ينتقل الكسكس بسهولة من طبق عائلي لوجبة الجمعة إلى طعام الشارع وقوائم المطاعم الراقية، لكن قاعدته واحدة: حبيبات صغيرة من سميد القمح القاسي تُرطّب وتُفرك ثم تُطهى على البخار. وتكشف طرق إعداده وتقديمه عن جغرافية شمال أفريقيا، وعن أثر الهجرة والتجارة في انتقال طبق مغاربي إلى موائد بعيدة من طنجة إلى طوكيو.
عرض النقاط الرئيسية
كسكس فاخر يُقدّم مع الخضار والحمص
يمتد شمال أفريقيا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط والصحراء الكبرى، ويشمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وموريتانيا. زُرع القمح القاسي في السهول الساحلية ووديان جبال الأطلس، بينما حملت طرق القوافل والموانئ التوابل وتقنيات الطهو بين الساحل والأندلس وبلاد الشام وسائر حوض البحر المتوسط.
ارتبطت الأطعمة القائمة على السميد بالمجتمعات الأمازيغية قبل التوسع العربي الإسلامي، ثم اكتسب الكسكس نكهات وعادات اجتماعية جديدة، ومنها صلته بوجبة الجمعة. وأسهمت شبكات قرطاج التجارية، ثم طرق التجارة في العصور الإسلامية، في وصل مناطق الإنتاج الزراعي بالموانئ والمدن الداخلية.
قراءة مقترحة
تعطي بيانات البنك الدولي لعام 2023 فكرة عن حجم المجتمعات التي ينتمي إليها هذا الطبق: نحو 112.7 مليون نسمة في مصر، و45.6 مليوناً في الجزائر، و37.3 مليوناً في المغرب، و12.4 مليوناً في تونس، و7.2 ملايين في ليبيا، و4.9 ملايين في موريتانيا. ولا تعني هذه الأرقام أن الكسكس حاضر بالدرجة نفسها في كل بلد؛ فهي تبيّن اتساع المجال السكاني لشمال أفريقيا وتنوعه.
دفعت الهجرة الداخلية نحو المدن، ثم شبكات المهاجرين إلى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها، الكسكس إلى المطاعم ومتاجر التجزئة الأوروبية. كان للطهاة والأسر المغاربية الدور المباشر في هذا الانتقال، قبل أن توسّع المنتجات سريعة التحضير قاعدة المستهلكين.
في عام 2020 أدرجت اليونسكو المعارف والدراية والممارسات المتعلقة بإنتاج الكسكس واستهلاكه على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، ضمن ملف مشترك قدّمته الجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس. يشمل العنصر زراعة الحبوب وطحنها، وإعداد الحبيبات وطهوها وتقديمها.
يبرز ملف اليونسكو انتقال المهارات بين الأجيال، والعمل اليدوي المرتبط بتشكيل الحبيبات، وتقديم الطعام في الأعياد والمناسبات العائلية. كثيراً ما تولت النساء حفظ هذه الخبرة ونقلها، بينما جعل التقديم الجماعي الكسكس جزءاً من الضيافة والذاكرة الأسرية ومراسم مراحل الحياة.
تعرّف الموسوعة البريطانية الكسكس بأنه طبق شمال أفريقي من السميد والأطعمة المصاحبة له. وفي التحضير التقليدي لا تُغلى الحبيبات في الماء كما تُغلى المعكرونة؛ بل توضع في الجزء العلوي المثقّب من قدر مزدوج، فيما ينضج المرق في الأسفل ويرتفع بخاره نحو السميد.
توضح مراجعة علمية عن حبيبات الكسكس المصنوعة من القمح القاسي أن القدر البخاري ذي الحجرتين يُستخدم في شمال أفريقيا، وأن الكسكس قد يُبخّر مرتين أو ثلاث مرات قبل التقديم. وبين جولات التبخير تُفرّق الحبيبات ويضاف إليها الماء وقليل من الزيت أو الزبدة، فيزداد حجمها من دون أن تتحول إلى كتلة لزجة.
يحمل المرق خضراوات الموسم، وقد يضاف إليه لحم الضأن أو البقر أو الدجاج أو السمك. أما النكهات المصاحبة فتشمل الهريسة، والطفايا المصنوعة من البصل والزبيب المطهوين ببطء، والليمون المحفوظ، والحمص ومزيج راس الحانوت.
تظهر إشارات إلى الكسكس وقدره البخاري في مصادر مغاربية من العصور الوسطى. وبحلول أوائل العصر الحديث كان الطبق قد ترسخ في أنحاء المنطقة، ووصل إلى مجتمعات في صقلية والأندلس. وفي القرن العشرين نقلته الروابط الاستعمارية والهجرة من المغرب العربي إلى حضور يومي أو شبه يومي في مدن فرنسية عديدة.
نشرت صحيفة الغارديان عام 2006 تقريراً عن تصدّر الكسكس استطلاعاً للأطباق المفضلة في فرنسا، وربطت النتيجة بتاريخ الهجرة المغاربية في البلاد. لا تختصر نتيجة استطلاع واحد كل عادات الطعام الفرنسية، لكنها توثّق وصول الطبق إلى جمهور يتجاوز مطاعم الجاليات.
في صقلية، حوّل مهرجان الكسكس في سان فيتو لو كابو هذا الانتشار إلى مسابقة دولية وفعاليات تذوق وعروض طهو. ويصف الموقع الرسمي للمهرجان المناسبة بأنها ملتقى يربط الطعام بالتبادل الثقافي حول البحر المتوسط.
المغرب: من أشهر الصيغ كسكس الجمعة بسبع خضراوات، وقد تعلوه الطفايا. وتأتي السفة في اتجاه حلو، إذ تُقدّم الحبيبات بالزبدة والقرفة والزبيب، وأحياناً باللوز.
الجزائر: يُقدّم الكسكس مع مرق أحمر غني في مناطق كثيرة، وقد يصاحبه اللبن المخمر، ولا سيما في بعض وجبات الجمعة ورمضان.
كسكس جزائري من منطقة القبائل
تونس: تميل وصفات كثيرة إلى التوابل الحارة والهريسة، وتشتهر المناطق الساحلية بكسكس السمك. أما موريتانيا وليبيا فتحتفظان بالقاعدة المغاربية مع لحوم وأسماك محلية وتكييفات مرتبطة ببيئة الصحراء والساحل.
في بلاد الشام وشرق البحر الأبيض المتوسط توجد حبات قريبة أكبر حجماً، منها المفتول الفلسطيني المصنوع بالبرغل والمغربية اللبنانية. تُلف هذه الحبات يدوياً، ولذلك يختلف ملمسها وزمن نضجها عن الكسكس المغاربي الدقيق.
مفتول، نوع فلسطيني من الكسكس يُحضّر بالبرغل
تحضير سميد الكسكس بزيت الزيتون
قدر الكسكس (بالفرنسية: couscoussier)، وهو جهاز بخار تقليدي للكسكس
يُقدّم الكسكس تقليدياً في طبق كبير تتوسطه اللحوم، فيما ترتب الخضراوات فوق الحبيبات وتُنثر حبات الحمص. يوضع مرق إضافي في إبريق حتى يضيف كل شخص ما يناسبه، وتوزع الصلصات والتوابل منفصلة كي لا تطغى حرارتها أو حلاوتها على الطبق كله.
قد يصاحبه كأس من اللبن في الجزائر ومناطق أخرى من المغرب العربي. وفي المغرب تتصدر الطفايا الحلوة بعض أطباق المناسبات، بينما تحضر الهريسة بقوة في تونس. وقد أدرجت اليونسكو عام 2022 المعارف والمهارات والممارسات الطهوية والاجتماعية المرتبطة بالهريسة التونسية ضمن التراث الثقافي غير المادي؛ كما تحتفي بها فعاليات إقليمية، منها مهرجان نابل.
يرتبط كسكس الجمعة في أنحاء المغرب العربي بعودة الأسرة إلى مائدة مشتركة بعد صلاة الجمعة. ولا تقتصر المناسبات عليه؛ فهو حاضر أيضاً في حفلات الزفاف والولادات والاحتفالات التذكارية، وتختلف مكوناته وحجم الطبق وطريقة توزيعه بحسب عدد الضيوف والعادة المحلية.
هذا الإيقاع الأسبوعي يفسر بقاء أدوات التحضير التقليدية في المنازل رغم انتشار الكسكس الفوري. فالنسخة السريعة تختصر الوقت، أما إعداد السميد على البخار مع المرق فيبقي الطبق مرتبطاً بالعمل الجماعي وتوقيت الوجبة.
في أوروبا، وفرت مطاعم المهاجرين المغاربة والجزائريين والتونسيين نقطة الدخول الأولى، ثم نقلت المتاجر الكسكس المعبأ إلى المطابخ المنزلية. أسهم طهاة التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي في زيادة وصفاته، من السلطات الباردة إلى أطباق المطاعم التي تعيد ترتيب المكونات التقليدية.
يعطي التصنيف الجمركي للكسكس صورة أخرى عن هذا الانتقال. فهو مسجل تحت الرمز المنسق HS 190240، وتعرض قاعدة الحلول التجارية المتكاملة للبنك الدولي بيانات التجارة الخاصة به بصورة مستقلة. وفي بيانات 2023 بلغت صادرات المغرب المسجلة نحو 55.55 مليون دولار و46.29 مليون كيلوغرام، وجاء بعد إيطاليا بين أكبر المصدرين المسجلين لذلك العام. وتظهر تونس بدورها في أسواق متعددة، بينما تمثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وجهات أوروبية مهمة للمنتج المغاربي.
تتقاطع هذه التجارة مع سوق المطاعم والمنتجات سريعة التحضير، لكنها تعتمد في بدايتها على القمح القاسي. وتتابع منظمة الأغذية والزراعة محصول القمح وتقلباته في المنطقة، حيث تؤثر الأمطار المتغيرة والإجهاد الحراري في الإنتاج، حتى مع ملاءمة القمح القاسي تاريخياً للبيئات المتوسطية الجافة.
تتجه صناعة الكسكس إلى مسارات متوازية. قد تزيد الحاجة إلى أصناف قمح تتحمل الجفاف وإدارة أدق للري، مع عودة بعض المنتجين والطهاة إلى أنواع تراثية أو مزج أكثر من نوع من الحبوب. وفي المتاجر تظهر منتجات من القمح الكامل وأخرى مصنوعة من الذرة أو الدخن لتلبية أنظمة غذائية أوسع، في حين يستمر التبخير التقليدي في البيوت والمطاعم المتخصصة.
أما الانتشار الثقافي فيتواصل عبر مهرجانات البحر المتوسط، والفعاليات المؤقتة في المدن، وبرامج المتاحف التي تربط الكسكس بقصص الهجرة والانتماء. وهكذا يبقى مستقبل الطبق موزعاً بين محصول القمح، وحرفة تشكيل الحبيبات، وقدرة المطابخ الجديدة على تكييفه من دون التخلي عن بنيته الأساسية.
مصدر مرجعي