صنع فريق بقيادة جامعة كوليدج لندن خيوط معكرونة بعرض 372 نانومترًا فقط، أي أجزاء من مليار من المتر، وبسماكة تقل بنحو 200 مرة عن شعرة الإنسان. وتوضح الجامعة أن هذه السباغيتي المجهرية ليست طعامًا جديدًا؛ فالهدف هو إنتاج ألياف نانوية من الدقيق لاختبار استخدامها في الطب والصناعة.
عرض النقاط الرئيسية
تُعد الألياف النانوية المصنوعة من النشا واعدة لضمادات الجروح، لأن حصائرها شديدة المسامية فتسمح بمرور الماء والرطوبة وتحد من دخول البكتيريا. كما يجري استكشافها كسقالات لتجديد العظام والأنسجة وفي توصيل الأدوية. والنشا، الذي تنتجه معظم النباتات الخضراء لتخزين الجلوكوز الزائد، مادة متجددة وقابلة للتحلل داخل الجسم.
غير أن إنتاج هذه الألياف من النشا النقي يستلزم استخراجه من الخلايا النباتية وتنقيته، وهي معالجة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه. سعى الفريق إلى تجاوز هذه المرحلة بصنع الألياف مباشرة من مكوّن غني بالنشا ومتاح على نطاق واسع: الدقيق الأبيض المستخدم في المعكرونة.
قراءة مقترحة
نشرت بياتريس بريتون وآدم كلانسي وجاريث ويليامز وزملاؤهم تفاصيل العمل في دورية Nanoscale Advances تحت عنوان «Nanopasta: electrospinning nanofibers of white flour». وتذكر الورقة أن محلول الغزل احتوى على 17% من الدقيق بالوزن، وأنه أنتج حصائر مسامية من ألياف يبلغ متوسط عرضها 372 نانومترًا.
اعتمد الباحثون تقنية الغزل الكهربائي، وفيها تسحب شحنة كهربائية خيوطًا دقيقة من خليط الدقيق والسائل عبر طرف إبرة إلى لوحة معدنية. تمثل الإبرة واللوحة طرفي دائرة كهربائية؛ وعند تطبيق الشحنة يتدفق الخليط عبر الهواء نحو اللوحة، حيث تتجمع الخيوط في حصيرة من الألياف النانوية.
نفذت بريتون العمل ضمن دراسة الماجستير في الكيمياء بجامعة كوليدج لندن. وشرح الدكتور آدم كلانسي، من قسم الكيمياء في الجامعة، الفكرة بقوله: «لصنع السباغيتي، عليك دفع خليط من الماء والدقيق من خلال ثقوب معدنية. في دراستنا، فعلنا الشيء نفسه، إلا أننا مررنا خليط الدقيق عبر شحنة كهربائية. إنها سباغيتي حرفيًا، لكنها أصغر كثيرًا».
تقارن الدراسة هذه الخيوط بمعكرونة su filindeu، ومعنى اسمها «خيوط الله»، التي يصنعها حرفيون يدويًا في مدينة نورو بجزيرة سردينيا. يُقدّر عرض هذه المعكرونة الطويلة بنحو 400 ميكرون، ما يجعلها أكثر سمكًا بنحو 1000 مرة من الخيوط المنتجة بالغزل الكهربائي. أما خيط المعكرونة النانوية، بعرضه البالغ 372 نانومترًا، فهو أضيق من بعض الأطوال الموجية للضوء.
تجمعت الخيوط في حصيرة يبلغ عرضها نحو سنتيمترين، ولذلك أمكن رؤيتها بالعين. أما كل خصلة منفردة فكانت أدق من أن تظهر بوضوح في كاميرا أو مجهر يعمل بالضوء المرئي، فاستُخدم مجهر إلكتروني ماسح لقياس عرضها. يمسح هذا الجهاز العينة بشعاع مركز من الإلكترونات، ثم يبني صورة من نمط الإلكترونات المنحرفة.
قال البروفيسور جاريث ويليامز، من كلية الصيدلة بجامعة كوليدج لندن والمشارك في الدراسة: «تُظهر الألياف النانوية، مثل تلك المصنوعة من النشا، إمكانية استخدامها في ضمادات الجروح لأنها مسامية للغاية. بالإضافة إلى ذلك، يجري استكشاف الألياف النانوية كسقالة لإعادة نمو الأنسجة، إذ تحاكي المصفوفة خارج الخلية، وهي شبكة من البروتينات والجزيئات الأخرى التي تبنيها الخلايا لدعم نفسها».
يرى الفريق أن وفرة النشا تضيف سببًا عمليًا لدراسته؛ فهو ثاني أكبر مصدر للكتلة الحيوية على الأرض بعد السليلوز. وقال كلانسي: «النشا مادة واعدة للاستخدام لأنها وفيرة ومتجددة، وهي قابلة للتحلل البيولوجي، ما يعني أنه يمكن تكسيرها في الجسم. لكن تنقية النشا تتطلب الكثير من المعالجة. لقد أظهرنا أنه من الممكن إيجاد طريقة أبسط لصنع الألياف النانوية باستخدام الدقيق».
تبقى المرحلة التالية هي فحص خصائص الحصيرة الناتجة، بما في ذلك سرعة تفككها، وطريقة تفاعلها مع الخلايا، وإمكان إنتاجها على نطاق واسع. وهي أسئلة لازمة قبل الانتقال من تجربة الغزل إلى تطبيقات الضمادات أو تجديد الأنسجة أو توصيل الأدوية.
يمثل الدقيق الأبيض تحديًا أكبر من النشا النقي في الغزل الكهربائي، لأن البروتين والسليلوز وغيرهما من الشوائب تزيد لزوجة الخليط وقد تمنع تكوّن الألياف. وللتعامل مع ذلك، استخدم الباحثون حمض الفورميك مذيبًا للدقيق؛ إذ يفك طبقات الحلزونات الكبيرة التي تكوّن النشا، وهي طبقات أضخم من أن تعمل وحدات لبناء ألياف نانوية دقيقة.
يحدث للطهي أثر مشابه في النشا، إذ يفك هذه البنى الحلزونية ويجعل المعكرونة قابلة للهضم. وفي تجربة الغزل يتبخر حمض الفورميك أثناء انتقال الخيط في الهواء من الإبرة إلى اللوحة المعدنية. كما سخن الفريق الخليط بعناية عدة ساعات، ثم برّده ببطء حتى وصل إلى القوام الملائم للغزل.
وصفت بريتون عملية ضبط التجربة بقولها: «استمتعت حقًا بالعملية التكرارية لضبط المتغيرات ومراقبة كيف غيّر ذلك الخليط. كان الأمر عبارة عن الكثير من التجربة والخطأ. لم أتخيل أنني سأقوم بتشكيل ألياف، لكنني فعلت ذلك».
أما احتمال وضع هذه الخيوط في قدر الطهي فاستبعده ويليامز بروح مرحة: «لا أعتقد أنها تصلح كمعكرونة، للأسف، لأنها ستنضج أكثر من اللازم في أقل من ثانية، قبل أن تتمكن من إخراجها من المقلاة».