القصة غير المروية: عدد الأهرامات في السودان ضعف عدد الأهرامات في مصر
كان السودان موطنًا لمملكة كوش، المنافسة لمصر والمتأثرة بثقافتها ومعتقداتها. وفي مروي، التي صارت عاصمة المملكة، دُفن أكثر من 30 ملكًا بين نحو 200 هرم. ويبلغ العدد المنسوب إلى السودان كله 255 هرمًا، مقابل 118 هرمًا في مصر؛ ومن هنا تأتي المقارنة التي تجعل عدد الأهرامات السودانية أكثر من الضعف. وتمتد قصة هذه المملكة وحكامها ومدافنها الهرمية إلى سياق تاريخي بدأ قبل أكثر من 5000 عام.
عرض النقاط الرئيسية
- كانت مملكة كوش في السودان القديم منافسًا قويًا لمصر وقد تبنت ثقافتها ومعتقداتها بما في ذلك الآلهة والكتابة الهيروغليفية.
- ازدهرت مروي، عاصمة كوش الجديدة، بفضل موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية الغنية كالحديد والذهب، مما دعم تطور الصناعة والزخرفة المعدنية.
- حكم "الفراعنة السود" من سلالة كوش مصر لمدة تقارب المئة عام، وحرصوا على إحياء التراث المصري القديم بما في ذلك بناء الأهرامات.
- ADVERTISEMENT
- أُنشئت في مروي أكثر من 200 هرم مدفون فيها ملوك وملكات كوش، مما جعل عدد الأهرامات في السودان يفوق نظيره في مصر.
- بعد تراجع مملكة كوش بسبب الغارات الخارجية وتدهور المحاصيل، تلاشت عبادات آمون وظهرت ديانات جديدة كالمسيحية والإسلام.
- أسهم سارق القبور الإيطالي جوزيبي فيرليني في تدمير عشرات الأهرامات في مروي خلال القرن التاسع عشر بحثًا عن الكنوز، مسببًا ضررًا أثريًا بالغًا.
- رغم أن السياحة في السودان لا تزال محدودة، إلا أن المواقع التاريخية الفريدة فيه تقدم تجربة ساحرة لعشاق التاريخ والمغامرة.
«الفراعنة السود» وصعود الأسرة الخامسة والعشرين
على مدى 200 عام، أرسل الفراعنة المصريون جيوشهم جنوبًا بمحاذاة النيل بحثًا عن الذهب والجرانيت المستخدم في التماثيل وريش النعام والعبيد. ثم شيدوا الحصون والمعابد لإظهار سيطرتهم على النوبيين، السكان الأوائل لوادي النيل الأوسط، في شمال السودان الحالي وجنوب مصر. وكانت المنطقة من أقدم مراكز الحضارة في وادي النيل.
توصية
عُرفت المنطقة باسم مملكة كوش، وتبنى الكوشيون جوانب كثيرة من الثقافة المصرية، من عبادة الآلهة إلى الكتابة الهيروغليفية. وعندما انهارت الإمبراطورية المصرية عام 1070 قبل الميلاد، قادت السلالة النوبية التي أسسها ألارا، ملك كوش، نهضة للتقاليد المصرية شملت بناء أهرامات خاصة بحكامها.
ازدهرت السلالة النوبية عسكريًا واقتصاديًا، وعد حكامها أنفسهم أبناء حقيقيين للإله آمون. وتقدم بيي، حفيد ألارا، شمالًا لإعادة بناء المعابد وبسط سلطته على وادي النيل، ضمن نطاق امتد من ليبيا إلى فلسطين وجنوبًا حتى منطقة الخرطوم الحديثة. ويسجل متحف المتروبوليتان للفنون أن بيي، المعروف أيضًا باسم بعنخي، غزا صعيد مصر وارتبط ببداية حكم الأسرة الخامسة والعشرين. واستمر حكم القادة الذين يُعرفون باسم «الفراعنة السود» لمصر قرابة 100 عام.
توفي بيي عام 715 قبل الميلاد بعد حكم دام 35 عامًا. ومع أنه عاد إلى النوبة عقب فتح مصر، فقد طلب أن يُدفن على الطراز المصري. ودُفن داخل هرم، فكان أول فرعون منذ أكثر من 500 عام يُدفن بهذه الطريقة.
انتهى عهد الأسرة الخامسة والعشرين بعد الغزو الآشوري لمصر. وأزال المنتصرون أسماء حكامها من آثار مصر، كما دمروا تماثيلهم ومعالمهم في محاولة لمحو حضورهم السياسي والتاريخي.
انتقال العاصمة إلى مروي
بعد فقدان الفراعنة النوبيين سلطتهم في مصر، تراجعوا جنوبًا إلى مروي الواقعة على النيل، واتخذوها عاصمة جديدة. جمع موقعها بين طرق التجارة الأفريقية الداخلية ومسارات القوافل القادمة من البحر الأحمر، وكانت تحيط بها مناجم الحديد والذهب. أسهمت هذه الموارد في نمو صناعة المعادن، ولا سيما المشغولات الذهبية، وأصبحت مروي آخر موقع دفن كبير لحكام كوش الملكيين.
تصف اليونسكو المواقع الأثرية لجزيرة مروي بأنها قلب مملكة كوش، وتضم المدينة الملكية القريبة من النيل ومواقع دينية في النقعة والمصورات الصفراء. وتشمل بقايا العاصمة معابد وقصورًا وحمامات ملكية ومناطق سكنية، إلى جانب حقول الأهرامات المرتبطة بالمدينة.
لماذا توجد أهرامات كثيرة في السودان؟
ساعد بُعد مروي عن القاهرة الكوشيين على الاحتفاظ باستقلالهم وتطوير صيغة خاصة تجمع عناصر سودانية ومصرية في الثقافة والدين حتى القرن الرابع الميلادي. وكان بناء الأهرامات جزءًا أساسيًا من تقاليد الدفن الملكي؛ فقد شُيد أكثر من 200 هرم في مروي وحدها، بينما يصل العدد المنسوب إلى السودان بمواقعه المختلفة إلى 255 هرمًا.
وتورد الجزيرة أن مروي تضم أكثر من 200 هرم ضيق شديد الانحدار بُنيت بين 800 قبل الميلاد و350 ميلاديًا لتكون مقابر. ومن أبرز المدافن في الموقع مقابر 30 ملكًا وثماني ملكات وثلاثة أمراء. ويبين هذا التركيز في الحقول الجنائزية كيف تجاوز مجموع الأهرامات السودانية العدد الموجود في مصر، رغم أن أهرامات الجيزة أكبر وأشهر عالميًا.
أدرجت اليونسكو المواقع الأثرية لجزيرة مروي على قائمة التراث العالمي عام 2011، ووصفت أهراماتها بأنها نماذج بارزة للعمارة الجنائزية الكوشية. وتتراوح أبعاد الأهرامات النوبية من 6 إلى 27 مترًا على الجانب، مقارنة بنحو 230 مترًا للهرم الأكبر، كما أن جوانبها أشد انحدارًا. وبينما تخلى المصريون القدماء إلى حد بعيد عن بناء الأهرامات واتجهوا إلى المقابر المخفية، واصل النوبيون استخدامها؛ ولذلك بُني كثير منها بعد أهرامات الجيزة بنحو 2000 عام.
بحلول عام 300 ميلاديًا، كانت مملكة كوش تتراجع. وتزامن ضعف الزراعة مع ازدياد الغارات القادمة من إثيوبيا وروما، ثم انتشرت المسيحية والإسلام في المنطقة، وتراجعت عبادة الإله المصري آمون.
جوزيبي فيرليني والأضرار التي لحقت بالأهرامات
انتشرت على مر القرون روايات عن ذهب مروي، ووصلت إلى سارق المقابر الإيطالي جوزيبي فيرليني. وفي عام 1834 وصل إلى الموقع وبدأ نهب القبور التي كان المستكشف فريدريك كايليود قد وجدها «في حالة جيدة» قبل ذلك ببضع سنوات.
في واد بان ناقا، سوّى فيرليني هرم الملكة أمانيشاخيتو بدءًا من أعلاه، ثم عثر على عشرات القطع من المجوهرات الذهبية والفضية. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه دمر عدة أهرامات في عام 1834 قبل أن يصل إلى كنز الملكة، بينما تذكر الجزيرة أنه حطم قمم 40 هرمًا بحثًا عن الكنوز. وما زالت الأضرار التي خلفها ظاهرة في الموقع الذي يضم أحد أكبر تجمعات الأهرامات القديمة.