فنانون سوريون يستكشفون مواضيع الغفران في معرض دمشقي

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

في مكان ما بين الأعمدة الخرسانية والسلالم الهيكلية في مبنى ”وردة مسار“ غير المكتمل في دمشق، يمكن الشعور بذبذبات غير مرئية. ليس ناتجة عن اهتزاز الآلات، بل شيء أكثر حميمية: النبض البطيء للتفكير.

في هذا المبنى نصف المشيّد، الخام والمكسو بالرياح، وضع 29 فناناً سورياً تاريخهم الشخصي بهدوء. معرض ”مسار“ الذي ترعاه مؤسسة مداد للفنون، لا يقدم إجابات. حتى أنه لا يطرح الأسئلة بصوت عالٍ. بل يدعوك بدلاً من ذلك إلى الدخول إلى شيء لم يُحلّ، مشهد من الحزن والتحول، معلق في الأسلاك والخيوط والصوت والصمت.

الغفران هو الموضوع الرسمي. لكنها معلقة هنا مثل الغبار الكثيف في الهواء، حاضرة وثقيلة ولكن يصعب التعبير عنها بشكل كامل. في بلد لا يزال التعبير عن الذات فيه محاطًا بالحذر، حيث تتبدل حدود المقبولية مثل الظلال، تأخذ فكرة الغفران نسيجًا مختلفًا تمامًا. ماذا يعني أن تسامح في مكانٍ الماضي فيه ليس ماضيًا، وقد يحمل الكلام نفسه عواقب؟

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

موقع المعرض:

موقع المعرض ليس من قبيل المصادفة. فمبنى ”وردة مسار“، الذي يتخذ شكل وردة دمشقية، هو استعارة في حد ذاته - ليس للخراب، بل للإمكانات. كان جزءًا من مشروع معماري لتمكين الشباب السوري من المساهمة بفاعلية في تشكيل مستقبل مجتمعاتهم ومستقبلهم، وقد توقف بناؤه بسبب الحرب ولم يُستأنف أبدًا.

الصورة بواسطة حبيب ، على wikimedia

مبنى وردة المسار

يصبح غياب الجدران جزءًا من العمل. تجتاح أشعة الشمس والرياح الهيكل المفتوح. ويبرز حديد التسليح الصدئ من العوارض الخرسانية. ومع ذلك، وداخل هذه الفوضى، تم الحرص على تركيب أعمال هشة تستكشف أكثر التضاريس العاطفية السورية مراوغة: الرغبة في النسيان والتذكر والمضي قدماً، ولكن ليس دون النظر إلى الوراء.

يدخل الزائرون إلى الأعمال التركيبية، وليس من حولها. قاوم القيّمون على المعرض شكل المعرض التقليدي. وبدلاً من ذلك، سمحوا لكل عمل أن يسكن في جيبه الخاص من الفضاء، ما يخلق إحساساً بالارتباك اللطيف. ليس من السهل أن تعرف من أين تبدأ. لا يوجد ترتيب محدد، تمامًا كما لا توجد طريقة واحدة للحزن أو الغفران.

ADVERTISEMENT

الأسلاك والجرح:

يعرض هذا القسم عملين يقتربان من الصدمة بمواد مختلفة، لكنهما يشتركان في جعل الجرح محسوسًا وماديًا.

مقارنة بين العملين البارزين

العمل الفنان المادة والصورة الدلالة
عبور إياد ديوب شبكة سلكية سوداء وحمراء وخطاطيف تمتد عبر جدار خرساني توتر بين الحبس والمرونة، وبين التعلق والاختناق
إلى الذاكرة، مرة أخرى لمياء سعيدة لوحات تشبه الجلد أو اللحم النيء، تتدلى من سلاسل سميكة الصدمة كحالة وجودية، مع نهاية توحي باحتواء أو سلام محدود

غفران غير متساوٍ:

أكثر من 300 سيف

هذا العدد يحول عمل ”غرس“ إلى حقل مادي للذاكرة، ويجعل تفاوت الشفاء محسوسًا في العمق والارتفاع والصوت.

في الحجرة الداخلية، تقدم رالا طرابيشي عملها ”غرس“ كتجربة حسية قوية. حقل دائري من أكثر من 300 سيف مصنوع من الراتنج مغروس على أعماق متفاوتة في الأرض. بعضها يكاد يختفي في الأرض، والبعض الآخر يقف منتصباً - غير مدفون وغير منته. يتردد صوت اصطدام المعادن المتصادمة بشكل دوري في أرجاء الغرفة، موقوتاً كمحفزات الذاكرة. يتحدث العمل عن تفاوت الشفاء. الغفران، في هذا السياق، ليس حتمية أخلاقية بل فيزياء شخصية، بعض الأعباء تغرق بسهولة، والبعض الآخر يقاوم الأرض.

ADVERTISEMENT

في المعرض، يلاحظ المرء في جميع أنحاء المعرض، زخارف متكررة: الدوائر، والاهتزازات، والوزن المعلق، والقوى المتعارضة. تضع لوحة ”انقضاء“ لجودي شخاشيرو المشاهد في حلقة اهتزازية من الصوت والحركة، يتدلى في وسطها شاهد قبر خشبي. يستحضر إحساس الفقدان دون حل، والموت دون خاتمة.

أرض غير مستقرة:

هنا يتخذ عدم الاستقرار شكلين متقابلين: ثقلٌ يضغط على الحاضر، وهشاشةٌ تبحث عن شفاء داخلي.

صورتان لعدم الاستقرار والشفاء

الأولى

في ”تراكم“ تستخدم دلع جالانبو الرغوة والقماش والشموع لتجسيد ثقل الماضي والحطام العاطفي الذي يواصل الضغط على الحاضر.

الثانية

في ”للشفاء“ يقدم أنور الأخضر كرة شفافة تحتضن جنينًا مضاءً بخفوت، في إشارة إلى ولادة داخلية جديدة ومسامحة النفس.

إعادة بناء أكثر من الجدران:

ADVERTISEMENT

أصبحت مؤسسة مداد للفنون، التي كانت في يوم من الأيام ملاذًا للفنانين السوريين الشباب والتي أسستها الدكتورة الراحلة بثينة علي، موضوع مواجهة دراماتيكية بعد أسابيع قليلة من انهيار النظام. فقد حاول مسلحون الاستيلاء على مبانيها في دمشق - ليس من أجل الفن، بل كغنائم حرب مفترضة. لم تتوقف عملية الاستيلاء، السريعة وغير الموثقة، إلا بعد أن ثار المجتمع الإبداعي في سوريا احتجاجاً على الإنترنت. أجبر الاحتجاج السلطات الجديدة على إعادة الممتلكات، ما يؤكد من جديد على القوة الهشة والمتنامية للمقاومة الثقافية العامة في سوريا ما بعد الأسد.

وإزاء هذه الخلفية المتقلبة، فإن إعادة افتتاح ”مداد“ هي أكثر من مجرد عودة - إنها إعادة إحياء. لا تقف المؤسسة الآن كمكان فحسب، بل كرمز لما يمكن استعادته. وينبثق معرضها الأخير ”مسار“ من التوترات التي كادت أن تمحوها. هنا، التسامح هو أكثر من مجرد موضوع، بل هو السياق. المعرض هو فعل تحدٍ هادئ - تذكير بأن إعادة البناء لا تبدأ بالحجر، بل بالحق في التخيل.

ADVERTISEMENT

الخاتمة - ”ما زلنا هنا“:

يُختتم المعرض بإعلان جماعي من مؤسسة مداد للفنون، مطبوع في كتيب المعرض: ”نحن هنا، وما زلنا هنا، ونحن من هنا. مسار من 29 قصة، تشبه قصص جميع السوريين“. في بساطتها، يتردد صدى الكلمات بتحدٍ واهتمام. هذا ليس ادعاءً بالانتصار. إنها همسة استمرارية.

في مكان لا يزال المستقبل فيه غير معروف، والحاضر مشبع بجراح الماضي، لا يقدم المسار حلًا، بل يقدم الحضور.

وفي سوريا، حيث للجروح أسماء وللصمت سلاح، قد تكون البادرة الأكثر راديكالية هي الإصرار على التذكر، والمطالبة بالعدالة في النهاية.