فن إدارة التربية السلوكية بين الانضباط و الحرية

تظهر صعوبة تربية الطفل في المواقف اليومية الصغيرة: هل يُسمح له باختيار موعد واجبه؟ وما التصرف المناسب عندما يكذب أو يصرخ أو يكرر لفظا غير لائق؟ تختلف الإجابة باختلاف عمره وبيئته وظروف أسرته، ولهذا يصعب اختزال التربية في قوانين جامدة تصلح لكل الأطفال. يحتاج الوالدان ومقدمو الرعاية إلى حماية القيم الأساسية، مثل الصدق والنزاهة والإنسانية والاحترام، مع اختيار أسلوب يوازن بين الانضباط وحرية الطفل.

ينصب التركيز هنا على إدارة السلوك، لا على التفاوض حول القيم ولا على المفاضلة بين مدارس التربية المختلفة. ويتحقق التوازن عندما يعرف الطفل الحدود والعواقب مسبقا، ثم يحصل داخلها على مساحة للاختيار والمناقشة والتعبير عن مشاعره.

إدارة السلوك: تعريف عملي

تتضمن سلوكيات الطفل أفعالا إيجابية، مثل المشاركة والمساعدة والتصرف باحترام، وأفعالا سلبية، مثل التلفظ بألفاظ غير لائقة أو الصراخ أو الكذب أو السرقة. إدارة السلوك هي تنظيم استجابة الكبار لهذه الأفعال: يلاحظون السلوك المرغوب ويمدحونه أو يكافئونه، ويضعون حدودا للسلوك غير المقبول، ثم يطبقون عواقب منطقية عند تجاوزه.

قراءة مقترحة

توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال باستخدام كلمات وأفعال هادئة، ووضع حدود واضحة، والاستماع إلى الطفل، وتطبيق عواقب يعرفها مسبقا. الهدف هو تعليمه التصرف المقبول وتحمل مسؤولية اختياراته، مع الفصل بين الفعل والطفل نفسه؛ فالمشكلة في الكذب مثلا، لا في وصف الطفل بأنه غير أمين.

صورة elementus من Pixabay

المسؤولية موزعة بين البيئات المحيطة بالطفل

المنزل هو البيئة الأولى للطفل، وفيه يتأثر بالأب والأم والإخوة والأخوات الأكبر سنا والأجداد المقيمين معه. وعندما ينتقل إلى المدرسة أو النادي أو أي مكان يرتاده بانتظام، قد يظهر تفاوت بين القواعد التي يعرفها في البيت وما يواجهه خارجه.

لهذا يشترك في إدارة السلوك الوالدان والمعلمون والتربويون والأقارب والمدربون الرياضيون وغيرهم من مقدمي الرعاية المنتظمين. المطلوب اتفاق عملي على السلوك المستهدف، والقاعدة، وطريقة تسجيل ما حدث، والعاقبة المناسبة؛ فلا يُمدح فعل في مكان ثم يُعامل بوصفه مخالفة في مكان آخر. ويمكن لمدرس الصف، على سبيل المثال، إبلاغ الأسرة بعدد مرات حدوث السلوك خلال اليوم، بينما تستخدم الأسرة التعريف نفسه عند متابعته في المنزل.

صورة Vitaly Gariev من Unsplash

خطوات قابلة للملاحظة لتعديل السلوك

تبدأ الخطة بوصف فعل يمكن رؤيته أو سماعه أو عده. عبارة «عدم الأمانة» تصف صفة عامة، أما الكذب والسرقة فسلوكان محددان يمكن تسجيل وقت حدوثهما وتكرارهما. وينطبق الأمر نفسه على عبارة «سوء التصرف»؛ إذ يلزم تحديد المقصود منها، مثل الصراخ أثناء الحديث أو استخدام لفظ غير لائق.

بعد ذلك تُرتب السلوكيات حسب الأولوية. لا تحاول الأسرة معالجة كل شيء في وقت واحد، وإنما تختار أولا السلوك الأخطر على الطفل أو الآخرين، أو الأكثر تكرارا. وعندما يظهر تقدم واضح فيه تنتقل إلى السلوك التالي.

  • اشرح القاعدة للطفل بلغة تناسب عمره، وحدد السلوك المطلوب والعاقبة قبل وقوع المخالفة.
  • قدّم المدح أو المكافأة فور ظهور السلوك الإيجابي المتفق عليه، حتى يفهم الطفل الفعل الذي نال التقدير.
  • عند الخطأ الأول، ذكّر الطفل بالقاعدة وبالعاقبة التي ستطبق إذا تكرر الفعل، ما لم يكن السلوك خطرا يستلزم تدخلا فوريا.
  • طبّق العاقبة بهدوء عند تكرار المخالفة، من دون إضافة تهديدات أو إهانات لم تكن ضمن الاتفاق.

يمكن أن تكون العاقبة فقدان ميزة محددة؛ كحرمان الطفل من المصروف ليوم أو أكثر بحسب الخطأ، أو من الخروج في الإجازة الأسبوعية، أو من مكافأة كان يتوقعها. ويجب ألا تمتد العاقبة إلى حاجة أساسية: يمكن حجب الحلوى، لكن لا يجوز حرمان الطفل من وجباته الأساسية.

توضح مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها أن الانتباه والمدح والمكافآت تساعد على تشجيع السلوك المرغوب، وأن لوحة المكافآت البسيطة تصلح لتتبعه. يمكن تقسيم لوحة في غرفة الطفل إلى أيام الأسبوع والسلوكيات المستهدفة؛ توضع نجمة أو صورة وجه ضاحك عند الالتزام، ووجه حزين عند كسر إحدى القواعد. الأفضل أن تسجل اللوحة فعلا محددا، مثل قول الحقيقة أو إنهاء الواجب، لا حكما عاما على شخصية الطفل.

نجاح الخطة مرتبط بالتزام الكبار بما اتفقوا عليه من مكافآت وعواقب. فإذا تغير الرد تبعا لمزاج مقدم الرعاية، صعب على الطفل توقع ما سيحدث. وتعرّف المراكز نفسها الاتساق بأنه الاستجابة إلى سلوك الطفل بالطريقة ذاتها في كل مرة، بصرف النظر عما يجري أو عما يشعر به الراشد وقتها.

مع استقرار السلوك، تقل المكافآت تدريجيا حتى لا تبقى شرطا لكل تصرف إيجابي. قد تبدأ المكافأة يومية، ثم تصبح أسبوعية، فشهرية، ثم ترتبط بنهاية الفصل الدراسي. أما المدح الواضح والانتباه إلى السلوك الجيد فيمكن أن يستمرا من غير تحويل كل موقف إلى صفقة.

البدء في الصغر أسهل من تأجيل التعامل مع السلوك حتى المراهقة؛ إذ يمكن تدريب الطفل مبكرا على قاعدة واحدة ومراجعة تقدمه قبل إضافة قاعدة أخرى. وإذا بقي السلوك شديدا أو متكررا رغم وضوح الخطة وثبات تطبيقها، يمكن الاستعانة بمختص في تعديل السلوك.

صورة OrnaW من Pixabay

حدود ثابتة ومساحة حقيقية للاختيار

لا تتحقق التربية بأنظمة صارمة لا تراعي الموقف، كما لا تنجح مع حرية مطلقة تخلو من الحدود. الانضباط يعني أن تكون القواعد قليلة وواضحة ومفهومة، وأن يعرف الطفل ما يترتب على اختياراته. أما الحرية فتظهر في الخيارات المتاحة داخل تلك القواعد وفي حقه في الكلام والتفاوض والتعبير عن مشاعره.

لا مكان للعقاب البدني أو الإهانة أو التهديد أو الإيذاء النفسي في هذه العملية. وتربط منظمة الصحة العالمية العقاب البدني بأضرار تمس صحة الأطفال ونموهم، فيما توصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بألا يستخدم الوالدان الضرب أو الصفع أو التهديد أو الإهانة أو الإذلال. العاقبة الهادئة تختلف في تطبيقها: تكون معلومة ومتصلة بقرار الطفل، ولا تُستخدم لإخافته أو كسر إرادته.

إذا اتفقت الأسرة مع الطفل على أن الكذب سيحرمه من مشاركة أصدقائه اللعب في نهاية الأسبوع، تذكّره عند وقوعه بأنه كان يعرف الاتفاق، ثم تسأله عما يتوقع حدوثه. هنا يستطيع ربط النتيجة بالفعل، ولا يفاجأ بعقوبة وُضعت أثناء غضب الكبار.

تظهر المرونة في طريقة تطبيق القاعدة. يمكن تخيير الطفل بين ميزتين يُحرم من إحداهما إذا كرر السلوك السلبي، أو السماح له باختيار توقيت نشاط ما ما دام يفي بالتزامه. وتوصي منظمة الأمم المتحدة للطفولة بوضع توقعات واضحة، ومدح السلوك الإيجابي، واستخدام عواقب هادئة عند تجاوز الحدود.

ينبغي كذلك مناقشة المخالفة بصوت هادئ، ومنح الطفل فرصة للتفسير ووصف مشاعره. عوضا عن الاكتفاء بالتوبيخ، يمكن مراجعة ما حدث وما تعلمه منه، وإشراكه في القرارات التي تخصه وفي بعض قرارات الأسرة المناسبة لعمره.

صورة Priscilla Du Preez 🇨🇦 من unsplash

من أمثلة ذلك سؤال الطفل: هل تفضل مشاهدة برنامجك الكرتوني قبل كتابة الواجب المدرسي أم بعده؟ يبقى الاختيار له، مع تذكيره بالقاعدة المعروفة: إذا نام قبل إنهاء الواجب فلن يتمكن من مشاهدة البرنامج في اليوم التالي. هكذا يحصل على حرية ترتيب وقته، بينما تظل مسؤولية إنجاز الواجب والعاقبة المرتبطة به واضحتين.