هل لديك طبق ارتبط لديك بطعام الطفولة، مثل حساء الدجاج بالشعيرية أو المعكرونة بالجبن أو السمك والبطاطا؟ لدى كثير من اليابانيين يشغل الأرز بالكاري هذه المكانة. صلصته السميكة ونكهته الدافئة جعلتاه طعامًا منزليًا مألوفًا، مع أن جذوره تمتد من الهند إلى بريطانيا قبل أن يصل إلى اليابان ويأخذ صورته المحلية.
عرض النقاط الرئيسية
يختلف الكاري الياباني عن كثير من أنواع الكاري الهندي في قوامه الكثيف وطريقة تقديمه. وتوضح وزارة الزراعة والغابات ومصايد الأسماك اليابانية أن الكاري وصل إلى اليابان خلال عصر ميجي، وأن البحرية اليابانية تبنت يخنة بنكهة الكاري وصلصة مكثفة. كانت النسخة البريطانية التي سبقتها قد استخدمت الدقيق للحصول على قوام أقرب إلى اليخنة، بما يلائم إعداد وجبات مشبعة خلال الرحلات البحرية الطويلة.
قراءة مقترحة
جاء ذلك في عصر ميجي الممتد من 1868 إلى 1912، حين خرجت اليابان من سياسة العزلة وبدأت تستوعب عادات وأطعمة غربية. زاد اليابانيون كثافة الصلصة وقدموها مع الأرز، فتشكل طبق الأرز بالكاري المعروف اليوم. وكلمة كاري نفسها تكتب بالكاتاكانا، وهي الكتابة المستخدمة عادة للكلمات الأجنبية، لكن الطبق الذي تحمله الكلمة صار ذا وصفة وشخصية يابانيتين واضحتين.
تكشف أرقام الاستهلاك مقدار حضوره في الطعام اليومي. فبحسب إحصاءات جمعية مصنعي الكاري في عموم اليابان التي تنقلها شركة إس آند بي فودز، أكل اليابانيون الكاري بمعدل 72.6 مرة للفرد خلال عام 2015. ويورد حساب آخر لذلك العام إنتاج نحو 13,898 طنًا من مسحوق الكاري، بما يعادل قرابة 10 مليارات طبق؛ وعند قسمتها على عدد السكان في ذلك الوقت يصل المتوسط إلى 79.1 طبقًا للفرد سنويًا، أي أكثر من مرة كل أسبوع. وفي استطلاع منفصل شمل أكثر من 60,000 شخص، حل الأرز بالكاري ثانيًا بعد السوشي بين الأطباق المفضلة.
بقي ارتباط الطبق بالبحرية حاضرًا أيضًا. يذكر موقع العلاقات العامة لحكومة اليابان أن قوة الدفاع الذاتي البحرية تقدم الكاري كل يوم جمعة أثناء الرحلات البحرية، كي يحتفظ أفراد الطاقم بإحساس واضح بتعاقب أيام الأسبوع وهم في البحر.
خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، كان السوشي يُعامل لدى عائلات كثيرة كوجبة للمناسبات الخاصة بسبب كلفته. أما بين الأطفال فكان الأرز بالكاري في مقدمة الأطباق المحبوبة، يليه الدجاج المقلي ثم شرائح اللحم. كان الكاري سهل الإعداد في قدر واحد، ويمكن ضبط حدته بما يناسب أفراد الأسرة، كما أن مكوناته الأساسية متاحة في معظم المطابخ.
تغير الترتيب مع انخفاض أسعار السوشي والرامين وانتشارهما خارج المطاعم المتخصصة. صار السوشي في الصدارة، وجاء الأرز بالكاري بعده ثم الرامين. ويواكب هذا التحول ميل مزيد من العائلات إلى تناول الطعام خارج المنزل أو شراء الوجبات الجاهزة، في مقابل الأطباق التي تحتاج إلى الطهي المنزلي.
أسهمت فترة العزلة في عصر إيدو، من 1603 إلى 1867، في ترسيخ عادة ابتكار استخدامات متعددة للمكونات المتاحة. وبعد دخول الكاري إلى البلاد، امتدت النكهة إلى أطباق أخرى ولم تبق محصورة في الصلصة المقدمة فوق الأرز:
داخل المنزل، تسمح الصلصة بمساحة واسعة للتعديل. قد يضيف الطاهي صلصة الصويا أو الكاتشب أو القهوة الفورية أو الشوكولاتة لتغيير الحلاوة والمرارة وعمق النكهة. أما التكوين الشائع فيجمع اللحم البقري أو الدجاج مع البطاطا والبصل والجزر. وتذكر مادة حكومية في موقع ويب جابان أن الصيغة الأساسية للأرز بالكاري استقرت في العقد الثاني من القرن العشرين، وظلت ملامحها العامة متقاربة منذ ذلك الحين.
ظل مسحوق الكاري المستعمل في اليابان مستوردًا حتى عصر تايشو، الممتد من 1912 إلى 1926. وفي عام 1923 نجح مينيجيرو يامازاكي في إنتاج أول مسحوق كاري محلي في اليابان، بحسب السجل التاريخي لشركة إس آند بي فودز التي أسس نواتها التجارية لاحقًا. وخلال عصر شوا، من 1926 إلى 1989، انتشر مسحوق الكاري المحلي الجيد والمنخفض السعر، فأصبح إعداد الطبق في المنزل أسهل.
لا يقتصر عمل الشركات على مزج التوابل. فهي تختبر طريقة قلي المكونات، ومستويات الحدة، والمدة المناسبة للغلي، ثم تطبع وصفات مفصلة على العبوات كي يحصل الطاهي المنزلي على قوام متقارب في كل مرة. وتوجد كذلك مراكز مخصصة لأبحاث الكاري، يعمل في أحدها نحو 10 باحثين على تطوير نكهات وأصناف جديدة. هذا الجمع بين الخلطة الجاهزة والتعليمات الدقيقة ساعد الطبق على مواكبة المطابخ التي تريد وجبة قابلة للتكرار من دون إعداد مزيج التوابل من الصفر.
تظهر مرونة الكاري بوضوح عند التعامل مع بقايا الطعام. ما يتبقى من القدر الساخن أو اليخنة أو حساء الخضار يمكن غليه مع خلطة الكاري للحصول على وجبة مختلفة في اليوم التالي. حتى قطع اللحم المشوي المتبقية يمكن إضافتها إلى الصلصة، فتستفيد من وقت الغلي وتصبح جزءًا من طبق يقدم مع الأرز. وبمجرد امتزاج المكونات بالتوابل والصلصة الكثيفة، تطغى هوية الكاري على أصل الوجبة السابقة.
يجمع الكاري الياباني بين أثر الوصفة البريطانية ومكونات المطبخ المنزلي الياباني: صلصة مكثفة بالدقيق، وأرز، ولحم أو دجاج، وبطاطا وبصل وجزر. ويمكن صنعه في المنزل وفق الوصفة المطبوعة على عبوة الخلطة، أو تعديل نكهته بإحدى الإضافات الشائعة مثل صلصة الصويا أو القهوة أو الشوكولاتة، مع إبقاء القوام الكثيف الذي يميز الطبق.