تهتز الأرض كل 26 ثانية. لا أحد يعرف السبب.

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

في أوائل الستينيات، لاحظ الجيوفيزيائي جاك أوليفر نمطًا غير عادي في البيانات الزلزالية: اهتزازًا طفيفًا يتكرر كل 26 ثانية. في البداية، بدا الأمر وكأنه شذوذ - ربما خلل في الجهاز أو اضطراب محلي. لكن مع ازدياد عدد الأجهزة المثبتة حول العالم، ظهرت الإشارة الإيقاعية نفسها مرارًا وتكرارًا. لم تكن مرتبطة بالزلازل أو العواصف أو الانفجارات البركانية، بل كانت موجودة ببساطة، ثابتة ومستمرة، كنبض القلب. وعلى مدى عقود، سُجِّل هذا النبض في كل قارة تقريبًا. إن ثباته النسبي مذهل، إذ يظهر عادةً كإشارة قريبة من 26 ثانية وتستمر على مدى طويل، رغم أن خصائصه قد تتغير أحيانًا. سواء كانت المحيطات هادئة أو عاصفة، وسواء كان الكوكب يشهد نشاطًا تكتونيًا كبيرًا أو هدوءًا نسبيًا، يبقى النبض قابلاً للرصد. وقد دفع هذا الانتظام بعض العلماء إلى وصفه بأنه "مترونوم" الأرض وما يزيد هذا الاكتشاف إثارةً هو أن النبض خافت للغاية، فلا يشعر به البشر، ولا حتى الحيوانات تُظهر أي رد فعل. فقط أجهزة قياس الزلازل الحساسة - وهي أجهزة مصممة لرصد أدنى حركة أرضية - تستطيع التقاط الإشارة. ومع ذلك، ورغم خفته، فإن النبض حقيقي بشكل لا لبس فيه وقابل للرصد عالميًا، مما يشير إلى مصدر قوي ومستقر.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة


صورة بواسطة Wictor Sparrow على pexels


ما هو النبض تحديدًا؟ فهم الاهتزازات الدقيقة

26 ثانية

هذا الانتظام الزمني الدقيق هو ما يجعل النبضة مختلفة عن معظم الاهتزازات الدقيقة الطبيعية.

ينتمي النبض الذي يستمر 26 ثانية إلى فئة من النشاط الزلزالي تُعرف بالاهتزازات الدقيقة. وهي عبارة عن اهتزازات مستمرة منخفضة التردد ناتجة عن قوى طبيعية وليست أحداثًا مفاجئة كالزلازل. تُشكل الاهتزازات الدقيقة جزءًا من همهمة الأرض الخلفية المستمرة، وهي اهتزاز خافت ولكنه حاضر دائمًا، يستخدمه العلماء لدراسة باطن الكوكب. وما يُميز هذا الاهتزاز الدقيق تحديدًا هو دقته. فمعظم الاهتزازات الدقيقة تتفاوت في قوتها وتوقيتها لتأثرها بتغير الظروف - أنماط الرياح، وأمواج المحيط، والضغط الجوي، وغيرها. لكن هذا النبض مختلف. فهو يتكرر بانتظام شبه آلي، كما لو كان مدفوعًا بمحرك مضبوط التوقيت بدقة في أعماق الأرض. قام الباحثون برسم خريطة للنبض ووجدوا أنه يظهر بأقوى حالاته بالقرب من خليج غينيا، قبالة الساحل الغربي لأفريقيا. وقد أصبحت هذه المنطقة محورًا للعديد من الدراسات، على الرغم من أن النبض لا يزال قابلاً للكشف في جميع أنحاء العالم. توفر هذه النبضة فرصة علمية فريدة. فبفضل انتظامها، تُعدّ بمثابة إشارة معايرة طبيعية لعلماء الزلازل. ومن خلال دراسة كيفية انتقالها عبر طبقات الأرض، يستطيع العلماء تحسين نماذج باطن الكوكب. إلا أن ما يجعل هذه النبضة مفيدة - أي انتظامها - هو نفسه ما يجعلها محيرة للغاية.

ADVERTISEMENT


النظريات الرائدة: أمواج، براكين، أم شيء آخر؟

تحاول عدة فرضيات تفسير النبضة، لكن كل واحدة منها تشرح جانبًا فقط من الظاهرة ولا تحسم مصدرها النهائي.

مقارنة بين التفسيرات المطروحة

النظرية ما الذي تقترحه؟ سبب التعثر
تفاعلات أمواج المحيط ضغط إيقاعي من أمواج قوية تضرب الجرف القاري ويولد هزات دقيقة الأمواج تتغير مع الطقس والمد والجزر والعواصف، ما لا يفسر ثباتًا طويل الأمد
النشاط البركاني عمليات بركانية أو بنية جيولوجية قرب خليج غينيا تنتج اهتزازًا دوريًا لا يظهر بركان معروف في المنطقة نشاطًا يطابق توقيت النبضة أو انتظامها
التأثير الجوي أو الشمسي دورات الضغط الجوي أو أنماط الطاقة الشمسية تحفز اهتزازات متناغمة هذه القوى لا تنتج عادة فترة دقيقة ومستقرة عند 26 ثانية
آلية جيوفيزيائية غير معروفة عملية طبيعية غير مكتشفة، ربما تشمل رنينًا أو تفاعلًا بين المحيط والبنية الجيولوجية تفسر الغموض العام، لكنها ما تزال بلا آلية مثبتة بشكل مباشر
ADVERTISEMENT

لم يتم حتى الآن التوصل إلى تفسير واحد مقبول عالميًا. وتحاول عدة نظريات رائدة تفسير هذه النبضة، ولكل منها نقاط قوة وضعف.

1- تفاعلات أمواج المحيط: تشير إحدى أقدم النظريات إلى أن أمواج المحيط القوية التي تضرب الجرف القاري قد تولد ضغطًا إيقاعيًا على قاع البحر. يمكن لهذه العملية أن تُحدث هزات أرضية دقيقة، لكن أمواج المحيط نادرًا ما تكون منتظمة بهذا الشكل. يتغير توقيت هذه النبضات تبعًا للطقس والمد والجزر والعواصف، مما يجعل من الصعب تفسير نبضة مستقرة لأكثر من ستين عامًا.

2- النشاط البركاني: تشير نظرية أخرى إلى عمليات بركانية قرب خليج غينيا. يعتقد بعض الباحثين أن بنية بركانية أو معلمًا جيولوجيًا قد يُنتج اهتزازات دورية. مع ذلك، لا يُظهر أي بركان في المنطقة نشاطًا يتوافق مع توقيت النبضة أو انتظامها. المنطقة معقدة جيولوجيًا، لكنها غير معروفة بإنتاج مثل هذه الإشارات الإيقاعية.

ADVERTISEMENT

3- التأثير الجوي أو الشمسي: اقترح بعض العلماء أن دورات الضغط الجوي أو أنماط الطاقة الشمسية قد تُحدث اهتزازات متناغمة في قشرة الأرض. في حين أن هذه القوى قد تؤثر على الضوضاء الزلزالية، إلا أنها لا تُنتج عادةً مثل هذه الفترات الزمنية الدقيقة. لا تزال الفترة الزمنية البالغة 26 ثانية صعبة التوافق مع الدورات الجوية المعروفة.

4- آلية جيوفيزيائية غير معروفة: يعتقد بعض الباحثين أن عملية طبيعية غير مكتشفة قد تكون مسؤولة عنها. قد يشمل ذلك تفاعلات بين أمواج المحيط وتكوينات جيولوجية محددة، أو ربما إلى تأثير رنين داخل قشرة الأرض أو وشاحها.

إن كل نظرية تُفسر جزءًا من الظاهرة، لكنها لا تُقدم الصورة الكاملة. فالنبضة منتظمة جدًا بالنسبة لأمواج المحيط، ومستمرة جدًا بالنسبة للنشاط البركاني، ودقيقة جدًا بالنسبة للدورات الجوية. تقع هذه الظاهرة عند تقاطع مجالات علمية متعددة، مما يجعل تصنيفها أمرًا صعبًا.

ADVERTISEMENT


لماذا يستمر هذا اللغز: حدود علم الزلازل

🌍

العوامل التي تبقي اللغز مفتوحًا

المشكلة ليست في غياب الاهتمام العلمي، بل في أن الإشارة نفسها ضعيفة وعابرة للتخصصات وصعبة التحديد مكانيًا.

خِفَّة الإشارة

النبضة ضعيفة للغاية، لذلك يصعب تتبعها بدقة إلى مصدر واحد واضح.

الانتشار العالمي

وصول النبضة إلى القارات والمحيطات يجعل تحديد نقطة الأصل أكثر تعقيدًا.

ثبات غير معتاد

الإيقاع المستقر يتعارض مع كثير من الدورات الطبيعية التي تتغير عادة مع الزمن والظروف.

صعوبة الرصد الميداني

المنطقة التي تبدو فيها الإشارة أقوى تقع في بيئة بحرية عميقة مع محدودية في أجهزة الرصد.

ADVERTISEMENT

لا يزال نبض الـ 26 ثانية دون حل، ليس لنقص الأدوات أو الاهتمام لدى العلماء، بل لأن الظاهرة نفسها دقيقة ومعقدة بشكل غير عادي. تساهم عدة عوامل في استمرار هذا اللغز:

- الإشارة خافتة للغاية، مما يصعب تتبعها إلى مصدر محدد.

- طبيعتها العالمية تُعقّد عملية تحديد موقعها، حيث تنتشر النبضة عبر القارات والمحيطات.

- ثباتها يتعارض مع الدورات الطبيعية المعتادة، التي تميل إلى التذبذب مع مرور الوقت.

إن المنطقة التي يبدو فيها هذا النبض أقوى ما يكون يصعب دراستها، نظرًا لعمق مياهها ومحدودية أجهزة الرصد الزلزالي. وحتى مع التكنولوجيا الحديثة، يظل تحديد المصدر الدقيق لهذا الاهتزاز الخافت تحديًا كبيرًا. يتفوق علم الزلازل في رصد الأحداث المفاجئة والقوية كالزلازل، لكن الإشارات المستمرة منخفضة التردد تتطلب أساليب مختلفة، وغالبًا ما تُسفر عن نتائج غامضة. ومع ذلك، فإن هذا الغموض هو ما يضفي على النبض قيمته العلمية. فهو يحفز الباحثين على استكشاف أساليب جديدة، وتحسين النماذج الحالية، ودراسة العمليات التي ربما لم تُفهم بالكامل بعد. وبهذا المعنى، يُعد النبض أكثر من مجرد ظاهرة مثيرة للاهتمام، فهو بوابة لمعرفة أعمق حول الأنظمة الديناميكية للأرض.