فرضت المملكة المتحدة تقنيناً غذائياً امتد 14 عاماً، فكانت الأسماك والفواكه والخضروات الطازجة من المواد القليلة التي أمكن شراؤها من دون قسائم، وإن ظلت الإمدادات ناقصة أحياناً. أما السكر والحلويات والسكاكر فخضعت لقيود صارمة؛ وبلغت حصة البالغ نحو 40 غراماً يومياً، بينما كانت حصة الطفل فوق سن الثانية أقل من 15 غراماً.
عرض النقاط الرئيسية
بعد عقود، تحولت نهاية هذا التقنين إلى تجربة طبيعية مكّنت الباحثين من مقارنة أشخاص وُلدوا قبل رفع القيود أو بعده مباشرة. وخلصت دراسة تاديا غراتشنر وزملائها، المنشورة في مجلة ساينس (Science) في أكتوبر/تشرين الأول 2024، إلى أن التعرض لتقنين السكر في أول 1000 يوم بعد الحمل ارتبط بانخفاض خطر السكري من النوع الثاني بنحو 35%، وارتفاع ضغط الدم بنحو 20% في مراحل لاحقة من العمر.
قراءة مقترحة
انتهى تقنين السكر والحلويات في المملكة المتحدة في سبتمبر/أيلول 1953. استغل الباحثون هذا التغيير المفاجئ لمقارنة من قضوا الحمل وأول عامين من حياتهم في ظل القيود بمن وُلدوا بعد رفعها. وتشمل فترة 1000 يوم الحمل داخل الرحم ثم العامين الأولين بعد الولادة، وهي النافذة التي ركز عليها التحليل.
بيّنت الدراسة أن التعرض داخل الرحم وحده شكّل نحو ثلث الانخفاض الكلي في المخاطر. وحتى بين الأشخاص الذين وُلدوا بعد انتهاء التقنين، كان من أمضوا جزءاً من الحمل في ظل القيود أقل عرضة للإصابة بالسكري من النوع الثاني بنحو 15% على امتداد حياتهم. كما وجدت الدراسة أن تقنين السكر المبكر أخّر ظهور السكري بنحو أربع سنوات وارتفاع ضغط الدم بنحو سنتين.
هذه المقارنة لا تعتمد على مطالبة المشاركين بتذكر غذائهم في طفولتهم. فقد استند الباحثون إلى تاريخ الميلاد، وموعد انتهاء التقنين، والسجلات الصحية اللاحقة، ثم قارنوا مجموعات متقاربة في العمر عاشت ظروفاً متشابهة عدا مقدار تعرضها لقيود السكر في بدايات الحياة.
تربط مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الإفراط في السكر المضاف بمشكلات صحية تشمل زيادة الوزن والسمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب. غير أن الانخفاض الذي رصدته دراسة التقنين كان كبيراً؛ إذ قارنه مؤلفوها من حيث الحجم بآثار اتباع نظام نباتي طوال الحياة أو الإقلاع عن التدخين.
تكمن دلالة النتيجة في أن فترة قصيرة نسبياً من النمو قد ترتبط بمسار صحي يمتد عقوداً. ويتعلق ذلك بكمية السكر المتاحة للأم أثناء الحمل، ثم بما يتناوله الطفل في أول عامين، وهي مرحلة تتشكل فيها أنماط الطعام المبكرة بالتزامن مع نمو أجهزة الجسم.
نصت المبادئ التوجيهية الغذائية الأمريكية للفترة 2020-2025 على تجنب الأطعمة والمشروبات المحتوية على سكر مضاف لمن هم دون سن الثانية، وعلى إبقاء السكر المضاف دون 10% من السعرات اليومية ابتداءً من عمر سنتين. وهذه الحدود تخص السكر الذي يضاف أثناء التصنيع أو التحضير، ولا تعني السكر الموجود طبيعياً في الفاكهة الكاملة والحليب.
وتضع جمعية القلب الأمريكية حداً أشد، إذ توصي بألا يتجاوز السكر المضاف 6% من السعرات اليومية. ويعادل ذلك لمعظم النساء نحو 25 غراماً، أو ست ملاعق صغيرة، في اليوم؛ وللرجال نحو 36 غراماً، أو تسع ملاعق صغيرة. ورغم وضوح هذه المقادير، لا يلتزم بها سوى عدد قليل من الناس.
يبدأ تعرض بعض الأطفال للسكر قبل الولادة نتيجة غذاء الأم، ثم يتواصل عبر أنواع من الحليب الصناعي والأطعمة المصنعة. ومن هنا تختلف المسألة عن تناول قطعة كعك عارضة: الدراسة والإرشادات تتناولان التعرض المتكرر للسكر المضاف خلال الغذاء اليومي.
حلل مؤلفو الدراسة بيانات من البنك الحيوي في المملكة المتحدة. ويضم هذا المورد معلومات بيولوجية وصحية ومتعلقة بنمط الحياة لنحو 500000 مشارك، إلى جانب بيانات وراثية وسكانية. أما تحليل التقنين نفسه فركز على عشرات الآلاف ممن سمحت تواريخ ميلادهم بقياس مقدار تعرضهم للقيود قبل رفعها أو بعده.
استخدم الباحثون تصميماً شبه تجريبي، قوامه التغير الحاد في استهلاك السكر بعد انتهاء التقنين، مع مقارنة المواليد على جانبي سبتمبر/أيلول 1953. ويمنح هذا التصميم أساساً أقوى للاستدلال السببي من دراسة رصدية تقارن ببساطة بين أشخاص يأكلون كميات مختلفة من السكر؛ لأن اختيار النظام الغذائي يرتبط عادةً بالدخل والتعليم والصحة وعادات الأسرة.
مع ذلك، لا يجيب التحليل عن الآلية البيولوجية والسلوكية كاملة. وتفترض الدراسة أن التعرض القليل للسكر في الصغر قد يجعل الشخص أقل ميلاً إلى استهلاكه لاحقاً. وقدمت تحليلات داعمة أولية، لم تكن قد خضعت لمراجعة الأقران، مؤشرات إلى أن مجموعة التقنين واصلت تناول سكر أقل في مراحل لاحقة، مع تقارب إجمالي السعرات بينها وبين المجموعة غير الخاضعة للتقنين.
يعني ذلك أن الأثر المرصود قد يجمع بين تغيرات تحدث خلال النمو المبكر وعادات غذائية تستمر بعد الطفولة. ولا تنحصر الفرضية في تأثير مستقل للتعرض خلال 1000 يوم، إذ يمكن أن تضع تلك الفترة الطفل على مسار مختلف في تفضيل المذاق الحلو واختيار الطعام.
تفتح النتائج باباً أمام سياسات تتجاوز القرارات الفردية، مثل قواعد أوضح لبطاقات الأغذية، وفرض ضرائب على المنتجات شديدة التحلية، وتقييد الإعلانات الموجهة للأطفال، ومحاسبة الشركات على التسويق والتركيب. وقد تمتد المناقشة إلى إعادة صياغة بعض أنواع حليب الأطفال والأطعمة المخصصة للصغار.
تشبه هذه الأدوات بعض السياسات التي استُخدمت للحد من التبغ، لكن الدراسة لا تتناول تحريم الحلوى العرضية. موضع الاهتمام هو الإفراط اليومي في السكر المضاف، ولا سيما أثناء الحمل وفي أول عامين من حياة الطفل. وعملياً، يقتضي ذلك أن تراقب الحامل استهلاكها هي أيضاً، وأن تُفحص كمية السكر المضاف في الحليب الصناعي والأطعمة المصنعة المقدمة للصغار.