القصص وراء الوجوه الجامدة اللامُعبِّرة: كيف نفهم غيابَ الابتسامات في الصور القديمة؟
ADVERTISEMENT
عند النظر إلى الصور الفنيّة الشخصيّة (البورتريه) من الماضي، قد تلاحظ وجودَ اتجاه شائع، إذ غالبًا ما تُقدِّم صورُ البورتريه الفنّيّةُ الأولى البالغين والأطفالَ وهم يَبدون جديّين لا يبتسمون، ويمكن رؤية ذلك حتى في صور الأعراس والاحتفالات حيث تتوقع السعادة والفرح.
سوف تلاحظ هذا الأمرَ في الغالب في الصور الشخصيّة
ADVERTISEMENT
التي تمّ التقاطُها في أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر.
لكن لماذا لم يكن الناسُ يبتسمون أمام الكاميرا؟ هناك العديد من النظريات والأفكار حول سبب افتقار الأشخاص إلى تعبيرات الفرح في الصور.
كان التقاطُ الصور بالنسبة للكاميرات القديمة أمرًا صعبًا.
صورة من unsplash
يكمن أحدُ الأسباب الأكثر شيوعًا وراء ذلك في أن الصور كانت تستغرق وقتًا طويلاً لعرضها. لم تكن الكاميرات الأولى فوريّةً مثل التقاط صورةٍ بهاتفك اليوم. كان عرضُ الصور يستغرق وقتًا طويلاً، ممّا يعني أن الشخصَ موضوعَ الصورة كان يجب أن يظل ثابتًا لفترة طويلة.
ADVERTISEMENT
في المتوسّط، استغرقت الكاميراتُ الأولى حوالي 20 دقيقة لالتقاط الصورة. إذن كان يجب أن يبقى الشخصُ الموضوعُ ثابتًا قدرَ الإمكان للحصول على صورةٍ بأعلى جودة، إذ كانت الحركةُ ستؤدي إلى تشويش الصورة وإبعادِ الشخصِ الهدفِ عن التركيز.
لذلك، كان الجلوس بوجه مسترخٍ بدلاً من الابتسامة لمدة 20 دقيقة أمراً أكثر سهولةً.
لكن هذا لم يكن العاملَ الوحيد، حيث تحسّنت جودةُ الكاميرا على مرّ السنين، وبحلول عام 1900 أصبحت الكاميراتُ متقدّمةً جدًا في ذلك الوقت. بحلول القرن العشرين، تمكّنت الكاميرات من التقاط صورة في حوالي 20 ثانية.
أدّى إدخال كاميرا براوني والكاميرات الأخرى إلى تقليلِ أوقات التعرّض للضوء، ممّا عنى أنه كان يمكن للناس أن يبتسموا.
لقد كانت الكاميراتُ بطيئةً بمعايير اليوم ولكنها كانت سريعةً بمعايير ذلك الزمن الماضي.
ADVERTISEMENT
كان يُنظر إلى التصوير الفوتوغرافي للصور الشخصية في البداية على أنه شكل فنّي بديل للرسم.
صورة من unsplash
هناك أيضًا روابطُ مع فكرةِ كونِ الصور الشخصية تمثّل لحظةً خاصةً من أجل توثيق وجودِ الشخص.
قبل الكاميرات، كان من الممكن رسمُ الشخص يدويًا، الأمر الذي كان سيستغرق ساعات.
ارتبطتْ فكرةُ عملِ البورتريه بمناسبةٍ خاصةٍ سواء أكانت إحياءَ ذكرى عيد ميلاد أم إنجازٍ أو احتفال.
كانت فكرةُ الصورة هي أن تقضيَ بعض الوقت من أجل التقاط اللحظة المهمة. لقد تمّ نقلُ هذا التقليد حتى عندما ظهرت الكاميرات.
يُعتقد أن الناس في ذلك الوقت حملوا هذه العقليّةَ باعتبار صورة البورتريه تمثِّل لحظةً جادّةً وهامة حتى عندما تمّ تقديمُ وابتكارُ التصوير الفوتوغرافي.
الهوس الفيكتوري بصور الموتى.
صورة من unsplash
قد يكون التقليدُ الفيكتوري المتمثل في التقاط صور للمُتوفَّى هو أحد الأسباب الأخرى التي تجعل الأشخاصَ يبدون جادّين.
ADVERTISEMENT
جعلتِ الكاميراتُ القدرةَ على التقاط الصور أمراً أكثر مُتاحاً وأكثر قابلية للإدارة.
في العصر الفيكتوري، غدا تصويرُ الموتى شائعًا بشكل متزايد، وذلك لأنه -على عكس اليوم- كان يُنظر إلى الصور على أنها وسيلة لالتقاط "عرضٍ تقديمي مُجمَّد" لشخصٍ ما، وذلك على عكس أفكار اليوم التي تربط التصويرَ الفوتوغرافي باستخدامه لالتقاطِ لحظة من الزمن.
في الماضي، وبمجرد وفاة أحد أفراد الأسرة، يتمّ إلباسُه بملابس سوداء ووضعُه في وضعٍ مُستقيم لالتقاط الصور له. كان هذا الأمرُ عمليّةَ توثيقٍ إلى حد ما، وكان يُنظر إليه على أنها ممرّ إلى الخلود.
غالبًا ما يُعتقد أن هذه الصور هي السببُ وراء ربطِ الناس لبعض صور البورتريه الفوتوغرافية الشخصيّة الأولى بالجدّيّة.
ومع ذلك، كانت هذه الصورُ مجرّدَ أسلوبٍ لأخذ صورِ بورتريه.
كانت الابتسامةُ مرفوضةً منذ عام 1800 ولغاية بدايات القرن العشرين.
ADVERTISEMENT
صورة من unsplash
بالإضافة إلى اهتمامهم غيرِ العادي بتصوير الموتى، كان الفيكتوريّون والإدوارديّون يرفضون الابتسام. في ذلك الوقت، كانت الابتسامةُ تُعتبَر تصرفًا غبيًا يُشير إلى الطبقة الدنيا، بينما كان يُعتقد أن الجدّيّةَ والحفاظَ على الوجه المستقيم هما أقوى تعبيرات الوجه وأكثرها أناقة.
وبالرغم من عدم وجودِ طريقة لإثبات هذه النظرية، إلا أنه يمكن التعرّف عليها من خلال النصوص والوثائق التاريخية.
يمكن أن تمثّل هذه النظريّةُ فرضيّةً معقولةً جداً لأنه لم يبتسمْ أحّدٌ في الماضي أثناء التقاط الصور.
كان يُنظر إلى الابتسام على أنه نوعٌ من الحماقة، لذلك كان المظهرُ الجادّ أمرًا مهمًا في الصور الشخصية.
صورة من unsplash
بشكل عامّ، لا يبتسم الناس أبدًا في الصور القديمة لأسباب مختلفة. وترتبط النزعةُ السائدة حينها بما كان مقبولا في ذلك الوقت وبالعوائق التقنيّة.
ADVERTISEMENT
كان الابتسامُ في التصوير الفوتوغرافي والصور الشخصية أمرًا صعبًا في البداية نظرًا للوقت الذي يستغرقه التقاطُ الصورة.
وبصرف النظر عن الجانب التقني، هناك عاملٌ آخر وهو المعاييرُ والمُثل العليا في ذلك الوقت. على سبيل المثال، كان يُنظر إلى الابتسامة بازدراء على أنها أمرٌ غير لائق.
يكاد يكون من المستحيل العثور على صور بورتريه فوتوغرافية مُبتسِمة من ذاك العصر، الأمر الذي أثار فضولَنا في هذا المقال.
ياسمين
ADVERTISEMENT
كيف يبطئ السفر الشيخوخة: حجة علمية
ADVERTISEMENT
يعيش الناس اليوم في جميع أنحاء العالم عمرًا أطول. ,و يتوقع أغلب الناس أن يعيشوا حتى سن الستين وما بعدها. تنجم الشيخوخة عن تأثير تراكم مجموعة واسعة من الأضرار الجزيئية والخلوية بمرور الوقت. وهذا يؤدي إلى انخفاض تدريجي في القدرة البدنية والعقلية، وخطر متزايد للإصابة بالأمراض وفي النهاية الموت. إن
ADVERTISEMENT
الشيخوخة تتميز بظهور العديد من الحالات الصحية المعقدة التي يطلق عليها عادة المتلازمات الشيخوخية. وهي غالباً ما تكون نتيجة لعوامل أساسية متعددة
العوامل المؤثرة على الشيخوخة الصحية
صورة من wikimedia
إن الحياة الأطول تجلب معها الفرص، ليس فقط لكبار السن وأسرهم، بل وأيضاً للمجتمعات ككل. وتوفر السنوات الإضافية الفرصة لممارسة أنشطة جديدة ومع ذلك فإن مدى هذه الفرص والمساهمات يعتمد بشكل كبير على عامل واحد: الصحة. تشير الأدلة إلى أن نسبة الحياة في صحة جيدة ظلت ثابتة على نطاق واسع، مما يعني أن السنوات الإضافية هي في صحة سيئة. ورغم أن بعض الاختلافات في صحة كبار السن وراثية، فإن أغلبها يرجع إلى البيئات المادية والاجتماعية التي يعيش فيها الناس ـ فضلاً عن خصائصهم الشخصية، وكلها لها تأثيرات طويلة الأجل على كيفية تقدمهم في السن. وقد تؤثر البيئات المادية والاجتماعية على الصحة بشكل مباشر أو من خلال الحواجز أو الحوافز التي تؤثر على الفرص والقرارات والسلوك الصحي. إن الحفاظ على السلوكيات الصحية طوال الحياة، وخاصة تناول نظام غذائي متوازن، والانخراط في النشاط البدني المنتظم والامتناع عن تعاطي التبغ، كلها تساهم في الحد من خطر الإصابة بالأمراض غير المعدية، وتحسين القدرة البدنية والعقلية وتأخير الاعتماد على الرعاية.
ADVERTISEMENT
الإنتروبيا
صورة من unsplash
تشير دراسة نُشرت مؤخرًا بعنوان : "مبدأ زيادة الإنتروبيا: نظرة جديدة لكيفية تأثير السياحة على صحة الإنسان"إلى أن السفر قد يؤخر أو يبطئ عملية الشيخوخة إذلا تقتصر السياحة على الترفيه والتسلية. بل إنها قد تساهم أيضًا في صحة الناس الجسدية والعقلية. يعتقد باحثون من جامعة إديث كوان (ECU) الواقعة خارج بيرث أستراليا أن السفر قد يكون أفضل طريقة لتحدي الشيخوخة المبكرة. طبقت لأول مرة دراسة متعددة التخصصات نظرية الإنتروبيا على السياحة، ووجدت أن السفر قد يكون له فوائد صحية إيجابية، بما في ذلك إبطاء علامات الشيخوخة. يتم تصنيف الإنتروبيا على أنها الاتجاه العام للكون نحو الموت والاضطراب. يشير منظور الإنتروبيا إلى أن السياحة قد تؤدي إلى تغييرات في الإنتروبيا، حيث قد تخفف التجارب الإيجابية من زيادة الإنتروبيا وتعزز الصحة، في حين قد تساهم التجارب السلبية في زيادة الإنتروبيا وتضر بالصحة. ووجدت دراسة حديثة أيضا أن السفر مفيد للصحة البدنية والعقلية للإنسان ومن بين هذه الفوائد الصحية: إبطاء علامات الشيخوخة إذ وجد الباحث الرئيسي في الدراسة أن السفر والسياحة يمكن أن يساعد في الصحة الجسدية والعقلية. حيث أن الذهاب إلى أماكن جديدة يؤدي إلى استجابة ترفع معدل الاستقلاب الغذائي في الجسم، مما قد يؤدي أيضًا إلى استجابة الجهاز المناعي التكيفي. قالت السيدة فانجلي هو، طالبة الدكتوراه في جامعة إيست كوانتان: "الشيخوخة، كعملية، لا رجعة فيها. و لا يمكن إيقافها، لكن يمكن إبطاؤها". إن تجارب السفر الإيجابية يمكن أن تعزز العافية الجسدية والعقلية للأفراد من خلال التعرض لبيئات جديدة، والمشاركة في الأنشطة البدنية والتفاعل الاجتماعي، وتعزيز المشاعر الإيجابية. وقد تم الاعتراف بهذه الفوائد المحتملة من خلال ممارسات مثل السياحة الجيدة والسياحة الصحية، وسياحة اليوجا. وأضافت السيدة هو: "السياحة لا تتعلق فقط بالترفيه والاستجمام. بل يمكن أن تساهم أيضًا في الصحة البدنية والعقلية للناس".
ADVERTISEMENT
العلاج بالسفر: إبطاء الساعة
صورة من unsplash
إن العلاج بالسفر يمكن أن يكون بمثابة تدخل صحي رائد عند النظر إليه من خلال عدسة الإنتروبيا. وباعتبارها جانبا مهما من البيئة، قد تساعد تجارب السفر الإيجابية الجسم على الحفاظ على حالة منخفضة الإنتروبيا من خلال تعديل أنظمته الأربعة الرئيسية. "إن السياحة تعرض الناس عادة لمحيط جديد وأنشطة استرخاء، ويمكن أن تحفز البيئات الجديدة استجابات الشدة وترفع معدلات الاستقلاب الغذائي، مما يؤثر بشكل إيجابي على الأنشطة الاستقلابيةوقدرات الجسم على تنظيم نفسه. وقد تؤدي هذه السياقات أيضًا إلى تحفيز استجابة الجهاز المناعي التكيفي. تقول السيدة هو إن هذا التفاعل يحسن قدرة الجسم على إدراك التهديدات الخارجية والدفاع عنها ضدها. "ببساطة، يصبح نظام الدفاع عن النفس أكثر مرونة. وقد يتم إطلاق الهرمونات التي تساعد على إصلاح الأنسجة وتجديدها وتعزز عمل نظام الشفاء الذاتي." ووجدت هو أن هذا ينطبق على كل من السفر الترفيهي والرحلات الأكثر كثافة مثل المشي لمسافات طويلة. "قد تساعد أنشطة السفر الترفيهية في تخفيف التوتر المزمن، وتخفيف فرط نشاط الجهاز المناعي، وتشجيع الأداء الطبيعي لنظام الدفاع عن النفس. إن الانخراط في الترفيه قد يحرر التوتر والتعب في العضلات والمفاصل. يساعد هذا التخفيف في الحفاظ على التوازن الاستقلابي في الجسم ويزيد من فعالية نظام مقاومة التآكل. ويمكن للأعضاء والأنسجة بعد ذلك أن تظل في حالة منخفضة الإنتروبيا، ويشمل السفر أنشطة بدنية مثل المشي لمسافات طويلة، والتسلق، والمشي، وركوب الدراجات. ويمكن أن يعزز الجهد البدني عملية الاستقلاب الغذائي، وإنفاق الطاقة، وتحويل المواد، وكلها تساعد في تنسيق أنظمة التنظيم الذاتي. وقالت السيدة هو: "إن المشاركة في هذه الأنشطة يمكن أن تعزز وظيفة المناعة في الجسم وقدرات الدفاع عن النفس، وتعزز من قدرته على تحمل المخاطر الخارجية. كما قد تعمل التمارين البدنية على تحسين الدورة الدموية، وتسريع نقل العناصر الغذائية، والمساعدة في التخلص من النفايات للحفاظ بشكل جماعي على نظام شفاء ذاتي نشط. إن التمارين المعتدلة مفيدة للعظام والعضلات والمفاصل بالإضافة إلى دعم نظام الجسم المضاد للتآكل".
لينا عشماوي
ADVERTISEMENT
قبل أن تهيمن أسطوانات الفينيل، كانت هشاشة الشيلاك والصوتيات الميكانيكية ترسم طريقة الناس في سماع الموسيقى
ADVERTISEMENT
تبدو أصوات الغراموفونات المبكرة غريبةً بالنسبة إلينا، لا لأن الموسيقى المسجّلة كانت لا تزال تتعلّم كيف تؤدي عملها، بل لأن إعادة الإنتاج الصوتي بالوسائل الصوتية كانت نظامًا ماديًا مختلفًا عمّا تتوقعه الآذان الحديثة.
وهذه هي النقطة التي يجدر توضيحها منذ البداية. فإذا حكمتَ على الغراموفون الصوتي كما لو كان جهاز
ADVERTISEMENT
ستيريو فاشلًا، فسيبدو صوته دائمًا رقيقًا وخشنًا ومحدودًا. أمّا إذا أصغيتَ إليه بوصفه آلةً تطلب من الأخدود والإبرة والغشاء والبوق أن يقوموا بكل العمل من دون كهرباء، فسيبدأ الأمر في أن يصبح أكثر منطقية بكثير.
الخطأ الذي ترتكبه الآذان الحديثة في أول 10 ثوانٍ
نحن معتادون على سلسلة تخفي الجهد الذي تبذله. فالنظام الحديث يمكنه أن يستخدم التضخيم الكهربائي، وتصميم مكبرات الصوت، والمعادلة الصوتية، وخفض الضجيج، وأنواعًا شتى من التصحيح الهادئ قبل أن يصل الصوت إلى الغرفة. أمّا الغراموفون الصوتي، فلم يكن لديه شيء من هذا كله. كان عليه أن يحوّل الحركة في الأخدود مباشرةً إلى حركة مسموعة في الهواء.
ADVERTISEMENT
أمضى تيموثي سي. فابريتسيو، وهو مؤرخ متخصص في تاريخ التسجيل الصوتي المبكر وإعادة تشغيله، سنواتٍ في شرح أن الفونوغرافات والغراموفونات الأولى بُنيت على منطق ميكانيكي لا إلكتروني. وتؤكد مكتبة الكونغرس وغيرها من أدلة الحفظ الفكرة نفسها بعبارات أبسط: فالأخدود في الأسطوانة يدفع الإبرة ماديًا، والإبرة تحرّك غشاءً، والبوق يساعد ذلك الاهتزاز على أن يملأ الغرفة. وليس هذا مسودةً أولى خامًا للصوت الحديث، بل فرعًا آخر من العائلة.
ما الذي كانت تفعله أخاديد الشيلاك والإبر الفولاذية فعلًا؟
كانت الأسطوانات التي يتخيلها معظم الناس في هذه الفترة أقراصًا من الشيلاك، لا أسطوانات LP من الفينيل. وكانت أسطوانات الشيلاك صلبةً وهشةً، وتحمل أخاديدها هيئة الصوت على شكل حركات جانبية دقيقة جدًا. وعندما كانت الأسطوانة تدور، كانت إبرة فولاذية تركب ذلك الأخدود وتتتبع تلك التعرجات.
ADVERTISEMENT
تصوير: أيدن كول
وبعبارة مباشرة، كان الأخدود مسارًا محفورًا للحركة. لم تكن الإبرة «تقرأ بيانات» على النحو الذي سيفعله الليزر لاحقًا. بل كانت جدران الأخدود تدفعها وتشدها. وما تسمعه من ذلك هو صوت ذو حواف واضحة وبداية مباشرة تكاد تكون محسوسة جسديًا، لأن التلامس هنا هو حرفيًا حركة احتكاك تتحول إلى اهتزاز.
وكانت تلك الإبرة الفولاذية قابلةً للاستبدال لسبب وجيه. إذ كانت تبلى سريعًا، وكان الناس يُتوقع منهم أن يبدّلوها كثيرًا، وأحيانًا بعد كل وجه من الأسطوانة، حتى لا يطحنوا الأسطوانة نفسها تدريجيًا. وما تسمعه عندما تكون الإبرة جديدة هو تتبّع أنظف ونبرة أكثر ثباتًا؛ أمّا عندما تكون بالية، فما تسمعه هو مزيد من الهسيس، ومزيد من التشوش، ومزيد من الضرر الذي يتسلل مع كل تشغيل.
ومن الإبرة، كانت الحركة تنتقل إلى غشاء، يكون عادةً غشاءً دائريًا رقيقًا داخل صندوق الصوت. تخيّله كأنه طبلة أذن ميكانيكية صغيرة. كانت الإبرة تهزّه، وكان الغشاء يحوّل تلك الحركة الضئيلة إلى نبضات في الهواء. وما تسمعه من ذلك هو الآنية، ولكن من دون قدر كبير من النعومة. فالآلة بارعة في إظهار الحضور، لا في تسوية كل شيء وتلطيفه.
ADVERTISEMENT
ثم يأتي دور البوق. لم يكن ثمة مضخّم خلفه. كان البوق هو المضخّم. فمن خلال تشكيل الهواء المهتزّ واقترانه بالغرفة، كان يجعل الصوت أعلى. من الأخدود إلى الإبرة، ومن الإبرة إلى الغشاء، ومن الغشاء إلى البوق، ومن البوق إلى الغرفة. تتبّع، واهتزّ، وانبض، واتسع، وأطلق. وما تسمعه هو شكل هذه السلسلة كلها: طبقة وسطى قوية، وجهير عميق محدود، وقدر ضئيل من الطبقات العليا الهوائية التي تستطيع الأنظمة الحديثة استعادتها، وصوت يبدو كأنه يصل إليك في حزمة موجَّهة.
توقّف الآن وتخيّل هذا بصدق: لو نزعتَ الكهرباء تمامًا، فما الأجزاء من إعادة التشغيل الحديثة التي ستبقى، وما الذي سيغدو على الأخدود نفسه أن يفعله الآن؟
هنا تكمن نقطة إعادة المعايرة. فالصوت البشري أو الكمان عبر غراموفون صوتي يصل إليك رقيقًا ومشكّلًا على هيئة البوق ويميل قليلًا إلى الحدة الصياحة، لأن الإبرة والغشاء والبوق مضطرون إلى أن يقوموا بكل التضخيم من دون كهرباء. ليست هناك طبقات جهير مخفية، ولا كسب إلكتروني ناعم، ولا مخروط مكبر صوت يضيف امتلاءً، ولا خفض للضجيج يزيل الخشونة. الآلة لا تفشل في أن تبدو حديثة الصوت. إنها تبدو ميكانيكية، على مرأى ومسمع من الجميع.
ADVERTISEMENT
لماذا لم يتعامل المؤدون والمستمعون مع هذا على أنه جهاز ستيريو معطوب؟
ما إن تسمع الآلة وفق هذه الشروط حتى تتضح لك تسجيلات قديمة كثيرة دفعةً واحدة. فقد تكيّف المغنون والعازفون ومهندسو التسجيل مع هذه الوسيلة. وفضّلوا الإسقاط القوي، والبدايات الواضحة، والتوزيعات التي تصمد بعد مرورها عبر بوق ونقشها في أخدود من الشيلاك.
ولا يعني ذلك أن كل أسطوانة كانت تحفةً في التكيّف، لكنه يعني أن الناس لم يكونوا يعانون صوتًا سيئًا على نحو سلبي وهم ينتظرون المستقبل كي يصل. لقد كانوا يستخدمون نظامًا معروفًا بمفاضلاته المعروفة. وفي كثير من البيوت، لم يكن الغراموفون أقرب إلى أداة مختبرية بقدر ما كان آلةً منزلية متينة: لفّه، بدّل الإبرة، اضبط المكبح، شغّل الوجه، ثم اقلب الأسطوانة.
ويمكنك أن تشعر بذلك في أعمال الحفظ اليوم. فالمهندسون الذين يرممون تسجيلات العصر الصوتي يحاولون في كثير من الأحيان ألّا يسطّحوها إلى امتلاء حديث مصطنع، لأن فعل ذلك قد يمحو الطابع ذاته الذي يخبرك كيف كان النظام الأصلي يعمل. فالمقصود ليس جعلها «أفضل» بأي ثمن. بل المقصود أن تُسمَع الميكانيكا القديمة بوضوح.
ADVERTISEMENT
مشهد صغير يشرح عادة الإصغاء كلها
تخيّل غراموفونًا خزائنيًا عائليًا قيد الاستخدام نحو عام 1915 أو 1920. يفتح أحدهم الغطاء، ويدير محرّك الزنبرك بمفتاح، ويتحقق من السرعة بالأذن أو بأداة تحكم بسيطة، ويثبّت إبرة فولاذية جديدة، ثم يخفّضها إلى الأخدود. وهذه الطقوس الصغيرة مهمّة لأن كل جزء من سلسلة إعادة التشغيل بات الآن مكشوفًا للمستخدم. فلا يوجد مصدر طاقة خفي يمكن نسيانه؛ فالصوت يعتمد على طريقة التعامل، وعلى التآكل، وعلى شدّ الزنبرك، وعلى الأسطوانة نفسها.
ولا يزال الجامعون ومجموعات الحفظ يكررون النصيحة البسيطة نفسها: استخدم الإبرة الصحيحة، والسرعة الصحيحة، ولا تشغّل أسطوانة شيلاك كما لو كانت أسطوانة فينيل لاحقة. وما تسمعه حين تُحترم هذه التفاصيل ليس فخمًا على وجه الدقة، لكنه أكثر ثباتًا، وأكثر قوةً، وأقل مدعاةً إلى خيبة أمل زائفة. عندها تتوقف الآلة عن أن تبدو نسخةً رديئة من شيء آخر.
ADVERTISEMENT
نعم، لـ«الاختلاف» حدود، وهذه الحدود حقيقية
هناك طريقة سهلة للوقوع في التهاون هنا، ومن الجدير رفضها. فقد كانت للغراموفونات الصوتية حدود قابلة للقياس فعلًا. كان نطاق ترددها ضيقًا مقارنةً بالأنظمة الكهربائية اللاحقة. وكان مجال شدتها الصوتية مضغوطًا. وكان ضجيج السطح جزءًا من التجربة. كما أن تكرار التشغيل بإبر فولاذية كان يمكن أن يُبلي الأسطوانات.
لذلك، لا، ليست هذه حجةً تقول إن إعادة التشغيل الصوتي كانت متفوقةً سرًا. لم تكن كذلك. لكنها ببساطة كانت تعمل وفق قواعد لا تشاركها فيها أنظمة الصوت عالية الدقة الحديثة. وتعني الدقة التاريخية أن نحكم عليها ضمن وسيطها الخاص، وغرفها الخاصة، وعادات صنع الموسيقى الخاصة بها، والخيارات الهندسية التي كانت متاحة آنذاك.
ولهذا أيضًا قد تبدو بعض أسطوانات تلك الفترة أكثر إقناعًا على أجهزة مناسبة منها في نقل رقمي مسطّح. فالنظام المعتمد على البوق يبرز أجزاء معينة من الصوت ويترك أجزاءً أخرى وراءه. وما تسمعه ليس واقعيةً كاملة الطيف. بل هو هيئة ميكانيكية ذات شكل محدد جدًا.
ADVERTISEMENT
إلى ماذا ينبغي أن تُصغي عندما يبدأ البوق بالكلام؟
عندما تسمع غراموفونًا صوتيًا، توقّف عن البحث عن الجهير المفقود أو الصقل الحديث، وأصغِ بدلًا من ذلك إلى الميكانيكا وقد صارت مسموعة: الأخدود وهو يدفع الإبرة، والغشاء وهو يضفي صلابةً على البداية، والبوق وهو يقذف الطبقة الوسطى إلى الغرفة.