تُعدّ بورسعيد، الواقعة عند المدخل الشمالي لقناة السويس، واحدة من أكثر المدن الساحلية سحرًا في مصر. تأسست أثناء إنشاء القناة، وسرعان ما نمت لتصبح مركزًا عالميًا نابضًا بالحياة، تشكّل بفعل التجارة والهجرة والثقافة البحرية. واليوم، تُقدّم بورسعيد مزيجًا فريدًا من المواقع التاريخية، والسياحة النابضة بالحياة، والحياة الاجتماعية الغنية، والتقاليد العريقة. وطابعها المميز يجعلها وجهة مثالية للمسافرين الباحثين عن العمق الثقافي والاسترخاء على شاطئ البحر.
ترتبط أصول بورسعيد ارتباطًا وثيقًا بقصة قناة السويس. تأسست المدينة عام 1859 إذ بدأت كقاعدة لبناء القناة تحت إشراف فرديناند دي ليسبس. كانت أول ضربة معول إيذانًا ببدء القناة بمثابة ميلاد مدينة مُقدّر لها أن تصبح ملتقى طرق عالمي .واجهت بورسعيد في بداياتها تحديات جمة، فقد عانت السفن في الرسو، وكانت مواد البناء شحيحة. ولذلك، تم استيراد العديد من المباني على شكل مجموعات جاهزة أو بُنيت باستخدام تقنيات مبتكرة كالخرسانة المركبة، التي استُخدمت في بناء الأرصفة البحرية والمنارة الشهيرة. تُعد منارة بورسعيد، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، المبنى الأصلي الوحيد المتبقي من السنوات الأولى للمدينة، ورمزًا لإرثها البحري العريق. يعكس طراز المدينة المعماري تاريخها المتنوع.إذ تصطف المنازل القديمة ذات الشرفات الخشبية، والواجهات المتأثرة بالطراز الأوروبي، ومبانٍ من الحقبة الاستعمارية على جانبي الشوارع، لتقدم لمحة عن المجتمعات متعددة الثقافات التي ازدهرت هنا في الماضي. جعل موقع بورسعيد الاستراتيجي منها بوتقة انصهار للثقافات المصرية واليونانية والإيطالية والفرنسية والشامية، حيث ترك كل منهم بصمته على هوية المدينة. ويشعر المرء عند التجول في بورسعيد وكأنه يدخل متحفًا حيًا.
قراءة مقترحة
تكمن جاذبية بورسعيد السياحية في موقعها الجغرافي الفريد ومزيجها الفريد من المعالم الحديثة والتاريخية. تمتد المدينة على طول 30 كيلومترًا على ساحل البحر ومن أبرز التجارب التي يمكن خوضها في المدينة مشاهدة السفن العملاقة وهي تعبر قناة السويس. فقلّما تجد أماكن في العالم تتيح للزوار فرصة الوقوف على مقربة من السفن التي تبحر في أحد أهم الممرات المائية على كوكبنا. يُعد مبنى هيئة قناة السويس، ونصب الشهداء التذكاري، ومتحف الفن الحديث من بين المواقع البارزة التي تُبرز الأهمية الثقافية والتاريخية للمدينة. كما يمكن للزوار ركوب عبّارة قصيرة إلى بور فؤاد، المدينة الشقيقة الواقعة على الضفة الأخرى من القناة. لا يقتصر هذا العبور السريع على كونه خلابًا فحسب، بل يحمل أيضًا دلالة رمزية، فبور فؤاد هي إحدى المدن القليلة في العالم التي تقع بالكامل على جزيرة داخل نظام قناة رئيسي. ولمحبي النزهات الهادئة، يوفر كورنيش بورسعيد إطلالات خلابة على البحر الأبيض المتوسط، ومقاهي نابضة بالحياة، وفرصة لمشاهدة الحياة اليومية على طول الواجهة البحرية. تُعد أسواق المدينة، وخاصة البازارات التقليدية، مثالية للعثور على المنسوجات والتوابل والمنتجات الحرفية المحلية.
تتشكل الحياة الاجتماعية في بورسعيد من تاريخها كمدينة ساحلية ودورها كبوابة بين مصر والعالم. ويعكس سكانها، الذين يبلغ عددهم قرابة 800 ألف نسمة، مزيجًا حيويًا من الثقافات وأنماط الحياة. أحياء المدينة نابضة بالحياة ومرحبة، وتتميز بروح مجتمعية قوية. وتُعد المقاهي وبيوت الشاي مركزًا للحياة الاجتماعية، حيث تُشكل أماكن تجمع السكان المحليين لمناقشة كل شيء من كرة القدم إلى السياسة. يتجلى تأثير ثقافة البحر الأبيض المتوسط بوضوح في وتيرة الحياة الهادئة في المدينة، وشغف سكانها بالمأكولات البحرية، وتقديرهم للحياة في الهواء الطلق. يُعدّ مشهد الطهي في بورسعيد ركيزة أساسية في نسيجها الاجتماعي. إذ يهيمن السمك الطازج والروبيان والحبار على قوائم الطعام المحلية، وغالبًا ما تُحضّر بتوابل مصرية بسيطة لكنها غنية بالنكهات. كما تنعكس هوية المدينة الساحلية في طعام الشارع، حيث يُضفي الباعة المتجولون الذين يبيعون الذرة المشوية والمكسرات المحمصة والحلويات التقليدية جوًا نابضًا بالحياة. كما تلعب الرياضة، وخاصة كرة القدم، دورًا محوريًا في حياة المجتمع. يتمتع النادي المصري، الفريق المحبوب في المدينة، بقاعدة جماهيرية متحمسة تملأ الشوارع بالحيوية في أيام المباريات. وعلى الرغم من نموها الحديث، تحافظ بورسعيد على طابعها الدافئ الذي يُذكّر بالمدن الصغيرة، حيث يعرف الجيران بعضهم بعضًا وتتوارث التقاليد عبر الأجيال.
تتجذر تقاليد بورسعيد بعمق في تراثها البحري وتاريخها متعدد الثقافات. لقد تشكّلت هوية المدينة عبر عقود من التفاعل مع البحارة والتجار والمسافرين من شتى أنحاء العالم. ومن أبرز سمات ثقافة بورسعيد هندستها المعمارية، ولا سيما الشرفات الخشبية القديمة. منازل تضفي على المدينة جمالية فريدة. تعكس هذه المباني تأثيرات أوروبية ممزوجة ببراعة الحرفيين المصريين، مما يرمز إلى دور المدينة كملتقى ثقافي. وتُبرز المهرجانات والاحتفالات المحلية تقاليد المدينة. يُحتفل بالأعياد الوطنية، وخاصة تلك المرتبطة بقناة السويس واستقلال مصر، بكل فخر. وقد عزز تاريخ المدينة الحافل بالصمود، لا سيما خلال صراعات القرن العشرين، شعورًا قويًا بالهوية وروحًا مجتمعية متماسكة. ولا تزال الحرف التقليدية، مثل نسج المنسوجات وصناعة الإكسسوارات اليدوية، جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد المحلي. وتعج الأسواق بالحرفيين الذين يعرضون منتجات تعكس التراث المصري وطابع بورسعيد الساحلي. وتحظى تقاليد الطعام بأهمية مماثلة. تجتمع العائلات لتناول وجبات تضم أطباقًا بحرية متوارثة عبر الأجيال، وتُنتج المخابز المحلية معجنات تمزج بين نكهات البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. إن تقاليد بورسعيد ليست مجرد آثار من الماضي، بل هي عناصر حية من الحياة اليومية تُواصل تشكيل هوية المدينة.
بورسعيد وجهةٌ تُشبع فضولك. مواقعها التاريخية، وتراثها البحري، وحياتها الاجتماعية النابضة، وتقاليدها العريقة، تُشكّل نسيجًا غنيًا من التجارب. سواءً أكانت قصة قناة السويس، أو سحر ثقافة البحر الأبيض المتوسط، أو كرم أهلها، فإن بورسعيد تُقدّم لك رحلةً إلى جانبٍ أصيلٍ من مصر، مُرحّبٍ، وغنيٍّ بالشخصية للمسافرين الباحثين عن مزيجٍ من التاريخ والثقافة وجمال الساحل، تُعتبر بورسعيد جوهرةً من جواهر مصر الخفية.