إسلام بيكو: فنان مصري تحت الماء يجسّد الجمال الكامن تحت السطح
ADVERTISEMENT

تحت سطح البحر يكمن عالمٌ قلّما يختبره الناس حقًا، بيئةٌ صامتةٌ يتراقص الضوء فيها عبر الماء، وتصبح الحركة انسيابيةً وخفيفة، وتكشف الطبيعة عن أروع أشكالها. بالنسبة للفنّان المصري المتخصّص في التصوير تحت الماء، إسلام بيكو، لا يُمثّل هذا العالم الخفيّ مجرد مكانٍ للاستكشاف، بل هو أيضًا مرسمٌ إبداعي. من خلال

ADVERTISEMENT

أعماله، يُحوّل بيكو البحر إلى مسرحٍ للتعبير الفني، مُلتقطًا صورًا آسرةً تمزج بين الإبداع البشري والجمال الطبيعي للبيئات البحرية. على مدى السنوات الماضية، طوّر بيكو أسلوبًا مميزًا يجمع بين التصوير تحت الماء، والأداء، وسرد القصص البيئية. تكشف صوره عن أشكالٍ رشيقةٍ معلقةٍ في الماء، وأقمشةٍ متدفّقةٍ تنجرف مع التيارات، وشعابٍ مرجانيةٍ تتلألأ تحت أشعة الشمس. تبدو كل لقطةٍ وكأنها من عالمٍ سريالي، ومع ذلك تظل مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بواقع المحيط نفسه.

ADVERTISEMENT

شغفٌ بالبحر والفن:

انطلقت رحلة إسلام بيكو الفنية من افتتانٍ عميقٍ بالبحر. لطالما اجتذب ساحل مصر الممتد على طول البحر الأحمر الغوّاصين والمصوّرين والمستكشفين من جميع أنحاء العالم. فمياه المنطقة الصافية البلّوريّة، وشعابها المرجانية النابضة بالحياة، وتنوّع الحياة البحرية فيها، تجعلها واحدة من أروع البيئات تحت الماء على كوكب الأرض. بالنسبة لبيكو، بدأ الغوص كمغامرة، لكنه سرعان ما تحول إلى شيء أكثر إبداعًا. فبينما يركز العديد من الغواصين على الاستكشاف أو التصوير البحري، تخيل بيكو إمكانية مختلفة: استخدام العالم تحت الماء كلوحة حيّة لسرد القصص الفنية. تطلبت هذه الرؤية الجمع بين مهارات متعددة: خبرة الغوص، وتقنيات التصوير، والإخراج الفني. وعلى عكس التصوير الفوتوغرافي التقليدي، يتطلب التصوير تحت الماء تخطيطًا دقيقًا، وصبرًا، وفهمًا عميقًا لكيفية تأثير الماء على الحركة والضوء واللون. وبدلًا من مقاومة هذه التحديات، تقبلها بيكو بحماس، وأصبحت الظروف الفريدة للبيئة تحت الماء جزءًا من لغته الفنية.

ADVERTISEMENT

البحر كاستوديو طبيعي:

من أبرز جوانب أعمال بيكو استخدامه للبحر كجزء لا يتجزأ من تكويناته. يُشكّل ضوء الشمس المتسلل عبر الماء أنماطًا متغيرة لا يُمكن محاكاتها في أي استوديو. تُحرّك التيارات الأقمشة والشعر بطرق أنيقة وغير متوقعة. وتظهر الكائنات البحرية أحيانًا بشكل غير متوقع في الصورة، مُضيفةً عنصرًا طبيعيًا إلى المشهد. تُوفّر مواقع على طول ساحل البحر الأحمر المصري، مثل الغردقة وشرم الشيخ ومرسى علم، ظروفًا مثالية للتصوير تحت الماء؛ حيث يسمح صفاء المياه الاستثنائي للضوء الطبيعي بالتغلغل عميقًا، مُضيئًا التكوينات المرجانية ومُكوّنًا ألوانًا زاهية. وتبدو الصور الناتجة وكأنها مُعلّقة في الزمن، كما لو أن الجاذبية نفسها قد اختفت. يُضفي هذا الإحساس بانعدام الوزن على أعماله جمالية مميزة. غالبًا ما يصف المشاهدون صوره بأنها من عالم آخر أو سينمائية، تمزج بين الواقع والشعر البصري.

ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة NEOM على unsplash

التصوير تحت الماء فن صاعد


التحدي التقني للإبداع تحت الماء:

يُعدّ الإبداع الفني تحت الماء أكثر تعقيدًا بكثير من التصوير على اليابسة. يتطلب كل مشروع تحضيرًا دقيقًا وتنسيقًا مُحكمًا بين الغواصين والعارضين وفرق السلامة. ويُعدّ الوقت أحد أهمّ القيود. يجب على الغواصين إدارة مخزون الهواء لديهم بعناية، ما يُحدّد مدة جلسة التصوير. قد تتطلّب المشاهد المعقدة غطسات متعددة، يُخطّط لكلّ منها بدقة. يُصبح التواصل أيضًا تحديًا بمجرد غمر الجميع تحت الماء؛ يستحيل مثلًا إعطاء تعليمات شفهية، لذا يعتمد بيكو وفريقه على الإشارات اليدوية والتصميم الحركي المُعدّ مسبقًا. يجب على العارضين تعلّم كيفية التحكّم بتنفّسهم وحركاتهم وتعبيرات وجوههم تحت الماء. تُمثّل الإضاءة صعوبة أخرى؛ فالماء يمتصّ الضوء، وبخاصة الألوان الدافئة كالأحمر والبرتقالي. وبدون المعدات المناسبة، قد تبدو المشاهد تحت الماء داكنة أو زرقاء بشكل أكثر ممّا يجب. لحلّ هذه المشكلة، يستخدم بيكو أنظمة إضاءة متخصصة تحت الماء مُصمّمة لاستعادة الألوان وإبراز العناصر. يجب أيضًا حماية المعدات نفسها بعناية. يجب وضع الكاميرات والعدسات والإضاءة داخل علب مقاومة للماء قادرة على تحمّل الضغط ومنع التسرب.

ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة Kanoktuch على vecteezy

يوجد تحديات كثيرة تواجه هذا الفن


على الرغم من هذه التحديات التقنية، ينظر بيكو إلى عدم القدرة على التنبؤ بالبيئات تحت الماء كجزء من العملية الإبداعية. فالتيارات غير المتوقعة، والفقاعات العائمة، أو الأسماك العابرة، كلها عوامل قادرة على تحويل لقطة عادية إلى شيء ساحر.

رسالة توعية بيئية:

إلى جانب جمالها الفني، يحمل العديد من أعمال بيكو رسالة بيئية هامة. فالشعاب المرجانية من بين أكثر النظم البيئية هشاشة على وجه الأرض، وهي تواجه تهديدات متزايدة من التلوث، وتغير المناخ، والصيد الجائر. من خلال عرض الألوان الزاهية والتركيبات الدقيقة للشعاب المرجانية، يأمل بيكو في إلهام المشاهدين لتثمين هذه البيئات تحت الماء وحمايتها.

من جهة ثانية، يؤكد نهجه على احترام الطبيعة؛ فجلسات التصوير يُخطّط لها بعناية لتجنب لمس أو إتلاف التكوينات المرجانية، ويُدرّب العارضون على التحرك برفق في الماء. بهذه الطريقة، يصبح الفن نفسه شكلاً من أشكال الدعوة إلى حماية البيئة البحرية. عندما يرى الجمهور أناقة وثراء النظم البيئية تحت الماء من خلال صوره، يتذكرون أن البحر ليس مجرد مورد، بل هو عالم حي يستحق الحماية.

ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة Comstock Images على freeimages

رسالة توعية بيئية أيضًا


توسيع آفاق الفن المصري:

لا يزال الفن تحت الماء مجالًا نادرًا نسبيًا على مستوى العالم، وأكثر ندرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يُسهم فنانون مثل إسلام بيكو في توسيع آفاق السرد البصري من خلال استكشاف بيئات قلّما يستخدمها المبدعون كمساحات فنية. ويمزج عمله بين عناصر التصوير الفوتوغرافي وفن الأداء والتوثيق البيئي؛ وبذلك، يُسهم في حوار أوسع حول كيفية تفاعل الفن مع الطبيعة بدلًا من مجرد تمثيلها.

لطالما اشتهرت مصر بفنها القديم وتراثها الثقافي، لكن الفنانين المعاصرين يُجرّبون بشكل متزايد أشكالًا ووسائط جديدة. تُمثل إبداعات بيكو تحت الماء اتّجاهًا جديدًا ومبتكرًا ضمن هذا المشهد الفني المتطور.

كشف العالم الخفي تحت السطح:

لعلّ أبرز ما يُميّز أعمال إسلام بيكو هو قدرتها على كشف عالم لا يراه معظم الناس حقًا. فبينما يزور ملايين الأشخاص البحر كل عام، لا يستكشف أعماقه إلا عدد قليل. وقلة منهم فقط تختبره كبيئة فنية. من خلال عدسته، يتحول العالم تحت المائي إلى مكانٍ يفيض بالأناقة والغموض والإلهام. تبدو الأقمشة العائمة كأنها منحوتات، وتظهر أشكال بشرية وكأنها ترقص بين الشعاب المرجانية. تخترق أشعة الشمس زرقة الماء كأضواء مسرحية. في هذه اللحظات، لا يعود البحر مجرد خلفية طبيعية، بل يصبح شريكًا في العملية الإبداعية.

ADVERTISEMENT

يذكرنا فن إسلام بيكو بأن الجمال يتجاوز سطح الحياة اليومية بكثير. تحت الأمواج يكمن عالمٌ من الحركة والألوان والروعة الهادئة، ينتظر أن يُكتشف. ومن خلال صوره، يطلّ هذا العالم الخفيّ للحظات، داعيًا إيانا إلى تقدير أعماق محيطات كوكبنا الرقيقة والخلابة.

شيماء محمود

شيماء محمود

ADVERTISEMENT
على ارتفاع يتراوح بين 100 و300 كيلومتر، تتوهج الأضواء الشمالية الخضراء عادةً
ADVERTISEMENT

ترى ستارًا أخضر فوق طريق شمالي، فتفترض أنه نوع من التوهج السماوي الملوّن، وتفوتك الدلالة الأدق: ذلك الأخضر يعرّف الأكسجين الذري الذي يطلق الضوء عاليًا في الغلاف الجوي العلوي. وقد يبدو قريبًا إلى حدّ يوحي بأنه قائم فوق خط الأشجار، لكنه يقع بعيدًا فوق نطاق الطقس، وأبعد من ذلك بكثير

ADVERTISEMENT

فوق أي طائرة.

صورة التقطها يوهينغ أويانغ على أنسبلاش

الأخضر هو اللون الشفقي الأكثر ألفة، لكنه ليس مجرد زينة. إنه دليل: لون محدد من الضوء، يصدر عن ذرة محددة في ظروف محددة. فما ذلك الأخضر في الأعالي، على وجه الدقة؟

الأخضر ذرة تستعيد طاقتها

تبدأ العملية من الشمس. تتدفق الجسيمات المشحونة إلى الخارج، ويوجّه المجال المغناطيسي للأرض بعضًا منها نحو الغلاف الجوي العلوي فوق القطبين. وهناك تصطدم بذرات وجزيئات الأكسجين والنيتروجين، فتنقل إليها طاقة عند الاصطدام.

ADVERTISEMENT

يمكن لذرة الأكسجين التي تتلقى جزءًا من تلك الطاقة أن تدخل حالة مثارة. و«مثارة» هنا لا تعني ساخنة أو عاطفية، بل تعني أن الذرة تحتفظ مؤقتًا بطاقة إضافية.

لا تستطيع الذرة الاحتفاظ بتلك الطاقة إلى ما لا نهاية. وعندما تهبط إلى حالة طاقة أدنى، تطلق فوتونًا: حزمة صغيرة واحدة من الضوء. وفي الشفق الأخضر، يكون الانبعاث المميِّز عند 557.7 نانومتر، وهو طول موجي يقع في الجزء الأخضر من الضوء المرئي.

يحدّد مركز التنبؤ بالطقس الفضائي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، في دليله التعليمي عن الشفق القطبي، الأخضر الباهت بوصفه أكثر ألوان الشفق شيوعًا، ويرجعه إلى الأكسجين الذري المثار. ولهذا يُعدّ الأخضر دليلًا ميدانيًا مفيدًا إلى هذا الحد. فعيناك ترصدان انبعاثًا معروفًا للأكسجين، لا مجرد توهج عام في السماء.

ADVERTISEMENT

تدوم حالة الضوء الأخضر لذرة أكسجين واحدة نحو ثانية قبل أن تبعث الضوء أو تقطعها تصادمة. وهذه مدة طويلة بالمقاييس الذرية، وإن كانت قصيرة بمقاييس جانب الطريق. يستطيع شخص أن يركن سيارته جانبًا، ويطفئ المحرك، ويراقب ستارًا يحافظ على شكله، لأن أعدادًا هائلة من ذرات الأكسجين تُثار وتطلق فوتونات باستمرار عبر مساحة واسعة.

ويلفت شرح خدمة المتنزهات الوطنية لألوان الشفق القطبي إلى أهمية هذا التوقيت: إذ يحتاج الأكسجين إلى وقت كافٍ في حالته المثارة كي يطلق الضوء. ومن ثمّ، فالمشهد المستمر ليس جسمًا متوهجًا واحدًا طويل العمر، بل هو محصلة متواصلة لعدد لا يُحصى من الأحداث الذرية الوجيزة.

والآن، ضع تلك الذرة على ارتفاع 100 كيلومتر فوق الطريق.

إن اللون الأخضر الذي تميّزه عيناك هو انبعاث الأكسجين عند 557.7 نانومتر، ويحدث على ارتفاع شاهق إلى درجة تتعطل معها الحاسة المألوفة بمقياس المسافات على الطريق. قد يبدو الستار معلقًا وراء أشجار الصنوبر مباشرة لأنه يملأ جزءًا كبيرًا من مجال رؤيتك، فيما يتولد ضوؤه على مقياس يلامس حافة الفضاء.

ADVERTISEMENT

جرّب وضع الستار على خريطة عمودية للطريق

ابدأ من الأسفل. تحلق طائرة ركاب في رحلة اعتيادية عادة على ارتفاع يتراوح بين 10 و12 كيلومترًا. اصعد إلى ارتفاع يناهز عشرة أضعاف ذلك، فتصل إلى الحد الشائع الاستخدام للفضاء قرب 100 كيلومتر، والذي يُسمّى غالبًا خط كارمان.

تجاوز تلك العلامة، فتكون عند الطرف الأدنى من نطاق الشفق المفيد: نحو 100 إلى 300 كيلومتر للبنى الواقعة في الغلاف الجوي العلوي التي يرسمها هذا الدليل. وتضع نظرة عامة لوكالة ناسا عن الشفق القطبي انبعاث الأكسجين الأخضر الشائع عند نحو 100 كيلومتر، حيث يستطيع الأكسجين الذري أن يصنع الضوء الأخضر المألوف.

واصل الصعود. تتحرك محطة الفضاء الدولية على ارتفاع أعلى بكثير، في مدار تذكر ناسا أنه يقع تقريبًا بين 370 و460 كيلومترًا فوق الأرض. ضع الستار الأخضر بين علامة حافة الفضاء والمحطة: أعلى بكثير من الطائرات، وأدنى من محطة الفضاء الدولية عمومًا، وممتدًا عبر نطاق بدلًا من أن يكون مثبتًا عند ارتفاع واحد دقيق.

ADVERTISEMENT

جرّب هذا المقياس ذي العلامات الأربع قبل أن تتابع القراءة: طائرة ركاب عند 10 إلى 12 كيلومترًا؛ وحدّ الفضاء قرب 100؛ وضوء الشفق عبر نطاق الغلاف الجوي العلوي؛ ومحطة الفضاء الدولية قرب 400. فأين يقع الأخضر؟ عند الطرف الأدنى من ذلك النطاق الشفقي، قرب علامة 100 كيلومتر وفوقها.

لماذا لا تنقسم السماء إلى طبقات لونية مرتبة

هذه الخريطة مفيدة، لكنها ليست مجموعة من الشرائط الجوية المصبوغة. غالبًا ما يكون الشفق الأخضر أشد سطوعًا قرب الطرف الأدنى، بين 100 و150 كيلومترًا تقريبًا، فيما قد تمتد الأشكال الشفقية والانبعاثات المختلطة عبر نطاق أوسع ومتغير. وتؤثر طاقة الجسيمات وكثافة الهواء والظروف المحلية جميعها في الموضع الذي يتولد فيه الضوء.

للارتفاع أهميته لأن كثافة الهواء تتغير سريعًا كلما صعدت. فعند الارتفاعات الأدنى، تزداد احتمالات أن تصطدم ذرة الأكسجين المثارة بشيء ما قبل أن تتمكن من إطلاق ضوئها المميز. وفي الأعلى، يتيح الهواء الأقل كثافة لبعض حالات الأكسجين وقتًا أطول؛ فتغدو انبعاثات الأكسجين الحمراء أكثر وضوحًا. ويسهم النيتروجين بضوء أزرق وأرجواني في ظروف أخرى.

ADVERTISEMENT

ولا يجعل ذلك من اللون مقياسًا دقيقًا للارتفاع. فقد تتداخل الانبعاثات وتمتزج، وقد تسجل الكاميرات الألوان على نحو مختلف عما تراه العين. ومع ذلك، فإن عرضًا يهيمن عليه اللون الأخضر يعد علامة عملية قوية على أن الأكسجين الذري المثار يؤدي جانبًا كبيرًا من العمل المرئي، عادة قرب الجزء السفلي من الغلاف الحراري وعلى مقياس يقارب الحد المتعارف عليه للفضاء.

قاعدة للرصد من جانب الطريق تصمد أمام الاختبار

عندما يظهر الأخضر، اربط سريعًا بين ثلاث حقائق: الأخضر يعني أكسجينًا ذريًا مثارًا؛ وبصمته المرئية عند 557.7 نانومتر؛ ومصدره بعيد فوق الطائرات، عند حافة الفضاء وفوقها، لكنه أدنى عمومًا من محطة الفضاء الدولية.

كمال أيدين

كمال أيدين

ADVERTISEMENT
قبل عام 1966، كانت كعكة البوندت محدودة الانتشار — ثم غيّرت مسابقة خبز واحدة مطابخ الأمريكيين
ADVERTISEMENT

الشيء الذي يفترضه كثيرون على أنه من كلاسيكيات المطبخ القديمة، إنما دُفع إلى البيوت الأمريكية اليومية بواسطة آلة مسابقات الوصفات، وكانت نقطة التحول في عام 1966.

قد يبدو ذلك معكوسًا، لكن التاريخ واضح بما يكفي. فالتاريخ الرسمي لشركة Nordic Ware نفسها، إلى جانب الروايات التاريخية في مينيسوتا، يقول إن قالب

ADVERTISEMENT

الـ Bundt ابتكره هـ. ديفيد دالكويست عام 1950 بعد أن طلبت عضوات من Minneapolis Hadassah نسخة من قالب الكوجل هوبف الأوروبي. وقد بيع، ولكن على نحو متواضع. ولسنوات، لم يكن ذلك القالب هو الوعاء الموجود في كل خزانة إلى جانب قالب الخبز وقالب الفطائر.

وهذا هو الجزء الذي يغيب عن كثير من الخبازين المنزليين. يبدو الـ Bundt قديمًا لأنه صار مألوفًا. فبمجرد أن يظهر قالب ما في ولائم الكنائس، وحفلات الزفاف النسائية، ووجبات الأحد العائلية لمدة طويلة بما يكفي، يكف الناس عن التساؤل كيف وصل إلى هناك.

ADVERTISEMENT

قالبٌ يتعامل الناس معه اليوم كما لو كان موروثًا، كان لا بد أن يُخترَع أولًا

كان دالكويست وزوجته دوت قد أسسا Nordic Ware في مينيابوليس، وكان طلب عضوات Hadassah محددًا. فقد أردن نسخة من الألمنيوم المصبوب لذلك القالب الحلقي الثقيل المستخدم في كعكات مثل الكوجل هوبف، وهي كعكة مختمرة أو غنية تُخبز في أوروبا الوسطى بتاج مضلع وفتحة في الوسط. وأضاف دالكويست حرف «t» إلى Bund من أجل تسجيل الاسم كعلامة تجارية، ثم دخل القالب إلى السوق الأمريكية بوصفه شيئًا مُكيَّفًا، لا شيئًا عريقًا بالمعنى القديم.

تصوير TSI على Unsplash

ومع ذلك، لم يقتحم الثقافة الأمريكية على الفور. فقد كانت المبيعات المبكرة بطيئة إلى درجة أن Nordic Ware فكرت في مرحلة ما في حذف القالب من خط إنتاجها. وهذا مهم لأنه يهدم الرواية السهلة. لم يكن قالب الـ Bundt واحدًا من تلك الأدوات المطبخية التي أدرك الجميع فورًا أنهم يحتاجون إليها.

ADVERTISEMENT

الذي كان في صالحه هو شكله. فالتصميم الحلقي كان يضمن خبزًا متساويًا. وكانت التموجات تجعل الكعكة البسيطة تبدو أكثر أناقة. وكان بإمكان المضيفة أن تقلبها بعد الخَبز، ثم تضيف إليها طبقة تزيين أو قليلًا من السكر البودرة، وتقدمها كما لو أنها تنطوي على قدر أكبر من الاحتفال من كعكة طبقات مسطحة. وفي أمريكا ما بعد الحرب، حيث كانت الأطعمة الجاهزة والخبز المنزلي يعيشان جنبًا إلى جنب في كثير من الأحيان، كان ذلك وعدًا نافعًا. لكنه، مع نفعه، ليس هو نفسه أن يصير معيارًا شائعًا.

فكيف تحوّل قالب متخصص إلى ذلك القالب الذي تلقته خالتك هدية زفاف، والذي يفترض كتاب طبخ كنيستك بهدوء أنك تملكه؟ الجواب يكمن في قاعة مسابقة شهيرة جدًا.

الكعكة التي حلت ثانية وتفوّقت على الفائزة

في عام 1966، وفي مسابقة Pillsbury Bake-Off، قدمت إيلا هلفريخ كعكة باسم Tunnel of Fudge. ولم تفز بالجائزة الكبرى. بل حلت في المركز الثاني، وحصلت هلفريخ على 5,000 دولار. وعلى الورق، كان ينبغي أن يجعلها ذلك مجرد وصفة قوية في مسابقة، لا أكثر.

ADVERTISEMENT

لكن Tunnel of Fudge كانت تنطوي على حقيقة واحدة محرجة ولزجة: لكي يصنع الخبازون المنزليون الكعكة كما رأوها معروضة، كانوا يريدون النوع نفسه من القوالب. لا مجرد قالب أنبوبي كيفما كان، ولا مجرد قالب حلقي عام. بل كانوا يريدون قالب Bundt.

توقف هنا لحظة في قاعة التحكيم تلك عام 1966. كعكة واحدة. أمسية واحدة. جائزة مركز ثانٍ. ومع ذلك، فإن النتيجة الثقافية الأكبر لم تذهب إلى الفائز الرسمي. بل ذهبت إلى الوصفة التي أراد الناس أن يعيدوا صنعها في بيوتهم.

وما تلا ذلك معروف على نحو استثنائي لأنه كان ظاهرًا للعيان. فقد دفعت الدعاية المحيطة بالمسابقة القراء إلى البحث عن الوصفة. وتحوّل الطلب على الوصفة إلى طلب على القالب نفسه. والرقم الأكثر شيوعًا في السرد هو أكثر من 200,000 طلب للوصفة وللقالب. فزادت Nordic Ware من وتيرة الإنتاج. وخزنت المتاجر مزيدًا من قوالب Bundt. ونشرت اختصاصيات الاقتصاد المنزلي وصفحات الطعام في الصحف الوصفة على نطاق أوسع. ولم يطل الوقت حتى لم يعد القالب غرضًا متخصصًا، بل صار من معدات المطبخ العادية.

ADVERTISEMENT

وإذا انتقلت من قاعة المسابقة تلك إلى العقود التالية، أمكنك أن ترى الدائرة تتسع. دخل القالب أولًا إلى هدايا الزفاف، ثم إلى كتب الطبخ المجتمعية، ثم إلى الخزانة التي يحتفظ فيها أحدهم بوصفة كعكة الشوكولاتة المقصوصة من مجلة، وأخرى بالليمون منسوخة عن جارة. واعتمدته الولائم الجماعية لأنه كان سهل النقل ويبدو مكتملًا من دون طبقات أو حشوة أو تزيين احترافي. وأحبته موائد الكنائس للسبب نفسه.

هنا وقع التحول الحقيقي في الحكاية. فمسابقة تسويقية لم تجعل كعكة واحدة مشهورة فحسب، بل غيّرت أيضًا نوع الأدوات التي كان الناس العاديون يشترونها، ويخزنونها، ويغسلونها، ثم يورثونها.

كيف استقر قالب واحد في الحياة العائلية إلى هذا الحد

ما إن عبر قالب الـ Bundt من كونه ملحقًا لوصفة إلى كونه عنصرًا ثابتًا في المنزل، حتى بدأ يفعل ما تفعله أدوات المطبخ الباقية: يجمع حوله عادات. فالخباز الذي يملك واحدًا منه يبدأ بالبحث عن مزيد من الوصفات التي تستخدمه. وكاتب الوصفات يستطيع أن يفترض أن القراء قد تكون لديهم نسخة منه. ومقدّم الهدية يمكنه أن يشتريه من دون مخاطرة كبيرة، لأنه بحلول ذلك الوقت صار ينتمي إلى المنطقة الوسطى الآمنة من أدوات المطبخ الأمريكية.

ADVERTISEMENT

ولهذا يحمل الـ Bundt اليوم ذلك الإحساس العائلي القوي. ليس لأنه انتقل من ماضٍ قديم غامض من دون تغيير، بل لأنه صار عمليًا في اللحظة نفسها التي كانت فيها الوصفات المطبوعة، ومكونات السوبرماركت، وصفحات المرأة، والخبز الاجتماعي تتغذى كلها بعضها من بعض. لقد كان القالب اجتماعيًا بقدر ما كان طهويًا.

وإذا أردت أن تضع عائلتك نفسها على هذه الخريطة، فغالبًا ما تكون أفضل قرينة ليس القالب ذاته، بل الطريق الذي دخل منه. هل وصل مع وصفة Tunnel of Fudge مقصوصة؟ أم كهدية زفاف؟ أم عن طريق كتاب طبخ كنسي؟ أم عبر عصر السوبرماركت اللاحق حين شكلت خلطات الكيك والكعكات المصبوبة ثنائيًا منسجمًا؟ يمكن لمعظم المطابخ أن تردّه إلى واحد من هذه المسارات.

ونعم، لقد استخدم كثير من الخبازين قوالب أنبوبية قبل ذلك. فالقوالب الحلقية الأوروبية سبقت نسخة Nordic Ware بزمن طويل، وكانت المطابخ الأمريكية تملك بالفعل قوالب كعكة الملائكة وغيرها من أواني الخَبز ذات الأنبوب المركزي. وكان الخَبز المريح الآخذ في الصعود قائمًا على أي حال. ويمكنك، بإنصاف، أن تقول إن الأرض كانت مهيأة.

ADVERTISEMENT

لكن تهيؤ الأرض ليس هو نفسه التبني الجماهيري. فما قدمته مسابقة Bake-Off عام 1966 كان الشرارة: قالبًا ذا اسم محدد مرتبطًا بوصفة لا بد من اقتنائها، ودعاية وطنية، وسببًا مفاجئًا يدفع المتسوقين إلى طلب تلك القطعة بعينها من المعدات. ولهذا السبب ترسخ الـ Bundt، لا مجرد الفكرة العامة لكعكة حلقية، بهذه القوة في خزائن المطابخ الأمريكية.

لماذا تهم هذه القطعة من تاريخ المطبخ أكثر مما يبدو لأول وهلة

عادةً ما يظن الخبازون المنزليون أن الوصفات تتبع القوالب. لكن العكس يصح أحيانًا. فقد تشتهر وصفة إلى حد يجعلها علنية بما يكفي، وقابلة للتكرار بما يكفي، فيغير الناس معداتهم لتلائمها. ويُعد قالب الـ Bundt واحدًا من أوضح الأمثلة على ذلك.

يمكنك أن ترى المنطق الذي سيدركه أي عامل في سوق خيري للخبز. فالكعكة التي تخرج مرتبة، وتكفي جمعًا من الناس، ولا تتطلب تزيينًا فاخرًا، تبقى. والقالب الذي يساعد على إنتاج هذا النوع من الكعك يبقى معها. وحين تنضم الذاكرة إلى المنفعة، يبدأ الشيء في الظهور أقدم مما هو عليه فعلًا.

ADVERTISEMENT

لم يصبح قالب الـ Bundt من كلاسيكيات أمريكا لأنه انسرب ببطء إلى التقاليد من تلقاء نفسه؛ بل وصل إلى هناك حين التحمت التجارة، وحمى الوصفات، والخبز العملي المنزلي، بعضها ببعض في اللحظة المناسبة تمامًا.

كوزيما باور

كوزيما باور

ADVERTISEMENT