عرض النقاط الرئيسية
من السهل وضع العمل واللعب على طرفي نقيض، ثم تبرير إهمال اللعب بعبارة: "لا بد أن نعمل". غير أن الطبيب والباحث ستيوارت براون يكتب في كتابه «Play» أن عكس اللعب هو الاكتئاب، لا العمل. ويرى أن انخفاض الميل إلى اللعب يرتبط بالاكتئاب، وأن اللعب في حد ذاته يمكن أن يكون علاجاً للاكتئاب.
يصعب حصر اللعب في تعريف واحد. فهو نشاط نختاره للمتعة، وقد ينطوي على مخاطرة محسوبة، أو قدر من عدم اليقين، أو التخلي الطوعي عن السيطرة. يتكرر الفعل خلاله، لكنه يتغير بالارتجال والتجربة. وقد يكون اللعب ذهنياً أو اجتماعياً، إلا أن صوره الجسدية تدفعنا غالباً إلى التحرك بطرق لا نستخدمها في روتيننا المعتاد.
تلعب مخلوقات كثيرة في أنحاء المملكة الحيوانية، ويشارك اللعب في نموها وتعلمها الاجتماعي. لدى البشر، يرتبط اللعب في الطفولة بالنمو المعرفي والاجتماعي والعاطفي. وتوضح مراجعة قادها ساندرا نايهوف وزملاؤها أن تحفيز اللعب يساعد الأطفال على التكيف مع الظروف المسببة للضغط ويدعم هذه الجوانب من النمو.
قراءة مقترحة
لا تختفي الحاجة عند البلوغ. وجد بحث كورتني كليفورد وزملائها عن المرح لدى البالغين والضغط وأساليب التكيف أن الميل إلى اللعب يمكن أن يعمل مورداً للتكيف مع الضغوط. كما خلصت مراجعة شين وزملائه لعام 2023 إلى وجود أدلة أولية تدعم اللعب كوسيلة لتحسين جوانب من الصحة النفسية الإيجابية لدى البالغين. وتبقى طريقة ممارسة النشاط عنصراً أساسياً؛ فالنشاط البدني في الخارج لا يتحول تلقائياً إلى لعب.
في العشرينيات من عمري، كان الجري نشاطي الخارجي الرئيسي. كان يمنحني تمريناً مكثفاً في وقت قصير، ولا يحتاج إلى معدات، ويمكن ممارسته في المدينة أو الريف. لكنه، حتى حين قادني إلى مناطق طبيعية، لم يُخرجني من دائرة القلق والتفكير المتكرر. كنت أتابع المسافة والجهد وأركض لأنني اعتقدت أن ذلك جيد لي. شعرت أحياناً بالسعادة أثناءه، لكن الرضا كان يأتي غالباً بعد انتهاء التدريب؛ كان أقرب إلى الانضباط منه إلى المتعة.
أما الأنشطة الخارجية التي أمارسها الآن فأشعر بالحماس لمجرد التفكير فيها. قل فيها الانضباط المفروض، وعدت معها إلى شعور الطفل الذي يريد البقاء خارج المنزل حتى يُدعى إلى العشاء. ويمكن للجري نفسه أن يأخذ هذه الصفة إذا تغيرت طريقته: ترك الساعة، واختيار ممر عوض الطريق المعتاد، أو الخروج عن الممر إلى أرض متنوعة، أو الجري على الشاطئ وبين الأمواج، أو حافي القدمين فوق العشب الندي، أو تحت المطر والثلج.
يمكن أيضاً مراوغة كرة أثناء الجري، أو الركض لالتقاط قرص طائر، أو إدخال القفز والغناء والسباق والرقص عند نقطة الاستدارة. هذه التغييرات تكسر المسار المتوقع وتفتح مجالاً للارتجال، فلا تبقى الجلسة نسخة مطابقة من سابقتها.
لا تحتاج الحركة المرحة إلى خطة معقدة. يمكن بناؤها من أنماط حركة أساسية ووظيفية، ثم تعديل التحدي ليلائم كل شخص. حمل الأشياء على الظهر، وتقليد زحف الحيوانات وحركاتها، ولعبة المطاردة والتنس أمثلة تسمح بتغيير السرعة والاتجاه والهدف أثناء النشاط.
يضيف الخيال طبقة أخرى إلى الحركة. عند أداء مشية الدب، تخيل أنك تزحف تحت فرع منخفض تغطيه الأشواك، ثم اخفض جسمك أو غيّر وضع الكتفين والقدمين استجابة لهذا العائق المتخيل. قد يشبه ذلك ألعاب الأطفال، لكنه يفرض انتباهاً أكبر إلى الوضع والحركة. وتورد مراجعة محمد سليماني وزملائه عن التخيل الحركي أن تخيل رفع جسم ثقيل ارتبط بنشاط كهربائي عضلي أعلى من تخيل رفع جسم خفيف، ما يوضح أن تفاصيل الصورة الذهنية تستطيع تغيير استجابة الجهاز الحركي.
عند تجربة الجري حافي القدمين، أو الثلج، أو المياه البيضاء، أو المنحدرات، اختر مكاناً مناسباً لمستوى خبرتك وتحقق من حالة الطقس والمسار والمعدات. أما الأنشطة ذات خطر السقوط أو الغرق فتمارس مع مدرب مؤهل أو الجهة المحلية المسؤولة عن السلامة والإنقاذ.
توفر الأماكن الخارجية مساحة أقل تنظيماً وتوقعاً وتحكماً من الصالات والمسارات الثابتة. تتبدل الأرض والطقس والعوائق، فيضطر اللاعب إلى الملاحظة والتكيف واتخاذ قرارات متتابعة. وتبين مراجعة منهجية قادتها جيسيكا برينس أن اللعب في البيئات الطبيعية خلال الطفولة يرتبط بفوائد نمائية، بينها فرص أوسع للعب التخيلي والاستكشاف.
ركوب الدراجة على الطريق، والتجديف في المياه الهادئة، والجري على الطرق، والمشي الرياضي أنشطة جيدة، لكنها قد تفقد عنصر المرح إذا تكررت بالطريقة نفسها. يمكن تغيير المسار أو القواعد أو الرفقة أو الهدف في بعض الجلسات. ومن الخيارات الأعلى على مقياس المغامرة ركوب الدراجات الجبلية، والجري على الممرات، والتجديف في المياه البيضاء، والتزلج على المنحدرات والبحث عن الكنز.
تجربة نشاط جديد تستعيد أيضاً مرحلة التعلم التي تتطلب الفضول والتجريب. ففي البداية لا تكون الحركات آلية، ويصبح الانتباه منصباً على التضاريس والتوازن وتوقيت القرار، وهي عناصر يصعب العثور عليها في نشاط محفوظ التفاصيل.
يدرك الآباء أن الأطفال يتأثرون بما يفعله الكبار وما يتجنبونه. إذا قُدمت الحركة باعتبارها عقوبة وتعويضاً عن الطعام أو الجلوس، فقد يتعامل الطفل معها بالطريقة نفسها. وعندما يرى الكبار يطاردون الكرة، أو يغيرون قواعد اللعبة، أو يضحكون عند تعثر محاولة غير خطرة، تصبح الحركة نشاطاً يمكن الاستمتاع به ومشاركته.
وقد تسهم الحركة المرحة في بلوغ مقدار النشاط الأسبوعي الموصى به من دون حصره في تدريب رتيب. توصي منظمة الصحة العالمية البالغين بما بين 150 و300 دقيقة أسبوعياً من النشاط الهوائي متوسط الشدة، أو بين 75 و150 دقيقة من النشاط العالي الشدة. ويمكن أن يدخل اللعب النشط ضمن هذا الوقت عندما يرفع الجهد البدني إلى المستوى المطلوب، بينما يمنح الأطفال مثالاً حياً على أن الحركة قد تكون جزءاً طبيعياً من وقت الأسرة.