اللغة العربيّة من أكثر اللغات انتشارًا في العالم، وهي حاليًا اللغة الرسمية في أكثر من 22 بلدًا. يتحدث بها أكثر من 300 مليون شخص حول العالم، وتُعتبر العربية من أقدم اللغات، ولها دور محوري في العقيدة الإسلامية، إذ إن أولى الكتابات المكتوبة وردت في القرآن الكريم. في 18 ديسمبر / كانون الأول 1973، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة رسميًا اللغة العربية لغةً رسميةً سادسة للمنظمة، إلى جانب الإنجليزية والإسبانية والفرنسية والصينية والروسية. واليوم يُحتفل بهذا التاريخ كيوم للغة العربية في العالم.
في هذه المقالة نقدّم بعض ميزات اللغة العربيّة التي تميّزها عن غيرها من اللغات. وأفضل طريقة لشرح هذه الاختلافات ليست نظرية، بل عن طريق بعض الأمثلة: كيف يُبنى المعنى ويُصاغ ويُعبَّر عنه في اللغة العربية مقارنةً بلغات مثل الإنجليزية.
قراءة مقترحة
في الكثير من اللغات، تُتعلَّم المفردات في الغالب كعناصر منفصلة. في الإنجليزية مثلًا، كلمة كتاب (book)، ومكتبة (library)، لهما جذران مختلفان عن الفعل كتب (write). هذه الكلمات مرتبطة تاريخيًا، لكنها مستقلة بنيويًا. أمّا اللغة العربية فدلالية بطبيعتها؛ وفيها، ينشأ المعنى من الجذور. الجذر الثلاثيّ: ك-ت-ب يعطي كلّ شيء بالاشتقاق. والمتحدث باللغة العربية يشعر بالترابط فورًا بين كتب ومكتوب وكتاب ومكتبة وكاتب. حتى بدون معرفة الكلمة، يُعطي الجذر معناها.
تُعبّر أنماط الأفعال العربية عن السببية، والتبادلية، والشدة، دون استخدام أفعال مساعدة. وهذا ما يجعل اللغة العربية كثيفة: كلمات أقل، معنى أكثر. أمّا اللغة الإنجليزية، فغالبًا ما تحتاج إلى كلمات إضافية للتعبير عن الفروق الدقيقة. (He made him write)، بمعناها الحرفيّ (جعله يكتب)، تكون في العربية: كتّبه، بكل بساطة. (They fought each other)، بمعناها الحرفيّ (قاتل أحدهما الآخر)، تكون في العربية: تقاتلا.
اللغة العربية تتيح للمتكلم تشكيل المعنى عاطفيا، وليس ميكانيكيًا. تعتمد اللغة الإنجليزية بشكل كبير على ترتيب الكلمات: (The boy ate the apple)، أكل الولد التفاحة. وتغيير الترتيب يُغيّر المعنى. أمّا اللغة العربية، فتسمح بالتبديل بين كلمات الجملة للتأكيد على جزء منها: التفاحةَ (وليس البرتقالة) أكل الولد، الولدُ (وليس الشاب) أكل التفاحةَ.
القواعد تبقى صحيحة، والإعراب يبقى نفسه، وما يتغير هو التأكيد.
غالبًا ما تفترض اللغة العربية فهمًا ثقافيًا وسياقيًا مشتركًا. لا يُذكر المعنى دائمًا صراحةً، بل يُلمّح إليه أو يُستدل عليه. غالبًا ما تتطلب اللغة الإنجليزية الوضوح من خلال التكرار: "ذهبتُ إلى السوق، واشتريتُ خبزًا." يمكن للغة العربية الاعتماد على التضمين: ذهبتُ إلى السوق واشتريتُ خبزًا. لم يُكرر الضمير "أنا" - فالفعل يتضمنه. تثق اللغة العربية بالسياق وذكاء المستمع أكثر من العديد من اللغات الحديثة. مقارنةً باللغة الإنجليزية، التي تميل إلى المباشرة والصراحة، فإن اللغة العربية: • تسمح بالتكرار للتأكيد • تُقدّر البناء البلاغي • تستخدم الاستعارة والصور البلاغية قد يُسبب هذا الاختلاف سوء فهم. ما يبدو شعريًا في اللغة العربية قد يبدو غير مباشر في اللغة الإنجليزية. ما يبدو موجزًا في اللغة الإنجليزية قد يبدو سطحيًا عاطفيًا في اللغة العربية.
اللغة العربية وعاء حضاري في الماضي والحاضر
الأصوات العربية ليست محايدة. قارن فعلَي قطع، يقطع، وكسر، يكسر. يعكس الصوتان المفخمان القاف والطاء قوة فيزيائية. ويشعر المتحدثون باللغة العربية بهذا الارتباط بشكل بديهي. في اللغة الإنجليزية، يعتمد استخدام كلمتيcut وbreak على الاصطلاح، وليس على الرمزية الصوتية. أمّا في اللغة العربية، فيُنطق الصوت كما يُشير إلى معناه. في العديد من اللغات الحديثة، يأتي الصوت في المرتبة الثانية بعد المعنى، أمّا في اللغة العربية، فالصوت هو المعنى بحد ذاته. الحروف ليست عشوائية؛ فالأصوات الثقيلة غالبًا ما تُشير إلى أفعال ثقيلة، والأصوات الرقيقة إلى أفعال خفيفة. هذه الرمزية الصوتية متأصّلة وبديهية لدى المتحدثين بالعربية. على سبيل المثال: الكلمات المتعلقة بالكسر أو السحق أو القوة غالبًا ما تحتوي على أصوات مفخمة أو حلقية. والكلمات المتعلقة بالتنفس أو النعومة أو الخفة غالبًا ما تستخدم حروفًا ساكنة انسيابية. حرف الحاء مثلًا يوحي بالحياة والحرارة والحبّ. هذا ما يجعل اللغة العربية تبدو ملموسة عند نطقها، فهي متجذرة في الحلق والصدر والتنفس. وبالمقارنة مع اللغات التي تعتمد بشكل أساسي على الشفتين واللسان، فإن اللغة العربية تُشرك الجهاز الصوتي بأكمله.
فقد زمام الأمور، أنا غارق في العمل، وغيرها من الاستعارات اليومية، حتى في اللهجات العامية. لا تُبسّط اللغة العربية الاستعارات، بل تحافظ عليها، وتُبقي اللغة بصرية ومجسدة، وليست مجردة.
الاستعارة في العربية: انظر المعنى الحقيقي
لا يستطيع متحدث الإنجليزية قراءة نصّ يعود إلى 400 عام بسهولة، في حين يستطيع القارئ بالعربية، قراءة: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ونصوص شعرية عمرها أكثر من 1400 عام، لا تزال حيّة من الناحية التركيبية. لم تتخلَّ اللغة العربية عن ماضيها، بل حملته إلى الأمام. تتطور معظم اللغات باستبدال أشكالها القديمة. الإنجليزية القديمة غير مفهومة لمتحدثي الإنجليزية الحديثة، أما العربية الفصحى موجودة فلا تزال موجودة، وإن كانت تطورت هي الأخرى. تربط العربية المعيارية الحديثة بين الاستخدام القديم والحديث، وتتطور اللهجات دون أن تمحو اللغة الرسمية. وقلما تحافظ لغات على هذا الترابط الطبقي، حيث يتعايش الماضي والحاضر بدلًا من أن يلغي أحدهما الآخر.
يمكن للقارئ المعاصر قراءة نصوص تعود إلى أكثر من 1400 عام
تتجنب الإنجليزية التكرار، بينما تحتضنه العربية: عندما نقول: الحق واضح، الحق ظاهر، الحق لا يُخفى، فإنّ التكرار يعزّز المعنى. وهذا نابع من ثقافة شفهية كانت فيها الذاكرة أهم من السرعة.
العربية ليست مجرد لغة أخرى بكلمات مختلفة، بل هي لغة تقوم على فلسفة مختلفة: جذور الكلمات بدلًا من الكلمات المنفصلة، المعنى متضمن في الشكل، الصوت مرتبط بالمعنى، القواعد النحوية تخدم التأكيد، الاستعارة كفكرة أساسية. التحدث بالعربية بطلاقة يعني الشعور بأن اللغة حية، متعددة الطبقات، وهادفة. هي لا تتعجل في الوضوح، بل تكشف المعنى ببطء، وبثقة، وبعمق. هذا ما يميز العربية حقًا عن كثير من اللغات الأخرى.
