقوع مع ذلك في أسر موقف تريد الدفاع عنه. ويمكنك أيضاً أن تتعامل مع رأيك على أنه تقدير قابل للمراجعة. وترى جاليف أن جودة الحكم والتنبؤ والقرار ترتبط بالعقلية التي تستخدم بها معرفتك: هل تبحث عن الذخيرة لموقفك، أم عن وصف أدق لما حدث؟
توصية
قضية دريفوس: حين تحولت القرائن الضعيفة إلى يقين
تظهر خطورة هذا النمط في قضية ألفريد دريفوس. ففي عام 1894، عثرت الاستخبارات الفرنسية على رسالة ممزقة تشير إلى أن ضابطاً يبيع أسراراً عسكرية للألمان. اتهم الجيش دريفوس، وكان الجندي اليهودي الوحيد في هيئة الأركان، وسط عداء شديد للسامية. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن إدانته بالخيانة قادته إلى السجن المؤبد، قبل أن تصبح قضيته من أعمق الأزمات السياسية والقضائية في فرنسا.
قارن الضباط خط دريفوس بالرسالة واعتبروه مطابقاً، مع أن متخصصين في الخط خالفوا هذا الاستنتاج. وعندما لم يجدوا دليلاً في شقته، فسروا غياب الدليل على أنه علامة على مهارته في إخفاء نشاطه. كما استُخدم تعلمه 4 لغات في صغره وامتلاكه ذاكرة جيدة كقرائن ضده: الاهتمام باللغات عُد استعداداً للتآمر مع حكومات أجنبية، والذاكرة القوية عُدت صفة مناسبة للجاسوس.
كل معلومة كانت تُدفع في اتجاه النتيجة المقررة سلفاً. وجود شيء مشتبه فيه يثبت الذنب، وغيابه يثبت براعة المتهم. لم يكن الضباط، بحسب رواية جاليف للقضية، يوقعون رجلاً بريئاً في ورطة وهم يعلمون براءته؛ كانوا مقتنعين فعلاً بأنه مذنب. هنا تكمن المشكلة: الشعور باليقين لا يخبرك وحده عن قوة الدليل الذي بني عليه.
كيف يعمل الاستدلال المحفز؟
يسمى هذا النمط "الاستدلال المحفز". تشرح مراجعة زيفا كوندا المنشورة عام 1990 في دورية النشرة النفسية أن الدوافع قد تؤثر في الاستدلال عبر عمليات معرفية منحازة نستخدمها للوصول إلى المعتقدات وبنائها وتقييمها. لا تحتاج إلى اختلاق معلومة كي تنحاز؛ يكفي أن تبحث بجدية أكبر عن عيوب الدليل المزعج، وأن تمنح الدليل الموافق لرغبتك فحصاً أخف.
يمكنك ملاحظة ذلك في مباراة رياضية. إذا أصدر الحكم قراراً لمصلحة فريقك، فقد تقبله وتمضي. وإذا صدر القرار نفسه ضده، تعيد اللقطة وتفحص زاوية التصوير وتبحث عن سبب لنقضه. يتغير معيار التدقيق مع تغير الطرف المستفيد. ويظهر النمط ذاته عندما تصوت، أو تحكم على عدالة قرار، أو تقرر إن كان سلوك ما أخلاقياً.
تكمن صعوبة الاستدلال المحفز في أنه لا يبدو لك انحيازاً أثناء حدوثه. أنت تشعر بأنك تجمع الحجج وترد على نقاط الخصم بموضوعية، مع أن رغبتك في نتيجة معينة قد تكون هي التي تحدد مقدار الشك الموجه إلى كل معلومة.
بيكار قبل الحقيقة غير المريحة
بعد سجن دريفوس، لاحظ العقيد جورج بيكار أن المعلومات العسكرية ما زالت تتسرب إلى الألمان. أثار ذلك احتمال براءة دريفوس، ثم ظهر ضابط آخر يطابق خطه الرسالة التي بدأت القضية. وتذكر الموسوعة البريطانية أن بيكار، رئيس جهاز مكافحة التجسس في الجيش، خلص إلى أن فرديناند فالسين إسترهازي هو المسؤول عن الجريمة.
عندما عرض بيكار ما لديه على رؤسائه، لم يغير الدليل موقفهم؛ تجاهلوه أو قدموا تفسيرات جديدة للإبقاء على دريفوس مذنباً. ودفع بيكار ثمناً لموقفه، إذ سُجن هو أيضاً بتهمة عدم الولاء للجيش. وبعد 10 سنوات ثبتت براءة دريفوس.
كان بيكار نفسه معادياً للسامية، ومع ذلك قبل دليلاً اصطدم بمعتقداته الشخصية وبمصلحة المؤسسة التي ينتمي إليها. في إطار جاليف، يجسد ذلك عقلية الكشاف: أولوية معرفة ما حدث فعلاً، حتى حين تكون النتيجة محرجة أو مؤلمة أو مخالفة لما يريد المرء تصديقه.
المشاعر تحدد طريقة استخدامك لذكائك
لماذا يستطيع شخص مراجعة موقفه بينما يحول آخر كل اعتراض إلى سبب إضافي للتمسك به؟ تربط جاليف الفارق بالمشاعر المصاحبة للمعلومة. عقلية الجندي تقوم على الدفاع والانتماء إلى الجماعة؛ أما عقلية الكشاف فتقوم على الفضول والاستعداد لاكتشاف مفاجأة تخالف التوقعات.
إذا ربطت قيمتك الذاتية بصحة رأيك، سيبدو الاعتراف بالخطأ إهانة أو هزيمة. أما إذا فصلت بين كرامتك وبين دقة موقف واحد، فيمكنك تغيير رأيك من دون أن تصف نفسك بالغباء. عندئذ تصبح المعلومة المخالفة فرصة لتعديل الخريطة، لا هجوماً شخصياً يجب صده. الذكاء والمعرفة يزودانك بأدوات أكثر، لكن الدافع يحدد هل تستخدمها للفحص أم للدفاع.
حوّل الفضول إلى طريقة للفحص
لتحسين حكمك، اختبر معتقدك قبل الدخول في النقاش. حدد الدليل الذي سيجعلك تخفض ثقتك به، ثم لاحظ هل تقبل المعيار نفسه عندما تكون النتيجة في مصلحتك وعندما تكون ضدها. وإذا وجدت تفسيراً ينقذ موقفك من كل نتيجة ممكنة، فتوقف عنده: الاعتقاد الذي يعد وجود الدليل وغيابه تأييداً له يصعب اختباره بإنصاف.
بعد قراءة الحجة المقابلة، حاول صياغتها كما يفهمها صاحبها، ثم ميز بين ما تعرفه وما تستنتجه وما تريده. قد تبقى على رأيك؛ عقلية الكشاف لا تفرض تغيير الموقف في كل مرة. المطلوب أن تكون أسباب بقائك عليه قابلة للفحص، وأن تسمح للمعلومة الجديدة بتغيير مقدار ثقتك.
تضع جاليف أمامك اختياراً مباشراً: هل تتوق أكثر إلى الدفاع عن معتقداتك، أم إلى رؤية الأمور بأكبر قدر ممكن من الوضوح؟ الإجابة تظهر في طريقة معاملتك للدليل الذي يزعجك، وفي استعدادك إلى مراجعة رأيك من دون اعتبار المراجعة خسارة شخصية.