إسلام بيكو: فنان مصري تحت الماء يجسّد الجمال الكامن تحت السطح

تحت سطح البحر يكمن عالمٌ قلّما يختبره الناس حقًا، بيئةٌ صامتةٌ يتراقص الضوء فيها عبر الماء، وتصبح الحركة انسيابيةً وخفيفة، وتكشف الطبيعة عن أروع أشكالها. بالنسبة للفنّان المصري المتخصّص في التصوير تحت الماء، إسلام بيكو، لا يُمثّل هذا العالم الخفيّ مجرد مكانٍ للاستكشاف، بل هو أيضًا مرسمٌ إبداعي. من خلال أعماله، يُحوّل بيكو البحر إلى مسرحٍ للتعبير الفني، مُلتقطًا صورًا آسرةً تمزج بين الإبداع البشري والجمال الطبيعي للبيئات البحرية. على مدى السنوات الماضية، طوّر بيكو أسلوبًا مميزًا يجمع بين التصوير تحت الماء، والأداء، وسرد القصص البيئية. تكشف صوره عن أشكالٍ رشيقةٍ معلقةٍ في الماء، وأقمشةٍ متدفّقةٍ تنجرف مع التيارات، وشعابٍ مرجانيةٍ تتلألأ تحت أشعة الشمس. تبدو كل لقطةٍ وكأنها من عالمٍ سريالي، ومع ذلك تظل مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بواقع المحيط نفسه.

شغفٌ بالبحر والفن:

انطلقت رحلة إسلام بيكو الفنية من افتتانٍ عميقٍ بالبحر. لطالما اجتذب ساحل مصر الممتد على طول البحر الأحمر الغوّاصين والمصوّرين والمستكشفين من جميع أنحاء العالم. فمياه المنطقة الصافية البلّوريّة، وشعابها المرجانية النابضة بالحياة، وتنوّع الحياة البحرية فيها، تجعلها واحدة من أروع البيئات تحت الماء على كوكب الأرض. بالنسبة لبيكو، بدأ الغوص كمغامرة، لكنه سرعان ما تحول إلى شيء أكثر إبداعًا. فبينما يركز العديد من الغواصين على الاستكشاف أو التصوير البحري، تخيل بيكو إمكانية مختلفة: استخدام العالم تحت الماء كلوحة حيّة لسرد القصص الفنية. تطلبت هذه الرؤية الجمع بين مهارات متعددة: خبرة الغوص، وتقنيات التصوير، والإخراج الفني. وعلى عكس التصوير الفوتوغرافي التقليدي، يتطلب التصوير تحت الماء تخطيطًا دقيقًا، وصبرًا، وفهمًا عميقًا لكيفية تأثير الماء على الحركة والضوء واللون. وبدلًا من مقاومة هذه التحديات، تقبلها بيكو بحماس، وأصبحت الظروف الفريدة للبيئة تحت الماء جزءًا من لغته الفنية.

قراءة مقترحة

البحر كاستوديو طبيعي:

في أعمال بيكو، لا يكون البحر خلفية فحسب، بل عنصرًا فاعلًا في بناء الصورة، من الضوء المتبدل إلى حركة الأقمشة وظهور الكائنات البحرية.

عناصر التكوين في الاستوديو البحري

العنصر دوره في الصورة الأثر البصري
ضوء الشمس عبر الماء يُشكّل أنماطًا متغيرة إحساس لا يمكن محاكاته في الاستوديو
التيارات تحرّك الأقمشة والشعر حركة أنيقة وغير متوقعة
الكائنات البحرية قد تظهر داخل اللقطة إضافة عنصر طبيعي حي إلى المشهد
صفاء مياه البحر الأحمر يسمح بتغلغل الضوء الطبيعي بعمق إضاءة الشعاب وألوان زاهية
الصورة بواسطة NEOM على unsplash

التصوير تحت الماء فن صاعد


التحدي التقني للإبداع تحت الماء:

يتطلب هذا النوع من التصوير تنسيقًا دقيقًا بين البشر والمعدات والوقت، لأن كل تفصيل تحت الماء يصبح أكثر حساسية وتعقيدًا.

كيف تُدار جلسة التصوير تحت الماء

1

التحضير والتنسيق

يُخطَّط لكل مشروع بعناية بين الغواصين والعارضين وفرق السلامة قبل النزول إلى الماء.

2

إدارة الوقت والهواء

تُحدَّد مدة الجلسة وفق مخزون الهواء، وقد تتطلب المشاهد المعقدة عدة غطسات مخططًا لها مسبقًا.

3

التواصل الحركي

لأن التعليمات الشفهية غير ممكنة تحت الماء، يعتمد الفريق على الإشارات اليدوية والتصميم الحركي المعدّ مسبقًا.

4

ضبط الأداء والإضاءة

يتعلم العارضون التحكم في التنفس والحركة، بينما تُستخدم إضاءة متخصصة لاستعادة الألوان التي يمتصها الماء.

5

حماية المعدات

تُوضَع الكاميرات والعدسات والإضاءة داخل علب مقاومة للماء تتحمل الضغط وتمنع أي تسرب.

على الرغم من هذه التحديات التقنية، ينظر بيكو إلى عدم القدرة على التنبؤ بالبيئات تحت الماء كجزء من العملية الإبداعية. فالتيارات غير المتوقعة، والفقاعات العائمة، أو الأسماك العابرة، كلها عوامل قادرة على تحويل لقطة عادية إلى شيء ساحر.

رسالة توعية بيئية:

🌊

كيف يتحول الفن إلى دعوة لحماية البحر

يربط بيكو بين الجمال البصري للشعاب المرجانية وبين ضرورة احترامها وحمايتها في أثناء العمل الفني.

إبراز هشاشة الشعاب

تعرض الصور الألوان الزاهية والبنية الدقيقة للشعاب المرجانية، ما يذكّر بأنها نظم بيئية شديدة الحساسية.

تصوير يحترم الطبيعة

تُخطط الجلسات لتجنب لمس التكوينات المرجانية أو إتلافها، ويُدرَّب العارضون على الحركة برفق.

تأثير على الجمهور

حين يرى المشاهدون أناقة العالم تحت الماء، يتعاملون مع البحر بوصفه عالمًا حيًا يستحق الحماية لا مجرد مورد.

إلى جانب جمالها الفني، يحمل العديد من أعمال بيكو رسالة بيئية هامة. فالشعاب المرجانية من بين أكثر النظم البيئية هشاشة على وجه الأرض، وهي تواجه تهديدات متزايدة من التلوث، وتغير المناخ، والصيد الجائر. من خلال عرض الألوان الزاهية والتركيبات الدقيقة للشعاب المرجانية، يأمل بيكو في إلهام المشاهدين لتثمين هذه البيئات تحت الماء وحمايتها.

من جهة ثانية، يؤكد نهجه على احترام الطبيعة؛ فجلسات التصوير يُخطّط لها بعناية لتجنب لمس أو إتلاف التكوينات المرجانية، ويُدرّب العارضون على التحرك برفق في الماء. بهذه الطريقة، يصبح الفن نفسه شكلاً من أشكال الدعوة إلى حماية البيئة البحرية. عندما يرى الجمهور أناقة وثراء النظم البيئية تحت الماء من خلال صوره، يتذكرون أن البحر ليس مجرد مورد، بل هو عالم حي يستحق الحماية.

توسيع آفاق الفن المصري:

لا يزال الفن تحت الماء مجالًا نادرًا نسبيًا على مستوى العالم، وأكثر ندرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يُسهم فنانون مثل إسلام بيكو في توسيع آفاق السرد البصري من خلال استكشاف بيئات قلّما يستخدمها المبدعون كمساحات فنية. ويمزج عمله بين عناصر التصوير الفوتوغرافي وفن الأداء والتوثيق البيئي؛ وبذلك، يُسهم في حوار أوسع حول كيفية تفاعل الفن مع الطبيعة بدلًا من مجرد تمثيلها.

لطالما اشتهرت مصر بفنها القديم وتراثها الثقافي، لكن الفنانين المعاصرين يُجرّبون بشكل متزايد أشكالًا ووسائط جديدة. تُمثل إبداعات بيكو تحت الماء اتّجاهًا جديدًا ومبتكرًا ضمن هذا المشهد الفني المتطور.

كشف العالم الخفي تحت السطح:

لعلّ أبرز ما يُميّز أعمال إسلام بيكو هو قدرتها على كشف عالم لا يراه معظم الناس حقًا. فبينما يزور ملايين الأشخاص البحر كل عام، لا يستكشف أعماقه إلا عدد قليل. وقلة منهم فقط تختبره كبيئة فنية. من خلال عدسته، يتحول العالم تحت المائي إلى مكانٍ يفيض بالأناقة والغموض والإلهام. تبدو الأقمشة العائمة كأنها منحوتات، وتظهر أشكال بشرية وكأنها ترقص بين الشعاب المرجانية. تخترق أشعة الشمس زرقة الماء كأضواء مسرحية. في هذه اللحظات، لا يعود البحر مجرد خلفية طبيعية، بل يصبح شريكًا في العملية الإبداعية.

يذكرنا فن إسلام بيكو بأن الجمال يتجاوز سطح الحياة اليومية بكثير. تحت الأمواج يكمن عالمٌ من الحركة والألوان والروعة الهادئة، ينتظر أن يُكتشف. ومن خلال صوره، يطلّ هذا العالم الخفيّ للحظات، داعيًا إيانا إلى تقدير أعماق محيطات كوكبنا الرقيقة والخلابة.