عرض النقاط الرئيسية
في عام 1913، أجرى عالم الأمراض الروسي نيكولاي أنيتشكوف تجربة أصبحت محطة بارزة في دراسة تصلب الشرايين. أطعم الأرانب يوميا كوليسترولا نقيا مستخلصا من صفار البيض ومذابا في زيت نباتي، ثم راقب شرايينها. وتذكر مراجعة تاريخية في دورية أبحاث الدهون أن التجربة أحدثت آفات غنية بالخلايا الرغوية تشبه ما يُرى في تصلب الشرايين لدى البشر؛ وقد ظهرت تلك الآفات خلال أربعة إلى ثمانية أسابيع.
دعمت التجربة فكرة أن الكوليسترول الغذائي قد يضر الشرايين، بينما ربطت دراسات لاحقة ارتفاع كوليسترول الدم بخطر أمراض القلب والأوعية الدموية. وفي عام 1968، أوصت جمعية القلب الأمريكية بأقل من 300 مجم من الكوليسترول الغذائي يوميا، وألا يتجاوز الاستهلاك بيضتين أو ثلاث بيضات كاملة أسبوعيا. رسخت تلك التوصية الخوف من البيض، مع أن إرشادات الجمعية تغيرت لاحقا وأصبحت أكثر مرونة.
قراءة مقترحة
يتركز كوليسترول البيض في الصفار. ووفقا لوزارة الزراعة الأمريكية، تحتوي البيضة الكبيرة، التي تزن نحو 50 جراما، على قرابة 186 مجم منه. وهذا يزيد على نصف الحد اليومي القديم البالغ 300 مجم.
لكن العلاقة بين ما يدخل الفم وما يصل إلى الدم ليست مباشرة. توضح حالة عُرفت باسم «رجل البيض» هذا التفاوت: رجل في الثامنة والثمانين تناول نحو 25 بيضة يوميا لأكثر من 15 عاما. وذكرت مجلة نيو إنجلاند الطبية أن مستويات الدهون في بلازما دمه ظلت طبيعية، ولم تظهر لديه علامات على تصلب الشرايين أو أمراض القلب رغم هذا الاستهلاك الاستثنائي.
لا تجعل هذه الحالة البيض آمنا للجميع بالقدر نفسه. فقد لخّص ديباك باتيل، استشاري أمراض القلب في جامعة كوليدج لندن، تضارب الأدلة بقوله: «على الرغم من سنوات عديدة من البحث، لم تتم الإجابة على هذا السؤال حول البيض والصحة، حيث أظهرت دراسات مراقبة متعددة على مدى العقود القليلة الماضية نتائج متضاربة؛ يقترح بعضها أن تناول البيض باعتدال أمر جيد، بينما يقترح بعضها الآخر أنه قد يكون سيئا».
ترتبط المستويات المرتفعة من البروتين الدهني منخفض الكثافة، أو LDL، بتراكم اللويحات وزيادة خطر أمراض القلب، بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. غير أن الجسم لا يمتص كل الكوليسترول الموجود في الطعام. ففي حالة رجل البيض، لم تتجاوز النسبة الممتصة 18%، كما خفّض جسمه إنتاجه الداخلي للكوليسترول وزاد طرح الأحماض الصفراوية.
تؤكد دراسة أجراها مارتن بوسنر وزملاؤه اتساع الفروق الفردية؛ إذ تراوحت كفاءة امتصاص الكوليسترول بين 29% و80%، بمتوسط يقارب 56%. ووجد الباحثون اختلافا مرتبطا بالعرق، بينما يمكن للاضطرابات الوراثية أيضا أن تغير مقدار ما يمتصه الجسم. كما تتأثر النسبة بكمية الكوليسترول المتناولة وتركيب الوجبة.
يتضح أثر تركيب الغذاء في تجربة أجراها جيروم شونفيلد وزملاؤه على 20 رجلا تراوحت أعمارهم بين 21 و33 عاما. تناول المشاركون نظامين يحتوي كل منهما على 300 مجم من الكوليسترول: أحدهما غني بالدهون غير المشبعة ومنخفض الدهون المشبعة، والآخر غني بالدهون المشبعة ومنخفض الدهون غير المشبعة. ثم أضيف إلى الغذاء 750 مجم، بما يعادل نحو 3 بيضات، أو 1500 مجم، بما يعادل نحو 6 بيضات. وفي النظام الغني بالدهون المشبعة، وصل LDL إلى 115% من مستواه الأساسي بعد إضافة 750 مجم، وإلى 125% بعد إضافة 1500 مجم. أي إن الزيادتين كانتا نحو 15% و25%، لا 115% و125%.
اقترح ديفيد سبنس وآخرون أن جزءا من الضرر المحتمل المنسوب إلى صفار البيض قد يرتبط بمحتواه المرتفع من الفوسفاتيديل كولين. والكولين نفسه عنصر غذائي أساسي؛ إذ يوضح مكتب المكملات الغذائية التابع للمعاهد الوطنية للصحة أنه يدخل في تصنيع أغشية الخلايا، ونقل الدهون واستقلابها، وإنتاج الأستيل كولين الضروري للذاكرة والمزاج والتحكم في العضلات.
تبدأ الآلية المقترحة عندما يصل الكولين إلى الأمعاء، فتحوله بعض البكتيريا إلى ثلاثي ميثيل أمين، أو TMA. ينتقل هذا المركب إلى الكبد ويُؤكسد هناك إلى أكسيد ثلاثي ميثيل أمين، أو TMAO. وفي تجربة تناول فيها المشاركون صفار البيض مع الإفطار، سجل تشارلز ميلر وزملاؤه ارتفاع تركيز TMAO في البلازما وبلوغه ذروته بعد 6 إلى 8 ساعات.
بحث آخر نشره دبليو إتش ويلسون تانغ وزملاؤه تابع 4007 أشخاص مدة ثلاث سنوات بعد خضوعهم لتقييم قلبي. وارتبطت المستويات الأعلى من TMAO بزيادة وقوع النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة. هذه علاقة رصدية لا تكفي وحدها لإثبات أن كولين البيض هو سبب تلك الأحداث، ولذلك ما زال تفسير هذا المسار يحتاج إلى مزيد من البحث.
وجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي أعدهما نيكول تران وزملاؤها أن تناول بيضة واحدة على الأقل يوميا لدى المصابين بالسكري ارتبط بزيادة خطر مرض القلب التاجي بنحو 54%. وشملت البيانات مشاركين لم تكن لديهم أمراض متزامنة مثل السرطان، وكان نظامهم الغذائي صحيا نسبيا. وتظل النتيجة ارتباطا مستمدا من دراسات رصدية، مع وجود تجارب غذائية أخرى لم تسجل الزيادة نفسها في مؤشرات الخطر.
هناك سبب فسيولوجي للانتباه إلى هذه الفئة. فبحسب الجمعية الأوروبية لأمراض القلب، يعاني ما بين 72% و85% من المصابين بداء السكري من النوع 2 من اضطراب دهون الدم. ويشمل ذلك اختلافات في استقلاب الدهون والبروتينات الدهنية تجعل خطر أمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات المرتبطة بها أعلى.
تعكس توصية جمعية القلب الأمريكية هذا التفاوت بين الأشخاص: يمكن للفرد السليم إدخال ما يصل إلى بيضة كاملة يوميا ضمن نمط غذائي صحي للقلب، بينما لا تصلح حالة رجل البيض أو هذا الحد العام مقياسا تلقائيا للمصابين بالسكري من النوع 2 أو اضطراب دهون الدم. فاستجابة الجسم تتحدد بامتصاص الكوليسترول، وتركيب بقية الغذاء، واستقلاب الدهون، والحالة الصحية للفرد.
مصدر مرجعي