كيف يؤثر التوتر على ذاكرتنا بشكل جذري

قد يربط الدماغ عرضًا تقديميًا جديدًا بذكرى عرض سابق لم يسر كما خُطط له، فيظهر التوتر قبل بدء الحديث. لكن أثر الضغط قد يمتد أبعد من استدعاء تجربة واحدة: ففي ظروف الصدمة، يمكن أن تصبح الذاكرة المخيفة أقل تحديدًا، فتثير مواقف آمنة وغير مرتبطة بالحدث استجابة خوف واسعة. هذا التحول، المعروف بتعميم الذاكرة المنفرة الناجم عن الإجهاد، هو محور بحث قاده علماء في مستشفى الأطفال المرضى (SickKids) لفهم الصلة بين التوتر والذاكرة والعمليات الخلوية في الدماغ.

عرض النقاط الرئيسية

  • الدماغ البشري يُعد مركزًا معقدًا يتحكم بالإدراك والسلوك والذكريات والعواطف، ويعمل باستمرار دون توقف.
  • يؤدي التوتر الشديد إلى تأثيرات غير معتادة في طريقة تكوين واسترجاع الذكريات، ويمكن أن يساهم في اضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة.
  • التوتر المرتبط بذكريات مؤلمة قد يتسبب في تعميم الخوف على مواقف غير مرتبطة بالأحداث الأصلية، مما يزيد من حدة الاستجابة العاطفية.
  • تمكن الباحثون في SickKids من تحديد العمليات البيولوجية المسؤولة عن تعميم الذاكرة الناجم عن التوتر، ووجدوا وسيلة محتملة لاستعادة دقة الذاكرة.
  • من خلال تجربة ما قبل سريرية، اكتشف العلماء أن التوتر يؤدي إلى تشكيل إنجرامات ذاكرة أكبر بسبب زيادة إطلاق endocannabinoids في الدماغ.
  • وجد الفريق أن منع مستقبلات endocannabinoid في خلايا عصبية معينة بلوزة الدماغ يساعد في تقليل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة المرتبطة بالذاكرة العامة.
  • تشير الأبحاث الحديثة إلى أن خصائص الذكريات المرتبطة بالتوتر تختلف بين الأطفال والبالغين، ما يفتح الباب لفهم أفضل للعلاقة بين الإجهاد والعمر والذاكرة.

من ذكرى محددة إلى خوف واسع

صورة من unsplash

عندما يرتبط القلق بتجربة سابقة بعينها، يبقى المحفز مفهومًا: العرض الجديد يشبه العرض الذي أخفق، مثلًا. يختلف الأمر في تعميم الذاكرة المنفرة؛ إذ تمتد استجابة الخوف إلى محفزات لا تبدو مرتبطة بالحدث المؤلم. ويورد المعهد الوطني للصحة العقلية أن المصابين باضطراب ما بعد الصدمة قد يعانون ذكريات متكررة أو استجابات جسدية لمذكّرات الصدمة، وقد يتجنبون أماكن أو أحداثًا أو أشياء تعيدهم إليها.

قراءة مقترحة

تساعد هذه المقارنة على تحديد التحول الذي درسه الفريق: الذاكرة المحددة تستجيب لعنصر قريب من التجربة، أما الذاكرة المعممة فتجعل نطاق الخطر أوسع من سياق الحدث. وتكمن العاقبة في أن الشخص قد يشعر بالخوف داخل بيئة آمنة، وهو نمط يرتبط بأعراض مُعطلة لدى بعض المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.

ما الذي يحدث للذاكرة بعد الإجهاد؟

صورة من unsplash

حددت الدكتورة شينا جوسلين والدكتور بول فرانكلاند، من برنامج علوم الأعصاب والصحة العقلية في مستشفى SickKids، عمليات بيولوجية ترتبط بتعميم الذاكرة المنفرة بعد الإجهاد. كما اختبر الفريق تدخلًا أعاد إلى الذاكرة قدرًا أكبر من التحديد في نموذج قبل سريري.

ونقل المستشفى عن جوسلين قولها: "القليل من الإجهاد مفيد، فهو ما يجعلك تستيقظ في الصباح عندما يرن المنبه، ولكن الكثير من الإجهاد يمكن أن يكون منهكًا". وأضافت: "نحن نعلم أن الأشخاص المصابين باضطراب ما بعد الصدمة يظهرون استجابات خائفة للمواقف أو البيئات الآمنة، وقد وجدنا طريقة للحد من هذه الاستجابة المخيفة لمواقف معينة وتقليل الآثار الضارة المحتملة لاضطراب ما بعد الصدمة".

أُجريت التجارب على الفئران، كما يوضح عنوان الدراسة المنشورة في مجلة سيل (Cell)، وليست تجربة علاجية على أشخاص مصابين باضطراب ما بعد الصدمة. وبذلك يحدد النموذج آلية واعدة للبحث، لكنه لا يثبت أن حجب المستقبلات نفسه علاج جاهز للبشر.

الآلية التي وسّعت إنجرام الذاكرة

صورة من unsplash

تعاون الفريق مع الدكتور ماثيو هيل من معهد هوتشكيس للدماغ بجامعة كالجاري. وفي النموذج قبل السريري، تعرضت الفئران لمقدار صغير من الإجهاد قبل حدث منفّر. بعد ذلك ظهرت ذاكرة خوف معممة يمكن أن تنشط في سياقات آمنة لا ترتبط مباشرة بالحدث، في محاكاة لجزء من نمط الخوف الذي يظهر في اضطراب ما بعد الصدمة.

ركز الباحثون على إنجرامات الذاكرة، أي المجموعات العصبية التي تمثل الأثر المادي للذكرى. عادةً ما يشارك عدد صغير من الخلايا العصبية في الإنجرام، لكن الإنجرامات المتكونة بعد الإجهاد ضمت عددًا أكبر بكثير. وتوضح دراسة سيل، بعنوان "Stress disrupts engram ensembles in lateral amygdala to generalize threat memory in mice"، أن الإجهاد زاد كثافة الإنجرام وعطّل الضبط الذي تمارسه خلايا عصبية متوسطة في اللوزة الجانبية.

قاد تتبع هذه الدائرة إلى نظام الكانابينويدات الداخلية. فقد ارتبط الإجهاد بزيادة إطلاق هذه المواد في الدماغ، وعملت على مستقبلات في خلايا عصبية متوسطة موجبة للبارفالبومين. وعندما تعطلت وظيفة تلك الخلايا، اتسعت مجموعة الخلايا المنضمة إلى إنجرام الذاكرة، وفقدت الذكرى جانبًا من خصوصيتها.

حجب المستقبلات أعاد خصوصية الذاكرة

اختبر الباحثون حجب مستقبلات الكانابينويدات الداخلية على هذا النوع المحدد من الخلايا العصبية المتوسطة. أدى التدخل إلى تقليص تعميم الذاكرة المنفرة وإعادة حجم الإنجرام وخصوصية الاستجابة نحو النمط المحدد المناسب في الفئران. تكمن الدقة هنا في أن الحجب استهدف مستقبلات موجودة على خلايا بعينها داخل منطقة دماغية بعينها، لا النظام كله.

تشبه جوسلين وظيفة هذه المستقبلات بحبل مخملي عند مدخل نادٍ حصري، فقالت: "تعمل مستقبلات الكانابينويد الداخلية مثل حبل مخملي في نادٍ حصري. عندما يحفز الإجهاد إطلاق الكثير من الكانابينويدات الداخلية، يسقط الحبل المخملي، مما يتسبب في تكوين ذكريات مخيفة أكثر عمومية". وأضافت: "من خلال حظر مستقبلات الكانابينويد الداخلية هذه فقط على هذه الخلايا العصبية البوابية المحددة، يمكننا في الأساس منع أحد أكثر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إعاقة".

الخلايا البوابية وتكوين الذكريات المخيفة

تقع الخلايا العصبية البوابية في اللوزة، وهي منطقة تشارك في المعالجة العاطفية. وتساعد هذه الخلايا على تقييد عدد الخلايا العصبية التي تدخل في الإنجرام، وبذلك تحافظ على ارتباط الذاكرة بسياق محدد. عندما تزداد إشارات الكانابينويدات الداخلية بعد الإجهاد، يضعف هذا التقييد ويتكون إنجرام أكبر، فتزداد احتمالات استدعاء الخوف خارج السياق الذي نشأ فيه.

يفسر النموذج كيف يمكن لتغيير خلوي محدود أن ينعكس على سلوك واسع: الخلل لا يمحو الحدث المؤلم، وإنما يوسع مجموعة السياقات القادرة على استدعاء الخوف. أما استعادة نشاط البوابة في التجربة فقلصت هذا الاتساع وحافظت على الذاكرة المنفرة في نطاق أكثر تحديدًا.

صلة غير متوقعة بين الإجهاد والعمر

وجد الفريق تشابهًا مع بحث سابق عن الدماغ النامي. ففي عام 2023، نشر آدم رامساران وزملاؤه في مجلة ساينس دراسة بعنوان "A shift in the mechanisms controlling hippocampal engram formation during brain maturation". قارنت الدراسة تكوين إنجرامات الحُصين خلال نضج الدماغ، وحددت في الفئران الصغيرة إنجرامات أكبر وذكريات أكثر اعتمادًا على الجوهر العام مقارنة بالذكريات الأكثر تحديدًا في الفئران البالغة.

يشبه هذا النمط ما ظهر في إنجرامات الذاكرة الناجمة عن الإجهاد، ما دفع الباحثين إلى متابعة العلاقة بين حجم الإنجرام والعمر والضغط. وقد يمتد السؤال أيضًا إلى نوع الذكرى؛ فالفريق يريد معرفة ما إذا كانت الضغوط اليومية تؤثر في الذكريات الإيجابية بالطريقة نفسها التي تؤثر بها في الذكريات المنفرة.

وقال فرانكلاند: "لا تزال الوظائف والعمليات البيولوجية العديدة التي تشكل تعقيد الذاكرة البشرية قيد الكشف عنها". وأضاف: "نأمل أنه مع فهمنا بشكل أفضل للذاكرة البشرية، يمكننا إعلام العلاجات الواقعية لأولئك الذين يعانون من اضطرابات نفسية واضطرابات دماغية أخرى مختلفة طوال حياتهم". ويبقى المسار التالي للفريق هو اختبار الصلة بين حجم الإنجرام والإجهاد والعمر، ودراسة أثر الضغوط اليومية في الذكريات الإيجابية.