قد يكون المكان الذي يبدو أشدّ فراغاً هو نفسه ما يجعل الشارع يبدو أشدّ حرارة: فموقف السيارات شبه الخالي قد يدفع حرارة إلى الهواء أكثر من شارع أكثر ازدحاماً لكنه مظلّل، لأن الرصف الداكن يمتص ضوء الشمس طوال النهار، ويخزّن حرارته، ثم يعيد إشعاعها لساعات.
يبدو ذلك معاكساً للحدس إذا كنت تظن أن الحركة هي المشكلة الأساسية. صحيح أن السيارات تضيف حرارة. فالمحركات، والعوادم، والفرامل، وأنظمة التكييف كلها عوامل مؤثرة. لكن إذا كنت تسير في مدينة في أواخر بعد الظهر، فغالباً ما يكون ما تشعر به أكثر ليس النشاط، بل السطح.
قراءة مقترحة
لنبدأ بأبسط نقطة. الأسفلت داكن، والأسطح الداكنة تمتص من طاقة الشمس أكثر مما تمتصه الأسطح الفاتحة. وإذا امتدت هذه المادة على مساحة مفتوحة واسعة تكاد تخلو من غطاء شجري، فلن يكون هناك ما يخفف من وطأة هذا التعرض.
ثم يأتي التخزين. فالرصف لا يسخن عند السطح فقط مثل مقلاة تسخن سريعاً فوق الموقد. السطح المرصوف السميك يمتص الطاقة على مدى ساعات، وينتقل جزء من تلك الحرارة إلى داخل المادة نفسها. ولهذا يمكن أن يظل الموقف ساخناً حتى بعد أن يبدأ ضوء الشمس المباشر في التراجع.
الآلية هنا بسيطة: الامتصاص، والتخزين، وغياب الظل، والانبعاث المتأخر للحرارة؛ كلها تعزز بعضها بعضاً.
يمتص الأسفلت من الطاقة الشمسية أكثر مما تمتصه الأسطح الفاتحة.
تراكم المساحة المرصوفة الواسعة الحرارة على مدى ساعات، وليس في الطبقة السطحية وحدها.
مع ضآلة الغطاء الشجري، لا يكاد يوجد ما يقطع الكسب الحراري المباشر من الشمس.
بعد أن تخف حدة ضوء الشمس، تواصل الحرارة المخزنة الصعود مجدداً إلى الهواء المحيط.
وقد قاس الباحثون هذا النمط منذ سنوات. فقد أوضحت دراسة كثيراً ما يُستشهد بها للباحث تي. آر. أوك عام 1982، ونُشرت في Quarterly Journal of the Royal Meteorological Society، كيف تخزن المواد الحضرية مثل الأسفلت والخرسانة الحرارة نهاراً ثم تطلقها ليلاً، بما يسهم في ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية. ومنذ ذلك الحين، أظهرت خرائط الأقمار الاصطناعية التي أعدتها NASA وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية النمط نفسه من الأعلى: فالمساحات المرصوفة الكبيرة كثيراً ما تبقى أشد حرارة من المتنزهات والشوارع المظللة بالأشجار حتى بعد ذروة سطوع الشمس بوقت طويل.
وهنا تكمن النقطة التي يغفلها الناس وهم يسيرون على الأقدام. فقد يبدو شارع تكثر فيه السيارات أبرد من موقف أكثر هدوءاً إذا كان الشارع يحظى بظل الأشجار، وبرصف مكشوف أضيق، وبمبانٍ تقلل التعرض المباشر للشمس. مستوى النشاط ليس هو المتغير الأساسي؛ بل التعرض، ونوع السطح، والحرارة المخزنة.
إذا أردت أن تشعر بذلك بدلاً من مجرد الإقرار به، فجرّب مقارنة بسيطة في أواخر بعد الظهر أو أوائل المساء. امشِ بمحاذاة موقف خالٍ من الأشجار، ثم شارع جانبي مظلل، ثم حافة عشبية إذا كانت قريبة. ووجّه انتباهك أولاً إلى مستوى الساقين، لا إلى جبهتك فقط.
مرّ بجانب الموقف الخالي من الأشجار ولاحظ الحرارة الصاعدة من الأرض حول ساقيك.
انتقل إلى الشارع الجانبي المظلل أو الحافة العشبية، وقارن كم يقلّ دفع الحرارة السطحية المخزنة نحوك.
قرب الغروب، قد يظل الموقف المرصوف الواسع يدفع الدفء صاعداً نحو ساقيك بل وحتى وجهك، كأن الأرض ما زالت تحتفظ بموقد منخفض مشتعلاً. وتلك الحرارة الصاعدة هي العلامة الفارقة. فالسطح لا يقتصر على التقاط ضوء الشمس، بل يعيد إطلاق الطاقة المخزنة إلى الشارع مع مرور الوقت.
موقف السيارات بطارية حرارية.
هذه العبارة مفيدة لأنها تحوّل الموقف من مساحة خاملة إلى بنية تحتية تعمل بالفعل. فهو يمتص ويخزن ويطلق. ولا تحتاج إلى ميزان حرارة كي تلاحظ هذه الدورة ما إن تعرف ما الذي تبحث عنه.
أحياناً نعم. إذا وقفت بجانب مسار حافلات مزدحم أو ممر تكثر فيه شاحنات التوصيل، فستشعر بحرارة المركبات مباشرة، خصوصاً في ساعة الذروة. ولا تقول أي رواية أمينة لهذه القصة إن كل موقف سيارات أشد حرارة دائماً من كل شارع.
فالظل، والغطاء الشجري، والرياح، وارتفاع المباني، ولون السطح، وحتى مدة تعرض المكان للشمس، كلها عوامل قد تقلب النتيجة. فقد يتفوق موقف فاتح اللون تظله الأشجار على ممر أسفلتي داكن تحاصره المباني وتملؤه المركبات المتوقفة بمحركات دائرة. ليست الفكرة وضع ترتيب مطلق. الفكرة أن امتداداً مرصوفاً «خاملاً» يمكن أن يكون مصدراً محلياً كبيراً للحرارة حتى عندما لا يكاد يحدث عليه شيء.
ولهذا أيضاً تتوهج خرائط الحرارة الحضرية في كثير من الأحيان فوق الشرائط التجارية، والمواقف الكبيرة، ومناطق المستودعات. فدراسات درجة حرارة سطح الأرض تجد بانتظام قراءات أعلى فوق المناطق الكثيفة بالأسفلت مقارنة بالمناطق النباتية القريبة. وتهم المساحة السطحية هنا لأنها تؤثر في المدينة لساعات، لا في اللحظة العابرة التي تمر فيها سيارة.
انسَ الدليل السهل المتمثل في «المزدحم» مقابل «الهادئ». فالمكان يكون أرجح في أن يواصل قذف الحرارة إليك بعد الغروب إذا اجتمعت فيه ثلاثة أمور: قدر كبير من الرصف الداكن، وقليل جداً من الظل، ومجال واسع مفتوح نحو السماء. هذا المزيج يتيح للأرض أن تتلقى وطأة يوم كامل من الشمس ثم تظل تسدد تلك الفاتورة لاحقاً.
| المؤشر | ماذا يعني | لماذا يهم بعد الغروب |
|---|---|---|
| مساحات واسعة من الرصف الداكن | يمتص السطح قدراً أكبر من الطاقة الشمسية | يمكن أن يطلق لاحقاً حرارة مخزنة أكثر |
| ظل قليل جداً | تصل الشمس إلى الأرض لمدة أطول | يتلقى الرصف حملاً حرارياً نهارياً أكبر |
| انفتاح واسع على السماء | توجد حواجز أقل تقلل التعرض المباشر | يتلقى السطح ضربة أطول وأشد طوال النهار |
وغالباً ما يفوز الشارع الأكثر ظلاً حتى لو كان أكثر ازدحاماً. فالأشجار تقطع أشعة الشمس قبل أن تصل إلى الأرض. ويمكن للمباني أن تقلل ساعات التعرض المباشر. كما أن الرقع الأصغر من الرصف المكشوف تملك مساحة أقل لتخزين الحرارة من الأساس.
استخدم هذه العدسة هذا الأسبوع. فإذا كنت تختار طريق عودتك سيراً إلى المنزل، فاعبر إلى الجهة التي فيها غطاء شجري بدلاً من السير بمحاذاة موقف مفتوح هائل. وإذا كنت تبحث عن شقة أو تتحدث مع الجيران، فلاحظ هل يأتي أشد مقطع حرارة قرب المبنى من السيارات المتحركة أم من سطح مرصوف كبير بلا ظل، ثم طالب بالمزيد من الأشجار، أو بطبقات طلاء أفتح لوناً، أو بمساحات أقل من الأسفلت المكشوف.
أسرع طريقة لاكتشاف مشكلة حرارية هي أن تتوقف عن السؤال عن مدى ازدحام المكان، وتبدأ في السؤال عمّا كانت الأرض تختزنه طوال النهار.