تستطيع اليد البشرية فلق ألواح خشبية وتحطيم كتل خرسانية من دون أن تنكسر عظامها في الضربة الناجحة. يحدث ذلك لأن اليد تتحرك بسرعة، وتنقل قوة كبيرة خلال بضعة أجزاء من الألف من الثانية، بينما ينحني الهدف حتى يبدأ الشق من جانبه السفلي.
عرض النقاط الرئيسية
في أواخر السبعينيات، قرر ثلاثة فيزيائيين من محبي الكاراتيه تحليل ما يجري أثناء تحطيم الخشب والخرسانة. ضم الفريق مايكل فيلد، الحاصل على الحزام البني والذي اعتاد شرح فيزياء الكاراتيه بعروض حية لطلابه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا؛ ورونالد ماكنير، رائد الفضاء لاحقًا وصاحب الحزام الأسود من الدرجة الخامسة؛ والطالب الجامعي ستيفن ويلك.
يسجل فهرس المكتبة الوطنية الأمريكية للطب دراستهم بعنوان «فيزياء الكاراتيه»، المنشورة في أبريل 1979 في مجلة ساينتفك أمريكان، المجلد 240، العدد 4، من الصفحة 150 إلى 158. استهل الباحثون الورقة بقولهم: «إن صورة خبير الكاراتيه وهو يكسر ألواحًا قوية صلبة من الخشب والخرسانة بيده العارية مألوفة لدينا».
قراءة مقترحة
كان السؤال الذي أرادوا الإجابة عنه مباشرًا: «كيف يمكن ليد عارية أن تهدم كتلة صلبة من الخشب أو الخرسانة دون إصابة؟ ما هي الخدعة في ذلك؟». قادتهم التجربة إلى تفسير قائم على انتقال الزخم، وانحناء الهدف، وتركيز القوة في زمن بالغ القصر.
وضع فيلد وماكنير وويلك عينات من الخشب والخرسانة في مكبس هيدروليكي، ثم قاسوا القوة اللازمة لإحداث شق في الجانب السفلي لكل عينة. بحسب ورقتهم في ساينتفك أمريكان، يستطيع لوح الخشب الانحناء نحو سنتيمتر واحد قبل أن ينكسر، ويتطلب ذلك قوة مقدارها 500 نيوتن.
أما الكتلة الخرسانية فلا تحتاج إلا إلى انحراف يقارب ملليمترًا واحدًا قبل الكسر. ولأن الخرسانة أقل قابلية للانحناء، يتطلب هذا الانحراف قوة تتراوح بين 2500 و3000 نيوتن. ولا تنتقل طاقة اليد كلها إلى الهدف؛ إذ يُفقد جزء منها في الاصطدام وتشوه القبضة، ولذلك يلزم أن تولد الضربة قوة تتجاوز الحد المقاس في المكبس.
بهذا المعنى، تعتمد الضربة على قوانين نيوتن: يد متحركة تحمل زخمًا، وهدف يقاوم الحركة، وقوة كبيرة تنشأ عندما يتغير الزخم خلال زمن قصير. بلوغ إجهاد الكسر في منتصف اللوح يجعل الشق يبدأ من السطح السفلي ثم يمتد عبر المادة.
يستمر تأثير ضربة الكاراتيه النموذجية نحو خمسة مللي ثانية فقط. وخلال هذه المدة القصيرة، توصل الفريق بالمزج بين الحساب النظري والتجربة إلى أنه «يمكن ليد ممارس الكاراتيه أن تطبق قوة تزيد على 3000 نيوتن، أي قوة صافعة تعادل 675 رطلاً».
يشير نموذج الباحثين إلى أن سرعة اليد المطلوبة لكسر الخشب تبلغ 6.1 متر في الثانية، وترتفع إلى 10.6 متر في الثانية عند كسر الخرسانة. وكتبوا: «تتفق هذه السرعات مع ملاحظتنا التي مفادها أن المبتدئين يمكنهم كسر الخشب وليس الخرسانة»، ثم أضافوا: «سرعة اليد التي تبلغ 6.1 متر في الثانية تقع في نطاق المبتدئين، لكن السرعة التي تبلغ 10.6 متر في الثانية تتطلب التدريب والممارسة».
لم يعتمد الفريق على الحساب وحده. صُوّر فيلد وماكنير وهما يضربان كومة من الألواح الخشبية بمعدل 120 إطارًا في الثانية، ما أتاح قياس إزاحة أجزاء مختلفة من القبضة وسرعتها وتسارعها. كشفت الصور أن القبضة تنضغط وتتشوه أثناء الاصطدام «إلى حد أنها بالكاد تسلك سلوك جسم صلب». هذا التشوه يفسر أيضًا ضياع جزء من طاقة الضربة قبل وصوله إلى اللوح.
قد تبدو قوة تتجاوز 3000 نيوتن كافية لإلحاق الضرر باليد، غير أن خصائص العظم تختلف عن خصائص الهدف الهش. وفق حسابات الباحثين، العظام البشرية أصلب من الخرسانة بخمس مرات، ومقاومتها للكسر أكبر بنحو 50 مرة. وقدّروا أن كسر عظم الفخذ بضربة مماثلة يحتاج إلى قوة تبلغ نحو 25000 نيوتن.
تستطيع عظام اليد امتصاص الإجهاد الناتج عن الاصطدام، لكن النتيجة لا تعتمد على قوة العظام وحدها. التقنية تحدد موضع القوة واتجاهها، والضربة الناجحة تصيب منتصف اللوح بدقة؛ فهناك يبلغ عزم الانحناء أقصاه ويبدأ الشق من الأسفل.
وصف أعضاء الفريق الكاراتيه، بعد التدريب الكافي، بأنها تمثل الجسم البشري في أقصى حالاته. وكتبوا أن «الدقة المطلوبة لا تجعل من الكاراتيه رياضة ممتازة لمنظومة بدنية فحسب، بل أيضًا عقلية». فالسرعة تولد القوة اللازمة، لكن دقة إصابة المنتصف هي التي تضع تلك القوة في الموضع القادر على بدء الكسر.