ADVERTISEMENT

الآثار الرومانية في السويداء (فنزويلا الصغيرة) بسوريا

تجمع محافظة السويداء، في جنوب سوريا، بين أرض جبلية بركانية ومدن احتفظت بأجزاء واضحة من عمرانها الروماني. ومن هذه الطبيعة جاء لقب "فنزويلا الصغيرة" المتداول عن المنطقة. تظهر الطبقة الرومانية خصوصًا في قنوات القديمة وشهبا، إلى جانب مواقع أصغر مثل المجدل، حيث تتوزع المعابد والمسارح والمنشآت المائية والفسيفساء بين بلدات مأهولة حتى اليوم.

عرض النقاط الرئيسية

  • السويداء منطقة ذات طابع جبل بركاني وتزخر بآثار رومانية مميزة.
  • قنوات الكاناثا نظام هندسي قديم لإدارة المياه بدقة.
  • مدينة شهبا عرفت بأصولها الآرامية وأهميتها التاريخية والتجارية.
  • ADVERTISEMENT
  • قلعة صلخد تعتبر معلمًا دفاعيًا هامًا عبر العصور.
  • موقع مجدل يحتوي على فسيفساء رومانية وبيزنطية نادرة الألوان والتفاصيل.
  • الآثار تعكس عظمة الحضارة والتاريخ السوري العريق.
  • المحافظة تقدم محتوى سياحي وتعليمي يجذب الزوار والأساتذة الباحثين.

يختلف ما بقي من موقع إلى آخر: ففي قنوات تساعد المنشآت المائية على فهم إدارة المياه في التضاريس الجبلية، بينما تقدم شهبا نموذجًا لمدينة رومانية ذات مسرح ومعبد ومحاور عمرانية. أما المجدل فيبرز من خلال أرضياته الفسيفسائية المنسوبة إلى العصرين الروماني والبيزنطي.

تصوير رافاييل غوميز

قنوات القديمة ومنشآتها المائية

يفيد سجل بلياديس الجغرافي للعالم القديم بأن كاناثا أو كانثا هو اسم المدينة الهلنستية الرومانية التي تقوم قنوات الحديثة فوق موقعها في حوران. وهذا يوضح الفرق بين اسم المدينة القديمة وبين القنوات والأنفاق والخزانات التي كانت جزءًا من نظامها المائي. يرتبط اسم "كاناثا" بالكلمة الآرامية "قناة"، بمعنى المسار المائي، وهو ارتباط يلائم حضور المياه في اسم المكان وفي منشآته الأثرية.

ADVERTISEMENT

توصية

تضم المنطقة شبكة من القنوات المائية تحت الأرض كانت تنقل المياه من المصادر الطبيعية والينابيع الجبلية نحو التجمعات السكنية والأراضي الزراعية. يعود إنشاء هذه المنشآت إلى العصر الروماني، ثم استمر استخدامها خلال العصرين البيزنطي والإسلامي. وقد ساعدت على تأمين مياه الشرب والري في بيئة جبلية قليلة الأمطار، فخففت ارتباط الزراعة بالمواسم الماطرة وحدها.

كيف كان الماء يتحرك داخل الشبكة؟

اعتمد التصميم على أنفاق تُحفر بانحدار محسوب، بحيث تتحرك المياه بالجاذبية من مستوى أعلى إلى القرى والمزارع الواقعة أدنى منه. لم تكن هناك حاجة إلى مضخات؛ إذ كان استمرار التدفق مرتبطًا بسلامة الميل وخلو الممرات من الرواسب والعوائق. وبسبب امتداد الأنفاق تحت الأرض، تقل مساحة المياه المعرضة للشمس والتبخر مقارنة بالمجاري المكشوفة.

ADVERTISEMENT

بُطنت أجزاء من القنوات بالحجارة لتثبيت الجدران والحد من التسرب. كما وُجدت فتحات توزيع صغيرة عُرفت باسم "النوافير" أو "العيون"، وكان السكان يحصلون منها على الماء أو يوجهونه إلى مناطق أخرى. وتطلبت الشبكة تنظيفًا وصيانة منتظمين؛ فأي انسداد في جزء مرتفع كان يؤثر في النقاط التي تليه.

الماء والزراعة والحياة المحلية

أتاحت القنوات استمرار الزراعة في مواضع لا يكفيها المطر الموسمي، وساعدت على استقرار إمدادات الشرب. كما فرض تشغيلها نمطًا جماعيًا من العمل، لأن حفر الأنفاق وتبطينها وتنظيفها وتوزيع الماء لا يمكن أن تؤديه أسرة واحدة على امتداد الشبكة. وهكذا ارتبطت المنشآت المائية بتنظيم الزراعة والعلاقات بين القرى، لا بالهندسة وحدها.

تصوير رافاييل غوميز

ما بقي من النظام المائي

تراجعت أهمية القنوات مع دخول تقنيات حديثة وتغير أساليب الزراعة، غير أن بعض أجزائها ظل مستخدمًا كمصدر تقليدي للمياه في قرى جبلية. وبدأت كذلك جهود محلية ودولية لإعادة تأهيل أجزاء من الشبكة والحفاظ عليها ضمن التراث الثقافي للمنطقة.

ADVERTISEMENT

عند قراءة الموقع أثريًا، ينبغي جمع عنصرين في صورة واحدة: قنوات هي امتداد لمدينة كاناثا القديمة، والمنشآت المائية واحدة من مكونات تلك المدينة. ويمنع هذا التفريق الخلط بين اسم الموقع ونوع هندسي معروف في مناطق أخرى باسم القناة أو القَنَوات.

شهبا أو فيليبوبوليس: مشروع مدينة رومانية

تقع شهبا وسط سهول تحيط بها مرتفعات بركانية في محافظة السويداء، وعُرفت في العهد الروماني باسم فيليبوبوليس (Philippopolis)، أي "مدينة فيليب". ارتبط الاسم بالإمبراطور فيليب العربي، الذي يُعتقد أنه وُلد في المنطقة أو كانت له صلة مباشرة بها. وتمتد جذور الاستيطان في شهبا لأكثر من 3000 عام، إذ كانت مستوطنة آرامية صغيرة قبل توسعها في العصرين الروماني والبيزنطي.

يُنسب اسم "شهبا" إلى كلمة آرامية تعني "السوق" أو "المكان التجاري". وينسجم هذا المعنى مع موقعها على طرق الحركة بين دمشق وبصرى الشام، حيث مرت القوافل وتبادلت المنطقة المنتجات الزراعية والسلع. ومع ازدهارها ظهرت فيها مبان عامة ودينية وأسواق وطرق ذات أعمدة وأقواس.

ADVERTISEMENT
تصوير رافاييل غوميز

القلعة والمعبد والمسرح

قلعة شهبا: تعود نواتها إلى العصر الروماني، ثم عُدلت وأعيد بناؤها خلال العصور الإسلامية لتؤدي وظيفة دفاعية. وتتميز بأسوار كبيرة وأبراج مرتفعة تطل على المدينة وما حولها، وهو ما يبين كيف أعادت العصور اللاحقة استخدام مبنى أقدم ضمن احتياجاتها العسكرية.

المعبد الروماني: يعود إلى القرن الثاني الميلادي، وكان مخصصًا للإلهة فينوس. تظهر فيه الأعمدة والزخارف المعمارية الدقيقة، بينما تصف وكالة الأنباء السورية مبنى آخر في شهبا باسم المعبد الإمبراطوري الروماني، وتضعه بمحاذاة الطريق الروماني الرئيس. يساعد ذلك على تمييز المنشآت الدينية المتعددة داخل المدينة بدل جمعها تحت اسم معبد واحد.

المسرح الروماني: يقع في قلب شهبا ويتسع لنحو 3000 متفرج. كان مكانًا للعروض والاحتفالات العامة، ويؤكد أرشيف التراث السوري وجوده ضمن آثار فيليبوبوليس من خلال توثيق صورته الخارجية وتصنيفه مسرحًا رومانيًا.

ADVERTISEMENT

الأعمدة والأقواس: تنتشر بقاياها على امتداد الطرق والأسواق القديمة. ومن خلال مواضعها يمكن تتبع أجزاء من المحاور التي ربطت المداخل بالمباني العامة، ومعرفة كيف نُظمت الحركة داخل المدينة.

الفسيفساء تضيف طبقة أخرى إلى شهبا

لا تقتصر آثار شهبا على الكتل البازلتية والمباني. يوثق المتحف الافتراضي السوري لوحة فسيفساء رومانية من فيليبوبوليس تصور أفروديت، أو فينوس، داخل صدفة تحيط بها كائنات بحرية وشخصيات إيروس. وتبين هذه اللوحة أن الزخرفة الداخلية كانت جزءًا من عمارة المدينة، إلى جانب المسرح والحمامات والمعبد والطرق.

تُعرض في متحف المدينة فسيفساء عُثر عليها في شهبا، وقد تناولت دراسة جامعية تقنيات إنشاء الفسيفساء في متحف فيليبوبوليس وخطط ترميم الأرضيات وعرضها. وتتيح مقارنة اللوحات بالمباني القائمة قراءة جانبين متكاملين: تخطيط المدينة العام من الخارج، والموضوعات الفنية التي زينت أرضياتها من الداخل.

ADVERTISEMENT
تصوير رافاييل غوميز

شهبا بعد العصر الروماني

ظلت المدينة مركزًا تجاريًا وثقافيًا خلال العصر البيزنطي، واستفادت من موقعها بين دمشق وبصرى الشام. وفي العصر الإسلامي حوفظ على بعض المباني وأعيد استخدام أجزاء منها. ثم استمرت شهبا في العهد العثماني مركزًا زراعيًا وتجاريًا يخدم المناطق المجاورة.

تشتهر شهبا أيضًا بزراعة الخضروات والفواكه وصناعة النبيذ التقليدي. وبالنسبة إلى المهتم بالآثار، يمكن ترتيب مشاهدة عناصرها بدءًا من القلعة والمعبد، ثم المسرح والطرق ذات الأعمدة، وصولًا إلى الفسيفساء؛ فهذا التسلسل يكشف البناء الدفاعي والديني والمدني والفني للمدينة من دون فصل كل أثر عن محيطه.

أنشطة مرتبطة بالموقع

  • استكشاف الآثار: مشاهدة القلعة والمعبد والمسرح وتتبع الأعمدة والأقواس على امتداد الطرق القديمة.
  • التصوير: توثيق العلاقة بين الأبنية الأثرية والمدينة الحديثة، مع الانتباه إلى تفاصيل الحجر والأعمدة.
  • التنزه: تمتد حول شهبا جبال وسهول تصلح للمشي والتخييم.
  • المأكولات المحلية: تشمل الأطباق المتداولة الكبة والمشويات، إلى جانب النبيذ المحلي.
ADVERTISEMENT
تصوير رافاييل غوميز

المجدل وفسيفساؤه النادرة

يقع موقع المجدل في محافظة السويداء، ويضم مباني أثرية وفسيفساء تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي. وذكرت صحيفة سيريا تايمز أن لوحة فسيفسائية مميزة اكتُشفت داخل غرفة مبنية من الحجر البازلتي، وهي معلومة تربط العمل الفني بعمارة المنطقة المحلية بدل عرضه قطعة منفصلة عن موضعه.

تتميز فسيفساء المجدل بدقة التفاصيل وتعدد الألوان التي بقيت ظاهرة بعد مرور قرون. وتشمل موضوعاتها مناظر طبيعية ومشاهد أسطورية تعكس جانبًا من الحياة اليومية والمعتقدات الدينية في تلك الحقبة. وقد اعتمد الفنانون على وحدات صغيرة ملونة لتكوين الصور والزخارف فوق الأرضيات.

تكمل المجدل صورة الآثار الرومانية في السويداء: فبينما تعرض قنوات صلة المدينة القديمة بالماء، وتكشف شهبا عن تخطيط عمراني يضم المسرح والمعبد والطرق والفسيفساء، يحتفظ المجدل بمثال مركز على انتقال الفن الروماني إلى المرحلة البيزنطية داخل بناء من البازلت.

أحدث المقالات