على هضبة الجيزة، وعلى بعد خطوات قليلة من الأهرامات الكبرى، يفتح المتحف المصري الكبير فصلاً جديداً في كيفية عرض مصر لنفسها. المتحف المصري الكبير هو أكثر من مجرد مستودع للآثار، فهو بيان معماري ضخم، وقوة حفاظ، وبيان ثقافي. تجمع قاعاته عشرات الآلاف من السنين من الحضارة المصرية في سردية شاملة واحدة.
من اللحظة التي تقترب فيها من المتحف المصري الكبير، يتضح طموحه. صمم المتحف شركة Heneghan Pengالأيرلندية، ويحاكي شكله المثلثي هندسة الأهرامات المجاورة، كما لو كان في حوار صامت مع الآثار القديمة التي يكرمها.
قراءة مقترحة
تضفي الخرسانة ذات اللون الرملي، والألواح الشفافة من المرمر على المبنى بريقًا ذهبيًا ناعمًا مثل صدى حديث للحجر القديم. توفر واجهته المصنوعة من الزجاج المصنفر، والممتدة من الأرض إلى السقف إطلالة بانورامية خلابة على أهرامات الجيزة من داخل الردهة.
11 متراً و83 طناً
هذا هو حجم تمثال رمسيس الثاني في القاعة الكبرى، ما يجعله محورًا بصريًا يختصر طموح المتحف المعماري والرمزي.
في قلبه تقع القاعة الكبرى، وهي مساحة من ستة طوابق يغمرها الضوء الطبيعي. ويشمخ في داخلها تمثال ضخم من الجرانيت الأحمر لرمسيس الثاني يبلغ ارتفاعه 11 متراً ويزن 83 طناً، كان يقف في السابق في ميدان رمسيس بالقاهرة، والآن عاد إلى أرض الفراعنة.
يحول المتحف حركة الصعود نفسها إلى سرد زمني يربط بين المدخل وقاعات العرض، بحيث تصبح الدرجات جزءًا من التجربة لا مجرد ممر.
درج كبير يربط المدخل باثنتي عشرة قاعة عرض رئيسية ويهيئ الزائر للانتقال من الحاضر إلى الماضي.
على طول الدرجات، تصطف اللوحات الحجرية وتماثيل الفراعنة والآلهة والتوابيت لتصنع إحساسًا برحلة طقسية.
أثناء الصعود، يمر الزوار من أدوات ما قبل التاريخ والأعمال الحجرية من العصر الحجري الحديث إلى الآثار الفرعونية والفن الجنائزي.
تقوم القاعات الدائمة على تنظيم زمني وموضوعي في آن واحد، بحيث تروي تاريخ مصر عبر العصور وعبر أفكار المجتمع والمعتقدات والملكية.
| الفترة | التركيز | أمثلة معروضة |
|---|---|---|
| عصور ما قبل التاريخ وما قبل الأسرات | البدايات المبكرة للحياة والتنظيم | أدوات حجرية، أحجار طحن، وتحف من "الصحراء الخضراء" |
| العصر القديم والمتوسط والجديد | صعود السلالات الفرعونية وذروة الملكية | تماثيل، آثار معابد، أيقونات ملكية، وتماثيل بتاح وسخمت |
| الفترات اللاحقة | التحول والتكيف الثقافي | آثار الحكم الأجنبي والثقافة الهلنستية والاندماج اليوناني الروماني |
| الوسائط المساندة | تفسير التجربة للزائر المعاصر | واقع معزز، عروض تفاعلية، وقصص غامرة |
رأس سخمت
أحد أكثر الأماكن المنتظرة في المتحف المصري الكبير هو معرض توت عنخ آمون، الذي يمتد على مساحة 5000 متر مربع تقريبًا. هنا، ولأول مرة على الإطلاق، جُمعت جميع كنوز الملك الصبي البالغ عددها حوالي 5000 قطعة تحت سقف واحد: أسرّة ذهبية حريرية، ست عربات، عرش مذهّب، تابوت من الكوارتزيت — وبالطبع قناعه الجنائزي الشهير المصنوع من الذهب واللازورد. لا تحكي هذه القطع قصة الموت فحسب، بل قصة الترميم والطقوس والإيمان بالخلود.
وقد عمل الحرفيون والمرممون لسنوات في مركز الترميم الداخلي للمتحف، حيث أعادوا القطع الهشة إلى مجدها السابق قبل عرضها.
وراء المشهد الملكي توجد كنوز أكثر هدوءًا، لكنها مؤثرة للغاية. في صالات العرض الرئيسية، ستجد:
مجموعة ذهبية منسوجة ببراعة دُفنت مع مشرف الأسطول الملكي في عهد أحمس الثاني، ومزينة بآلهة واقية من الذهب.
شظايا مكسورة استخدمها المصريون القدماء كدفاتر ملاحظات، وتحمل رسومات ومسودات ولمحات مباشرة من الحياة اليومية.
لوحات حجرية منقوشة وأعمدة وتماثيل آلهة وأدوات يومية مرتبة لتعكس معتقدات الناس العاديين وممارساتهم إلى جانب تاريخ الملوك.
حكا إم سا إف، مشرف الأسطول
المتحف المصري الكبير ليس مجرد عرض للماضي: إنه مبني من أجل المستقبل. توجد مختبرات حفظ متطورة داخل المجمع، حيث يقوم الخبراء بترميم ودراسة القطع الأثرية باستخدام أحدث التقنيات.
يلعب التصميم الرقمي دورًا رئيسيًا: تساعد العروض المتعددة الوسائط وإعادة البناء الافتراضي وتجارب الواقع المختلط الزوار على فهم الممارسات القديمة المعقدة، من عادات الدفن إلى الطقوس الدينية.
يوجد أيضًا متحف للأطفال، بالإضافة إلى مساحات تعليمية ومركز مؤتمرات ومقاهي ومتاجر، ما يجعل المتحف وجهة ثقافية.
بالنسبة للعديد من المصريين، هذا المتحف رمز للفخر الثقافي. يُطلق عليه أحيانًا اسم ”الهرم الرابع“، ويقع بالقرب من الأهرامات الكبرى، مؤكدًا أن تراث مصر لا ينتمي إلى الماضي فحسب، بل إلى مستقبله أيضًا.
يضم أكثر من 100,000 قطعة أثرية، وهو أكبر المتاحف في العالم المخصصة لحضارة واحدة. يُعرض حوالي نصف هذه القطع بشكل دائم، بينما سيتم حفظ الباقي ودراسته وعرضه بالتناوب في معارض مستقبلية.
من المتوقع أن يكون المتحف أيضًا حجر الزاوية في استراتيجية السياحة الثقافية في مصر — حيث من المحتمل أن يستقبل ملايين الزوار سنويًا، مع تحديد عدد الزوار اليومي للحفاظ على تجربة الزوار.
بعد أكثر من عقدين من التخطيط والبناء والتأخير (التغيرات السياسية والعقبات المالية والأزمات العالمية)، افتتح المتحف المصري الكبير أبوابه رسميًا في نوفمبر / تشرين الثاني 2025. وقد بدأت بالفعل تجربة تشغيلية للمعارض الرئيسية في وقت سابق، ما ساعد على تحسين العمليات وتدفق الزوار واستراتيجية التفسير.
لم يكن الافتتاح مجرد حدث وطني — بل كان حدثًا عالميًا. اجتمع رؤساء الدول والآثاريون وقادة الثقافة للاحتفال بدور مصر المتجدد كحامية لأحد أعظم إرث البشرية.
يجمع المتحف قطعًا كانت مبعثرة بين متاحف القاهرة القديمة وغرف التخزين والمواقع الأصغر تحت سقف واحد يليق بأهميتها.
وجود المختبرات ومرافق الترميم في الموقع يعني حفظ القطع الأثرية وصون المعرفة المرتبطة بها في الوقت نفسه.
المعارض التفاعلية والوسائط المتعددة تجعل مصر القديمة أقرب إلى الجيل الجديد، خصوصًا الشباب المعتاد على التجارب الرقمية.
يمثل المتحف رأس مال مصر الثقافي عالميًا، ويعمل كمغناطيس للسياحة ومنصة للتبادل الدولي.
عندما تتجول في المتحف المصري الكبير، تشعر بثقل آلاف السنين — ولكن ليس كزائر متحف ينظر إلى الماضي. بل تشعر بحضارة تتحاور مع الحاضر. التماثيل والتوابيت والواجهات الرقمية ومختبرات الصيانة — كلها تتحدث عن مستقبل يشكله احترام عميق للماضي.
المتحف المصري الكبير أكثر من مجرد متحف. إنه بيان أن تاريخ مصر حي وذو صلة وغني بشكل لا نهائي. لا يتعلق الأمر فقط بما كان، بل بما سيستمر — إرث خالد، موجود في مبنى يبدو في حد ذاته ضخمًا وأبديًا، ولكنه أيضًا حي بشكل مدهش.