تجمع البحيرات العظمى ثلاثة عناصر يصعب اجتماعها في موقع واحد: رياح قوية، ومساحات مائية واسعة، ومدن ومراكز صناعية كبيرة على مقربة من المورد. وذكرت هيئة الإذاعة الكندية أن سرعة الرياح تتجاوز 8.5 متر في الثانية في أجزاء من البحيرات، وهي ظروف تقارب رياح بحر الشمال الأوروبي، الذي كان يضم 25 جيجاوات من توربينات الرياح البحرية عند نشر المقارنة في 2025.
عرض النقاط الرئيسية
قدّر المختبر الوطني للطاقة المتجددة في تحليله الصادر عام 2023 قدرة الرياح البحرية التقنية في البحيرات بنحو 575 جيجاوات، موزعة بين 160 جيجاوات من التوربينات الثابتة في القاع ونحو 415 جيجاوات من الأنظمة العائمة. وحسب تحليل أكاديمي نشرته منصة ذا كونفرسيشن عام 2025، يمكن لهذا المورد أن ينتج ما يعادل ثلاثة أمثال الكهرباء التي تستخدمها ولايات البحيرات العظمى الثماني مجتمعة.
قراءة مقترحة
قرب التوربينات المحتملة من مراكز الاستهلاك يتيح توجيه الكهرباء إلى المنازل والمصانع والمناطق المجاورة مع تقليص مسافات النقل. وتزداد قيمة هذا الموقع مع نمو الطلب المرتبط بالمركبات الكهربائية ومراكز البيانات العاملة بالذكاء الاصطناعي وتوسيع البنية التحتية الكهربائية، إذ يمكن ربط المشروعات بشبكات الولايات المحيطة من دون نقل كامل إنتاجها عبر مسافات بعيدة.
يختلف المسار التنظيمي عن مشروعات المحيطات الأمريكية. ويوضح تحليل ذا كونفرسيشن أن الولايات، لا الحكومة الاتحادية، تتولى عقود الإيجار والتصاريح لمشروعات الرياح في الأجزاء الأمريكية من البحيرات، مع مشاركة وكالات اتحادية في بعض المراجعات والأنشطة. أما المياه الكندية فتخضع للسلطات الفيدرالية والإقليمية في كندا. يمنح ذلك الولايات مجالا لتصميم برامج خاصة بالبحيرات، لكنه يبقي المراجعات البيئية والتنسيق الملاحي والعابر للحدود جزءا من التطوير.
يتطلب استغلال المورد الجمع بين نوعين من التوربينات. تثبت توربينات القاع مباشرة في قاع البحيرة، فتناسب المياه الضحلة في أجزاء من بحيرتي إيري وميشيغان. أما التوربين العائم فيقام على منصة طافية تربطها خطوط إرساء ومراسي بالقاع، ما يفتح المياه الأعمق في بحيرتي أونتاريو وسوبيريور أمام التطوير.
يوضح دليل الرياح البحرية الصادر عن المختبر أن الأساسات الثابتة ترتفع كلفتها وتقل جدواها عادة بعد عمق 60 مترا، فتزداد أهمية المنصات العائمة وراء هذا الحد. ويمكن تجميع المنصة والتوربين في الميناء ثم سحبهما إلى الموقع. كما يسمح اختيار مواقع أبعد عن الساحل بتخفيف الأثر البصري وتجنب بعض مناطق الترفيه، مع بقاء ممرات الشحن ومسارات الكابلات وطبيعة القاع والعمق قيودا حاسمة.
خرجت الرياح العائمة من المرحلة التجريبية في مواقع بحرية، إلا أن بيئة البحيرات تطرح مسائل هندسية مختلفة. فقد أوضح المختبر في 2023 أن الجليد السطحي السنوي في المياه العذبة يمثل تحديا لم تختبر معه التوربينات العائمة تجاريا. ويضاف إليه التآكل في المياه العذبة والتقلبات الجوية الموسمية القاسية. ويعمل الباحثون والمطورون على مواد معززة، وأجهزة استشعار تراقب الأحمال وحالة المكونات، وأنظمة تثبيت تتكيف مع تغير الظروف.
اختلاف الأعماق يعني أن سلسلة الإمداد الإقليمية ستحتاج إلى خدمة الأساسات الثابتة والمنصات العائمة معا. وتمتلك المنطقة خبرة طويلة في بناء السفن وتصنيع الصلب والهندسة المتقدمة؛ ويمكن تصنيع الأبراج والمنصات وأجزاء أخرى محليا ونقلها عبر الموانئ، ما يخفض مسافات شحن المكونات الكبيرة ويعيد استخدام منشآت صناعية قائمة.
تبحث ولايات صناعية مثل ميشيغان وأوهايو ونيويورك عن قطاعات تستفيد من مصانعها وموانئها وعمالها المهرة. ويمكن لمشروعات الرياح البحرية أن تخلق أعمالا في تصنيع المكونات والبناء والتركيب والصيانة والخدمات اللوجستية والبحث الهندسي، مع إعادة تدريب عمال قادمين من صناعات الصلب والسيارات وبناء السفن.
وذكرت وزارة الطاقة الأمريكية في تقييمها لفرص الرياح في البحيرات أن تطوير المورد يمكن أن يدعم تنشيط قطاعات اقتصادية رئيسية، وينوع إمدادات الطاقة الوطنية، ويقوي استقلال الطاقة. ويتوقف نصيب المنطقة من هذه المكاسب على حجم المشروعات ومقدار التصنيع المحلي: استيراد معظم المعدات يقلص الوظائف والاستثمار الإقليميين، في حين يمنح تصنيع الأبراج والمنصات والمكونات داخل المنطقة الولايات حصة أكبر من الإنفاق.
لا تنتهي فرص العمل عند اكتمال البناء. فالمزارع تحتاج طوال عمرها التشغيلي إلى فرق للصيانة والتشغيل والمراقبة البيئية وخدمات الموانئ. ويضيف تنويع التوليد فائدة أخرى، هي تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد والحد من تعرض أسعار الكهرباء لتقلبات أسعار الوقود.
وضعت جميع ولايات البحيرات العظمى الثماني أهدافا للطاقة النظيفة بدرجات مختلفة. ويورد تحليل ذا كونفرسيشن أن خمس ولايات، هي إلينوي وميشيغان ومينيسوتا ونيويورك وويسكونسن، التزمت الوصول إلى طاقة نظيفة أو متجددة بنسبة 100% بحلول 2040 أو 2050. ويمكن للرياح البحرية أن تسهم في هذه الأهداف مع ارتفاع استهلاك النقل الكهربائي والبنية التحتية الرقمية، وخصوصا في الولايات التي تتجاوز فيها قدرة الرياح المقدرة استهلاك الكهرباء السنوي.
يتطلب الانتقال من التقدير التقني إلى محطات عاملة قرارات بشأن عقود الإيجار والتخطيط الساحلي وربط الشبكة. ويحتاج المطورون كذلك إلى موانئ تتحمل مناولة المكونات الكبيرة، وسفن تناسب أبعاد البحيرات وطرقها الملاحية، وتنسيق مع كندا وحركة الشحن التجاري. ومن ثم يجري تطوير المورد على مراحل ومواقع منتقاة، لا بوصفه إضافة واحدة إلى الشبكة.
قد تؤخر الرؤية من الساحل والضوضاء والمخاوف المتعلقة بالحياة البرية تنفيذ المشروعات. ففي 2011 أعلنت حكومة أونتاريو أنها لن تمضي في مشروعات الرياح البحرية المقترحة إلى حين إجراء مزيد من البحث العلمي. وأفادت هيئة الإذاعة الكندية في أبريل 2025 بأن الوقف ظل ساريا منذ ذلك الحين. على الجانب الأمريكي تتفاوت المواقف والإجراءات بين الولايات، وتتطلب المواقع القريبة من الحدود تنسيقا إضافيا لأن الأثر البصري والبيئي قد يمتد عبر المياه المشتركة.
تخفض المسافة عن الشاطئ وضوح التوربينات ومستوى الضوضاء الذي يصل إلى اليابسة، ولذلك توسع المنصات العائمة خيارات المخططين في المياه العميقة. غير أن اختيار الموقع يشمل أيضا تجنب ممرات الشحن ومناطق الصيد والترفيه والموائل الحساسة، ودراسة حركة الطيور والأسماك قبل تثبيت التوربينات والكابلات.
تستخدم هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الرادار البيولوجي لقياس أعداد الطيور وارتفاعات طيرانها وسلوكها أثناء الهجرة فوق البحيرات العظمى. وتكمل المسوحات البصرية والصوتية وأدوات التتبع هذه البيانات. وتوضح الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي أن الرصد الصوتي والمركبات غير المأهولة يمكن أن يجمعا بيانات عن الأسماك والعوالق في مناطق الرياح البحرية؛ وتفيد هذه الخرائط في إبعاد المواقع عن مناطق تركز الهجرة ومتابعة التغيرات أثناء البناء والتشغيل.
تغير الهياكل الصلبة الموائل المحيطة بها أيضا. وخلصت مراجعة أجرتها الجامعة التقنية في الدنمارك عام 2022 إلى أن منشآت مزارع الرياح قد تحدث آثارا محلية شبيهة بالشعاب الاصطناعية وتغير بنية النظام البيئي ووظائفه. فالأسطح الصلبة تتيح للكائنات المائية الاستقرار عليها وقد تجذب أسماكا ولافقاريات، لكن النتيجة تتوقف على الموقع والأنواع المحلية وتصميم الأساسات والقيود المفروضة على الصيد والملاحة.
يرتبط القبول العام بوضوح خرائط المواقع والآثار المتوقعة وخطط الحماية، وبمشاركة المجتمعات الساحلية وأصحاب الموانئ والصيادين والجهات البيئية منذ مرحلة التخطيط. ويمكن للمشروعات التجريبية أن توفر بيانات مباشرة عن أداء التوربينات وسط الجليد والمياه العذبة، ومستوى الضوضاء والرؤية، وتأثير الإنشاء والتشغيل في الطيور والأسماك قبل بناء مزارع أكبر.
تتزامن زيادة درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار في منطقة البحيرات مع نمو الطلب على الطاقة. ويتوقف مقدار الكهرباء منخفضة الكربون الذي يمكن استخراجه من رياحها على معالجة قيود الجليد والموانئ والشبكة والملاحة والحياة البرية، ثم اختيار المواقع التي تجتاز هذه الاختبارات الهندسية والبيئية.
مصدر مرجعي