رحلة قطر نحو الهيمنة على الغاز الطبيعي

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

يُعدّ تحوّل قطر من إمارة خليجية متواضعة إلى عملاق عالمي في مجال الطاقة من أبرز قصص النجاح الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. ويكمن جوهر هذا التحوّل في قرار جريء واحد: الالتزام الكامل بالغاز الطبيعي، ولا سيما في صورته المسالة. وقد وضع هذا التحوّل الاستراتيجي الدولة على مسار لا رجعة فيه نحو الهيمنة على الطاقة، مُعيدًا تشكيل اقتصادها ومكانتها العالمية ومستقبلها. تبدأ القصة عام 1971، عندما اكتشفت قطر حقل الشمال، أكبر خزان للغاز الطبيعي. يقع الحقل قبالة سواحل الخليج العربي، ويتشاركه مع إيران (حيث يُعرف باسم حقل جنوب فارس)، ويمتد على مساحة تزيد عن 6000 كيلومتر مربع، ويحتوي على ما يُقدّر بنحو 900 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج. في ذلك الوقت، كان اقتصاد قطر لا يزال يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، وكانت سوق الغاز الطبيعي العالمية متخلفة نسبيًا. كانت البنية التحتية لاستخراج الغاز ومعالجته وتصديره - وخاصة في صورته المسالة - مكلفة وتتطلب تقنيات متطورة. ونتيجة لذلك، ظل حقل الشمال غير مستغل إلى حد كبير لسنوات. إلا أن القيادة القطرية أدركت الإمكانات طويلة الأجل لهذا المورد الهائل. فبدلاً من التسرع في التطوير، تبنّت قطر نهجاً استراتيجياً متأنياً، فاستثمرت في دراسات الجدوى، وأقامت شراكات دولية، ووضعت الأسس لما سيصبح تحولاً وطنياً شاملاً.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة


صورة بواسطة Matthew Smith على


قفزة الغاز الطبيعي المسال: رهانٌ كبير على المستقبل

في تسعينيات القرن الماضي، اتخذت قطر قراراً تاريخياً سيُحدد مستقبلها: الاستثمار بكثافة في الغاز الطبيعي المسال. تتضمن هذه العملية تبريد الغاز الطبيعي إلى -162 درجة مئوية، وتحويله إلى سائل قابل للشحن عالمياً. في ذلك الوقت، كان الغاز الطبيعي المسال سوقاً متخصصة، وتطلّبت البنية التحتية اللازمة - محطات التسييل، وخزانات التخزين، وناقلات متخصصة - استثمارات أولية بمليارات الدولارات.

كيف بنت قطر قاعدة انطلاق الغاز الطبيعي المسال

1

تطوير رأس لفان

طوّرت قطر مدينة رأس لفان كمجمع صناعي ضخم لمعالجة الغاز وتصدير الغاز الطبيعي المسال، وسرعان ما أصبحت أكبر منشأة من هذا النوع في العالم.

2

بناء الشراكات الاستراتيجية

عقدت شراكات مع إكسون موبيل وشل وتوتال إنيرجيز لتأمين رأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق الدولية.

3

بدء التصدير العالمي

في عام 1997، صدّرت قطر أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال إلى اليابان، لتبدأ صعودها كمورد عالمي رئيسي.

ADVERTISEMENT

وبحلول أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، أصبحت قطر أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث تُزوّد أسواق الطاقة المتعطشة في آسيا وأوروبا. وقد أثمرت هذه الخطوة نجاحًا باهرًا، ولم يكن هناك مجال للتراجع.

التحول الاقتصادي: ازدهار مدفوع بالغاز

حفّز التزام قطر بالغاز الطبيعي تحولًا اقتصاديًا جذريًا. فبعد أن كانت تعتمد على عائدات النفط، نوّعت الدولة مصادر الطاقة لديها وبنت اقتصادًا قويًا قائمًا على الغاز.

مؤشرات التحول الاقتصادي المدفوع بالغاز

المجال المؤشر الأثر
الناتج المحلي والثروة أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 85% من عائدات الصادرات ترسيخ موقع قطر بين أعلى دول العالم في دخل الفرد
صندوق الثروة السيادية نمو هيئة قطر للاستثمار إلى واحدة من أكبر الصناديق السيادية عالميًا استثمارات واسعة في العقارات والتكنولوجيا والبنية التحتية
البنية التحتية والتنمية الحضرية تمويل مشاريع مثل مطار حمد الدولي والمدينة التعليمية ومترو الدوحة تحويل الدولة إلى مركز إقليمي للأعمال والتعليم والسياحة
الابتكار في الطاقة استثمارات في تحويل الغاز إلى سوائل والأمونيا الزرقاء واحتجاز الكربون وتخزينه تعزيز مكانة قطر في حلول الطاقة النظيفة
ADVERTISEMENT

لم يُسهم هذا التحوّل الاقتصادي في تعزيز مكانة قطر العالمية فحسب، بل مكّنها أيضاً من لعب دور أكثر فاعلية في الشؤون الإقليمية والدولية.

النفوذ العالمي والمسار المستقبلي: الحفاظ على الريادة

اليوم، قطر لاعب جيوسياسي يمتد نفوذه إلى ما وراء حدودها. وتُمثّل صادراتها من الغاز الطبيعي المسال ركيزة أساسية لأمن الطاقة العالمي، لا سيما مع سعي الدول إلى التحوّل بعيداً عن الفحم والنفط.

142 مليون طن سنويًا بحلول 2030

هذا هو المستوى المستهدف لطاقة إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد التوسعة، ارتفاعًا من 77 مليون طن سنويًا.

أعلنت قطر في عام 2021 عن مشروعي توسعة حقل الشمال الشرقي وحقل الشمال الجنوبي. سيرفع هذان المشروعان طاقة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنويًا إلى 142 مليون طن سنويًا بحلول عام 2030، مما يعزز مكانتها كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم.

ADVERTISEMENT

بصفتها عضوًا مؤسسًا في منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF)، تلعب قطر دورًا محوريًا في صياغة سياسة الغاز العالمية. كما حافظت على توازن دبلوماسي دقيق، حيث تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية، مع الحفاظ على علاقاتها مع قوى إقليمية مثل إيران وتركيا.

في مواجهة الضغوط العالمية لخفض الانبعاثات، تستثمر قطر في الغاز الطبيعي المسال منخفض الكربون، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر. تهدف قطر إلى خفض كثافة الكربون في إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 35% بحلول عام 2030، وتدرس تقنيات احتجاز الكربون للوفاء بالتزاماتها المناخية الدولية.

يعتمد مستقبل قطر كقوة عظمى في مجال الغاز على قدرتها على التكيف مع المشهد المتغير للطاقة بوتيرة متسارعة. ومع توجه العالم نحو إزالة الكربون، لا تقتصر مكانة قطر على كونها مورداً للطاقة فحسب، بل تتعداها إلى كونها رائدة في حلول طاقة أنظف وأكثر استدامة.