سأصطحب والدتي إلى موعد الطبيب غدًا. وهو شيء من الأمور التي تكرهها قليلاً، مع أنه شيء بسيط، ولا أفهم سبب ترددها. تبلغ أمي من العمر 75 عامًا، وعلى الرغم من قوتها واستقلاليتها، إلا أن جسدها يفقد حيويته شيئًا فشيئًا. وهذا شيء طبيعي يحدث عند جميع الناس. لقد أصبح سمعها يزداد سوءًا بشكل تدريجي، فلكي تتحدث معها، عليك أن تتوجه لها بطريقة مشابهة للغناء. ستقوم بشد حجابك الحاجز، وإلا فلن تتمكن من سماعك بشكل فعال. لن تستعمل لا النغمات الناعمة للأحفاد ولا الصمت الدافئ الذي يتمتع فيه صوتي الطبيعي. لقد قيل لي أن لدي حضورًا مهدئًا، وأنه يساعدني على التوسط وتهدئة العديد من الأمور الصعبة التي تحدث بالخلافات بين الأمزجة المختلفة و الحادة. إنه أمر صعب إذن: أن أكاد أصرخ في وجه أمي. إنه يغمرني بالندم، ليس فقط بسبب الصراخ الوشيك، ولكن بسبب مدى الشعور السيء بالتوتر أيضًا. لكني أصر وأصر على ذلك، لأنني أواجه يوميًا القلق المسيطر هذا والذي يجعلني أنسى صوت أبي. أبي الذي توفي منذ خمسة عشر عامًا، وفكرة نسيانه – نسيان قصصه، التي يرويها نسيان الاهتزاز الجميل في صوته الغنائي، والضحكة التي يمكن أن تغير يومًا كاملاً – إن هذا يجعلني أشعر بشعور التنميل في وجهي حول أنفي. أنا أتناول الدواء لعلاج بعض الصدمات العصبية وعلاجا لأمراض بالعمود الفقري شديدة وغير قابلة للإصلاح، مما يؤدي إلى إضعاف قدرتي الحادة على تخزين الذكريات.
قراءة مقترحة
أخشى أن أنسى وهذا يسبب لي القلق الشديد ولا أريد أن يحدث لي هذا في حال سارت الأمور بحسب نظام الكون وبقيتُ على قيد الحياة بعد أمي. في ظل هذا الخوف، وعلى أمل أن أعرف أمي بشكل أفضل، اشتريت بعض بطاقات القصص التي تمثل أسئلة ومحادثات لأعضاء عائلتك المقربين في داخل دائرتك الخاصة.
تتجمع صعوبة التواصل حول الأم في أكثر من طبقة: سمع لا يلتقط الصوت دائمًا، وفهم لا يصل دائمًا، ورغبة ابنة في الاقتراب بلطف من المرأة التي جعلت حياتها تزدهر في بطنها.
ربما أثرت سنوات العمل في بيئات صاخبة في قدرتها على سماع صوت ابنتها بوضوح.
تضاف إليها صدمات الرأس العرضية عندما كانت طفلة أو عندما أصبحت شخصا بالغا.
يزداد الأمر الآن مع تقدمها في السن، بينما تبقى رغبة الابنة في التواصل اللطيف شديدة.
في جسد الراوية نفسها يتكرر درس الفناء بصورة أخرى: العمر ليس عدد السنوات وحده، بل المسافة التي قطعها الجسد وما تحمله من عمليات وحدود جديدة.
بعد استئصال الرحم بالكامل عندما كانت في الثالثة والثلاثين، بدأ إدراك حدود الجسد يأخذ شكلاً أكثر وضوحًا.
ثلاث عمليات جراحية كبرى وجراحة واحدة بسيطة في العمود الفقري العصبي جعلت بعض الأشياء خارج القدرة الآن.
في عمر 42 عامًا، يصبح تراجع الجسد جزءًا من واقعها كما أصبح جزءًا من واقع أمها.
هذا القلب، الذي يتم الحفاظ على إيقاعه دون أي تدخل، لديه قدرة لا متناهية على الانكسار والشفاء في الحب. هذا الجسد عبارة عن لغز يتفاعل مع المحفزات بطرق غير متوقعة، مثل تدفق الدموع الشافية أثناء التدليك الاحترافي بعد سنوات عديدة من زواج غير لطيف إنها حقًا ظاهرة إلهية، هذه السفينة، .... الآن وقد عُهد بها إلى وكالتي. وفي بعض الأحيان، يجب أن أقدم تضحيات بسبب أخطائي أو بسبب الصدفة، لكنني عرفت ذلك الإدراك المفاجئ للفناء. هذا الشهيق الحاد في إدراك أن كل هذا ينتهي. هذا هو: الجميع سينتهي. وينتهي كل هذا في كثير من الأحيان، قطعة قطعة. ببطء وبلطف، إذا كنا محظوظين، فإن الأجزاء التي تجعلنا متكاملين تنهي وظيفتها، وخلية بعد خلية، تذهب بهدوء إلى تلك الليلة المظلمة.
ولكن بما أننا لانزال هنا فإننا نتوق إلى الترابط، وإلى العلاقات مع أحفادنا، للأحاديث الطويلة على طاولة المطبخ مع أطفالنا حول القهوة والطعام الذي أعدته أيادٍ متحمسة. نفس الأيدي التي تقود الأذرع إلى عناق مريح، تلك الأيدي التي تهدئ الحزن، الأيدي التي تعبد وتخدم وتقود بالحب. كان من المفترض أن ينفتح البشر (مثل البيضة) فنحن نغذي بعضنا البعض. ومن المفترض أن ننشر مراكزنا وقلوبنا - (صفارنا اللزج )- ونجعل( العجين) مترابطا نحن من المفترض أن نربط. هناك الكثير حتى الآن ما أود أن أقوله لأمي، لأسألها عن حياتها. لقد كانت غير أنانية لدرجة أنها، حتى عندما أصبحت بالغًة، نسيت حياة بأكملها كانت أمامها: أنا ابنتها الثانية، وعندما رزقت بي وأنجبتني لهذه الحياة بكل حب وحماية كان عمرها 32 عامًا، ثم فعلت ذلك من أجل ثلاث بنات أخريات. إذ لديها خمس بنات في المجمل، جميعهن مختلفات عن بعضهن البعض وكانت هناك بالطبع حاجة مستمرة لكل ما يحتاجه الأطفال، أمّنتها هي وطبعا فإن هذا هو سبب كل شعرة رمادية على رأسها. ويرجى أن تفهم هذا - فهي لا تريد أن يحدث ذلك بطريقة أخرى.
كانت احتياجات أطفالها وستظل دائمًا في المقام الأول وفعلت ذلك بكل حب وفرح ولكن قبل أن تفعل ذلك، كانت الثانية من سبعة أطفال في عائلتها الخاصة، فكانت الأوقات صعبة، وكان المال دائمًا شحيحًا. كانت متفوقة وطالبة شرف، لكنها اضطرت لترك الدراسة في سنتها الأخيرة لتكريس نفسها إلى ما يصل إلى ثلاث وظائف حتى تمكِّن الإخوة والأخوات من شراء سياراتهم الأولى وحتى تم التأكد من تخرجهم. لقد فقدت(نفسها)، وهي جزء من عائلة مختلطة، ما لا يقل عن ستة أشقاء وأخت واحدة، جميعهم أصغر منها باستثناء واحد، والعديد منهم ساعدت في تربيتهم ورعايتهم أيضا. التقت بوالدي عندما كانت في سن المراهقة ووقعت في حبه على الفور. كان أكبر منها بسنتين وتم تجنيده في زمن الحرب، لكن على طول الطريق، وجدا بعضهما البعض مرة أخرى. وبعد ذلك فقدت الرجل الذي كان زوجها لمدة 34 عاماً، الرجل الذي أحبته دون انقطاع لمدة 49 عاماً. وطلب أبي قبل وفاته التعهد منّا بأننا سنعتني بها بعده. والدتي، امرأة ساحرة مليئة بحرارة النار ولطافة ضوء القمر والنعومة، لديها قصص لترويها، ولدي وعود للحفاظ عليها. وأنا عازم للغاية ومصمم على اصطحابها إلى موعد طبيب الأنف والأذن والحنجرة حتى يكون الوقت الذي بقي لنا معها ممتلئًا وجميلًا قدر الإمكان.