عرض النقاط الرئيسية
ترتبط بعض سمات الشخصية باحتمال تشخيص الخرف بعد سنوات. ففي التحليل الذي قادته إيموري بيك في جامعة كاليفورنيا ديفيس، اقترنت العصابية المرتفعة وكثرة المشاعر السلبية، إلى جانب انخفاض الضمير والانبساط والمشاعر الإيجابية، باحتمال أعلى للتشخيص. وظهر الارتباط المعاكس لدى أصحاب الدرجات المرتفعة في الضمير والانبساط والتأثير الإيجابي.
جمع الباحثون بيانات من نحو 44000 شخص في دراسات أُجريت في 5 دول موزعة على 3 قارات. وتعرض الورقة، التي نُشرت عام 2023 في مجلة «ألزهايمر والخرف» بعنوان «مؤشرات الشخصية لتشخيص الخرف والعبء المرضي العصبي: تحليل تلوي لبيانات المشاركين الأفراد»، نتائج 8 دراسات مستقلة شملت 44531 مشاركاً، بينهم 1703 أشخاص شُخّصوا بالخرف. العلاقة رصدية وإحصائية؛ فلا تثبت أن سمة شخصية بعينها تسبب الخرف أو تمنعه.
قراءة مقترحة
قاس الفريق السمات المعروفة باسم «العوامل الخمسة الكبرى» للشخصية:
وشمل القياس أيضاً الرفاهية الذاتية، بما فيها الرضا عن الحياة وتكرار المشاعر الإيجابية والسلبية. لم تعتمد الدراسات سؤالاً واحداً لاختصار الشخصية، وإنما استخدمت استبيانات متعددة. ثم واءم الفريق درجاتها حتى تصبح العينات المختلفة قابلة للمقارنة، مع مراعاة اختلاف المقاييس وفترات المتابعة وطريقة تشخيص الخرف.
بحسب نتائج التحليل، ارتبطت الدرجات الأعلى في الضمير والانبساط والتأثير الإيجابي بانخفاض احتمال تشخيص الخرف. أما العصابية والتأثير السلبي المرتفعان فارتبطا بزيادة الاحتمال، كما تكرر النمط لدى من سجلوا درجات منخفضة في الضمير والانبساط والتأثير الإيجابي. وظلت هذه الروابط ظاهرة عبر عينات ومقاييس وفترات متابعة مختلفة.
وقدمت بيك في مقابلة مع مجلة «بي بي سي ساينس فوكس» مثالاً على حجم أحد الارتباطات: «على سبيل المثال، ارتبطت زيادة بنسبة 10 في المائة في درجة الوعي الضميري بانخفاض احتمالات الإصابة بالخرف بنحو 15 مرة، وهو فرق جوهري للغاية». كانت المقارنة بين درجات على مقياس للشخصية واحتمالات التشخيص داخل التحليل، فلا تساوي نسبة خفض متوقعة لشخص يغير بعض عاداته.
يقترح الباحثون عدة مسارات محتملة للصلة. فالضمير والانبساط والتأثير الإيجابي قد تترافق مع عادات صحية أفضل، وتعليم أطول، ووحدة أقل ومستويات أدنى من التوتر. ترتبط هذه الظروف بدورها بصحة الدماغ، إلا أن التحليل لم يعزل مساراً سببياً واحداً يفسر جميع النتائج.
بدت الصورة مختلفة عندما قارن الباحثون سمات الشخصية بالعلامات المرضية في أنسجة الدماغ. توافرت بيانات التشريح العصبي لنحو 50% من حالات الخرف، ومع ذلك لم يجد التحليل ارتباطاً ثابتاً بين الشخصية واللويحات أو سائر المؤشرات المرضية التي قيست بعد الوفاة.
بعبارة أخرى، السمات التي اقترنت بتشخيص أقل للخرف لم تقترن بالضرورة بعبء مرضي أقل داخل الدماغ. ومن التفسيرات التي ناقشها الفريق أن بعض السمات، أو السلوكيات والظروف المصاحبة لها، قد تساعد الشخص على تحمل التغيرات المرضية مدة أطول قبل ظهور أعراض واضحة. يقترب هذا التفسير من مفهوم المرونة أمام المرض، لكنه لم يُختبر في التحليل بوصفه آلية مباشرة.
صاغت بيك المسألة في سؤال نقلته «بي بي سي ساينس فوكس»: «كيف يمكن لشخصين يبدو أنهما يعانيان من نفس الضرر في الدماغ أن يظهرا أعراضاً مختلفة تماماً لمجرد أن شخصياتهما كانت مختلفة؟». وأضافت أن هذا هو «اللغز الذي نحاول حالياً حله في أعمال أخرى».
تفرض عينة الدراسة حدوداً على تعميم النتيجة. فقد جاءت جميع بيانات الأمراض العصبية من الولايات المتحدة، ولم تكن الدراسات ممثلة للسكان من حيث العرق. ويرى الباحثون أن اختبار العلاقة بصورة أدق يتطلب مؤشرات حيوية للخرف، وعينات أكثر تنوعاً، وتصميمات تستطيع فصل أثر السمات عن السلوك والبيئة والحالة الصحية السابقة.
لا تضع النتائج الشخص العصابي أو قليل التنظيم أمام مصير محدد. تقول بيك: «كانت هناك فترة طويلة من الزمن حيث كنا نظن أن الشخصية غير قابلة للتغيير؛ أي أنك عالق بشخصيتك منذ ولادتك». وتضيف أن هذه النظرة أصبحت قديمة، لأن السمات يمكن أن تتبدل مع العمر والخبرات والتدخلات النفسية.
يميل الناس مع التقدم في السن إلى انخفاض العصابية وارتفاع الضمير، مع استمرار فروق كبيرة بينهم. وقد يحتفظ بعض الأشخاص بمستويات مرتفعة من العصابية أو منخفضة من الضمير في منتصف العمر، كما تتغير المشاعر والسلوكيات خلال الفترات الصعبة. وهذا يجعل درجة الاستبيان وصفاً لنمط في وقت معين، لا حكماً ثابتاً على حياة الشخص كلها.
يمكن بناء جوانب الضمير من خلال عادات وروتينات منتظمة، مثل تنظيم المواعيد والالتزام بخطط قابلة للاستمرار. وقد تؤثر البيئة الاجتماعية في السلوك أيضاً. ففي دراسة قادها برنت روبرتس في جامعة إلينوي على أزواج أكبر سناً، ارتبط وجود شريك يتسم بالضمير بصحة أفضل لدى الطرف الآخر حتى بعد أخذ سمات ذلك الطرف في الحسبان.
أما العصابية، فوجدت مراجعة منهجية نشرها برنت روبرتس وزملاؤه عام 2017 بعنوان «مراجعة منهجية لتغير سمات الشخصية من خلال التدخل» أن التدخلات النفسية ارتبطت بتغيرات في سمات الشخصية، وكان الانخفاض في العصابية من أبرزها. وظهرت هذه التحولات خلال فترة أقصر من التغيرات المعتادة المرتبطة بالتقدم في العمر.