للوهلة الأولى، توحي الأبراج الأحدث في عمّان بأن المدينة قد قطعت صلتها بماضيها وانضمت إلى السيناريو العالمي المألوف لمناطق الأعمال، لكن ما إن تنتبه إلى أن التلال ما تزال هي التي تقرر ما الذي يُرى، وكيف يتحرك الناس، وأين تتجمع الأحياء، حتى تنكشف المدينة على نحو مختلف.
وهذه هي الحقيقة المفيدة التي ينبغي إبقاؤها نصب العين منذ البداية: يمكن لعمّان أن تبدو جديدة على نحو جذري، مع أنها ما تزال منظَّمة وفق تضاريس قديمة. الزجاج حاضر فعلًا. والتغيير حقيقي فعلًا. لكن المسار الكامن تحته أقدم من الأفق العمراني.
قراءة مقترحة
تكشف جولة في عمّان هذا التباين بسرعة: أحياء حجرية أقدم تفسح المجال لواجهات أعمال أحدث، لكن الطريق يظل محكومًا بالانحدار والالتواءات وخطوط القمم.
تظهر المدينة أولًا في الحجر الفاتح، مع عمارات سكنية على المنحدرات ومتاجر مندمجة في الجدران الاستنادية.
تنحني الطرق وترتفع وتتفرع لأن الأرض هي التي تفرض المسار، لا شبكة عمرانية مستوية.
في أماكن مثل الشميساني والعبدلي، تعلن الواجهات الزجاجية والأرصفة الأعرض ومباني المكاتب لغة أعمال أكثر حداثة.
تمهّل هنا قليلًا. ففي هذه النقطة كثيرًا ما يسيء الناس قراءة المدينة. قد يبدو الانتقال من الأحياء الحجرية الأقدم إلى المناطق المصقولة وكأنه عبور من عصر إلى آخر. ومع ذلك، تظل التجربة كلها صعودًا على تل. فأنت لا تنساب عبر شبكة مستوية كما قد يحدث في مركز أعمال أُنشئ لهذا الغرض في مكان آخر. بل ترتفع إلى مشهد، ثم تفقده عند المنعطف التالي، وتلتقط حيًا آخر من حافة مرتفعة مختلفة.
| العنصر العمراني | ما الذي يبدو أنه يوحي به | ما الذي يشكّله فعليًا |
|---|---|---|
| الأفق العمراني | صورة حديثة واحدة للمدينة | مشاهد عمرانية متفرقة تكشفها التضاريس |
| التمدد | نمو خارجي مباشر وبسيط | منحدرات ومراكز متناثرة وروابط طرق صعبة |
| إعادة تطوير العبدلي | وسط مدينة بديل | كثافة جديدة أُدرجت في مدينة أقدم ما تزال التلال ترتبها |
وقد ذهب الباحث العمراني رامي ظاهر، الذي كتب على نطاق واسع عن تخطيط عمّان وتطورها، إلى أن نمو المدينة كان مجزأً وغير متكافئ، وتشكّل بفعل مشروعات تقودها السوق إلى جانب جغرافيات اجتماعية أقدم. وبصياغة أقل أكاديمية: تواصل عمّان إضافة وجوه جديدة من دون أن تصبح مكانًا واحدًا بسيطًا ومتجانسًا. فحي الأعمال لا يُلغي الحي القائم على المنحدر، بل يجلس إلى جواره، أو فوقه، أو وراء المنعطف مباشرة.
هنا يحين وقت إيقاف السيارة، ولو في خيالك. هل تقرأ المدينة من الأفق العمراني إلى الأسفل، أم من الشارع إلى الأعلى؟ وهل يثبت الأفق العمراني التقدم فعلًا، أم أنه أحيانًا لا يفعل سوى تغيير ما تختاره المدينة لتُظهره أولًا؟
تكتسب هذه الأسئلة أهميتها في عمّان لأن المدينة نمت بسرعة على مدى عقود، واستوعبت موجات متكررة من الهجرة واللجوء، بينما اتسعت غربًا وإلى الخارج. والأردن بلد شديد التحضر، وتستحوذ عمّان على حصة كبيرة جدًا من سكانه ونشاطه الاقتصادي. وتستجيب مناطق المكاتب الجديدة والأبراج الراقية لجزء من هذا الضغط. كما أنها تبث صورة معينة: مدينة مستقرة، متصلة، وجاهزة للاستثمار.
لكن الصورة ليست سوى نصف الحكاية. فالشارع يواصل المجادلة من جهته. فما يزال كثير من السكان يعيشون عمّان اليومية عبر المتاجر المحلية، والطرق السكنية شديدة الانحدار، وسيارات السرفيس، والدوائر القصيرة داخل الأحياء، وهي أمور ترتبط بخطوط الارتفاع أكثر مما ترتبط بواجهات الشركات. وحتى عندما يصبح برج ما معلمًا بارزًا، فإن الناس يظلّون يصلون إليه وفق منطق الاقتراب القديم: صعودًا، ثم التفافًا، ثم عبورًا، ثم دخولًا في النهاية.
المفارقة الأساسية في المقال بسيطة: تبدو الأبراج الأحدث كأنها قطيعة، لكن المدينة تواصل التصرف بوصفها تكيفًا تراكب فوق قواعد أقدم.
أسطح من الحجر الجيري، وخطوط رؤية متقطعة، وأحياء تُعاش عبر التلال والانثناءات والمسارات المحلية.
تبرز الأبراج الزجاجية وشوارع الأعمال العريضة بصريًا، لكنها تظل مقاسة ومقصودة وموزعة وفق التضاريس نفسها.
للحجر الفاتح أهميته هنا. فعلى مدى سنوات، أفرزت قواعد البناء والعادات في عمّان مدينة بدت مترابطة بصريًا، حتى حين تمددت بعيدًا إلى ما وراء نواتها الأقدم. فقد منحت المباني المكسوة بالحجر الجيري كثيرًا من الأحياء سطحًا مشتركًا. والأبراج الأحدث تكسر هذا النسيج، ولكن ليس بالكامل. فهي تبرز لأن المدينة الحجرية الأقدم ما تزال موجودة لكي تُقاس بها.
أما التلال فأهميتها أكبر. ففي المدن الأكثر استواءً، يستطيع البرج أن يعيد تنظيم كل ما حوله وأن يهيمن من كل مكان تقريبًا. أما في عمّان، فإن النقاط المرتفعة، وطيات الأرض، وانقطاع خطوط الرؤية، تواصل إعادة توزيع الانتباه. يظهر البرج مهيبًا من طريق، ثم يختفي من آخر، ثم يعود للظهور من حافة أعلى. وهذه هي لحظة الفهم: الأفق العمراني الذي يبدو جديدًا ما يزال يتبع القواعد القديمة نفسها الخاصة بزاوية النظر وصنع المسار.
ويمكنك أن تسمع مخططين عمرانيين يقولون أمورًا مشابهة بلغة أكثر هدوءًا. فقد شددت أعمال موئل الأمم المتحدة في الأردن على أن التوسع السريع في عمّان أفضى إلى لا مساواة مكانية، وضغط مروري، وتفاوت في الوصول إلى الخدمات. وبعبارة أخرى، ما يزال شكل المدينة يحدد الفرص. فقد تشير منطقة أنيقة إلى الاستثمار، لكنها لا تسوّي المسافات، ولا تمحو الفصل الذي تصنعه التلال، ولا تجعل الحركة اليومية متكافئة للجميع.
ثمّة اعتراض وجيه هنا: ربما تكون الأبراج في معظمها صناعةً للصورة، شُيّدت من أجل المستثمرين وذوي الدخل المرتفع والزوار الذين يريدون رؤية عاصمة مصقولة. وفي هذا قدر من الحقيقة. فقد تعرضت مشروعات إعادة التطوير الكبرى في عمّان كثيرًا لانتقادات لأنها باهظة، وانتقائية، أو ضعيفة الصلة باحتياجات السكان ذوي الدخل المنخفض.
ويفكك هذا القسم خيارًا زائفًا: يمكن لتنمية الأفق العمراني أن تكون مهمة ماديًا وانتقائية اجتماعيًا في الوقت نفسه.
الأبراج ليست إلا مسرحًا للنخبة، بُنيت لإبهار المستثمرين والزوار.
لكنها تغيّر أيضًا مواضع تمركز الوظائف والفنادق والشركات وقيمة الأراضي والخدمات والاهتمام العام، حتى مع بقاء الفوائد غير متكافئة.
والحد الصريح هنا هو الآتي: لا تعني الأبراج الأنيقة أن كل السكان يختبرون التقدم بالطريقة نفسها. فقد يشعر شخص يتنقل يوميًا من حي خارجي أقدم بعبء الازدحام أكثر بكثير مما يشعر بفائدة أفق عمراني جديد. ويمكن لمدينة أن تكسب مكاتب وهيبة ومساحات جديدة موجهة للواجهة العامة، مع استمرار تفاوت الوصول. ويمكن أن تكون القراءتان صحيحتين معًا.
ولهذا تستحق عمّان أن تُقرأ بعناية. فهي تمنحك طريقة أوضح لفهم التغير الحضري في أي مكان. لا تسأل فقط إن كان الأفق العمراني جديدًا. بل اسأل: ما النظام الأقدم الذي ما يزال يتولى التنظيم في الأسفل؟ أهي التضاريس، أم الجغرافيا الطبقية، أم أنماط الطرق، أم العادات الحيّية، أم جميعها معًا؟
في عمّان، ليست الحداثة محوًا للتلال، بل هي أحدث ما بُني لكي يُرى منها.