عندما يتحدث المصريون عن الهوية الوطنية، قليل من الرموز يحظى بشعبية كالكشري. في 10 ديسمبر / كانون الأول 2025، أضافت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) رسميًا الكشري إلى قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. لا يحتفي هذا القرار بوصفة طعام فحسب، بل بالآثار الحية والممارسات المجتمعية المشتركة والمعاني الثقافية المتأصلة في الحياة اليومية للشعب المصري.
يضع هذا الاعتراف الكشري جنبًا إلى جنب مع التقاليد الطهويّة والثقافية من جميع أنحاء العالم التي تعتبرها اليونسكو ضرورية للحفاظ عليها، ما يمثل لحظة مهمة للتراث المصري والتقدير العالمي للطعام كثقافة.
في جوهره، الكشري بسيط للغاية: وجبة دسمة وغير مكلفة مصنوعة من الرز والعدس والمعكرونة والحمّص والبصل المقلي، مغطاة بصلصة الطماطم الحامضة والتوابل المتنوعة. يتم تقديمه في المنازل وعربات الشوارع والمطاعم في جميع أنحاء مصر، من شوارع القاهرة المزدحمة إلى أسواق الإسكندرية.
قراءة مقترحة
تكمن جاذبيته في كونه مشبِعًا، ومناسبًا لاحتياجات غذائية متنوعة وميسور التكلفة. هذا الطبق نباتي بطبيعته، حيث يعتمد الكشري التقليدي على مكونات نباتية ولا يحتوي على دهون حيوانية، ما يجعله شائعًا بين المصريين الشباب الذين يختارون الأنظمة الغذائية النباتية، والعمال الجياع الذين يبحثون عن طعام مغذٍ لا يستنزف محافظهم.
في مصر، الكشري ليس مجرد وجبة — إنه تجربة اجتماعية، وطقس شائع في زوايا الشوارع، وطعام مريح، ومعيار ثقافي يومي يتشاركه الناس من جميع مناحي الحياة ويستمتعون به معًا.
طبق الكشري الأصلي
إن إدراج الكشري في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لليونسكو هو أمر رمزي إلى حد كبير — وليس منحة مالية أو حماية قانونية — ولكن لا ينبغي الاستهانة بأهميته. تكرّم القائمة التقاليد والممارسات والتعبيرات التي تعتبرها المجتمعات أساسية لهويتها الثقافية وذاكرتها الجماعية. وتهدف إلى الاحتفاء بـ ”التراث الحي“، أي الأشياء التي تمارَس بنشاط وتُتناقل ويُعاد ابتكارها باستمرار.
بالنسبة لمصر، يعد هذا التسجيل أيضًا علامة فارقة دبلوماسية وثقافية. فهو يمثل المرة الأولى التي يتم فيها إدراج طبق مصري في القائمة، ما يعزز جهود البلاد الأوسع نطاقًا للحفاظ على تراثها وتوثيقه والترويج له.
طبق مغذٍ ولا يستنفذ الجيب
على الرغم من أن النسخة الحالية من الكشري هي بلا شك مصرية، إلا أن جذور هذا الطبق تعكس قرونًا من التبادل الثقافي. يتتبع بعض مؤرخي الطعام أقدم مزيج من العدس والرز في مصر إلى آلاف السنين إلى الهلال الخصيب، قبل وقت طويل من ظهور الوصفة الحديثة. وصل الرز من خلال التجارة القديمة، والطماطم والفلفل الحار بعد اكتشاف القارة الأمريكية، وأصبحت المعكرونة جزءًا من المزيج في القرون الأخيرة.
والطابع المصري المميز والتوابل والبهارات وطرق التحضير تجعل الكشري طبقًا محليًا فريدًا. لقد تبنى المصريون هذه التأثيرات العالمية وطبقوها في طبق يشعرون أنه جزء من شوارعهم ومهرجاناتهم وموائدهم العائلية. كما تثري الاختلافات الإقليمية هذه التقاليد: ففي المناطق الساحلية، غالبًا ما يستخدم العدس الأصفر، وفي صعيد مصر، ينتشر استخدام العدس الأسود، وتضيف بعض الأسر البيض المسلوق أو لمسات محلية. ولكن ما يوحد هذه النسخ في جميع المناطق هو الممارسة الاجتماعية والمعرفة الثقافية المشتركة التي تحيط بالكشري، كيفية تحضيره وتقديمه وتناوله والاستمتاع به.
أبرز الملف الذي قدمته مصر إلى اليونسكو الكشري باعتباره الطبق الأكثر انتشارًا وشعبية بين المصريين، وهو طبق يتجاوز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والدينية. يفخر المصريون بأصوله المتواضعة ووجوده في إيقاعات الحياة اليومية.
يشارك العديد من الأشخاص في إعداد وتقديم الكشري: الطهاة والباعة الجوّالون والعاملون في المطاعم والعائلات. ويعدّ جميع هؤلاء شركاء أساسيين في الحفاظ على هذه التقاليد. تؤكد إرشادات اليونسكو بشأن التراث غير المادي على أن هذا الاعتراف يجب أن يحظى بدعم المجتمعات التي تمارس هذه التقاليد وتنقلها.
للاحتفال بإدراج الكشري في القائمة، قدم الوفد المصري الكشري خلال اجتماعات اليونسكو في نيودلهي، في خطوة رمزية لمشاركة طعم الهوية الوطنية مع ممثلين من جميع أنحاء العالم.
مكوّناته بسيطة ومغذية
يأتي إدراج الكشري في قائمة اليونسكو في وقت تعمل فيه مصر بنشاط على الترويج لتراثها الثقافي على العديد من الجبهات: من افتتاح المتحف الكبير إلى المعارض الأثرية العالمية والمبادرات السياحية. بالنسبة للعديد من المصريين، فإن الاعتراف بالكشري كتراث غير مادي يؤكد أن التراث الثقافي لا يقتصر على الأهرامات القديمة والآثار الفرعونية، بل يشمل أيضًا الممارسات اليومية التي تشكل طريقة عيش الناس وتجمعهم وتقاسمهم الطعام معًا.
في عالم يتعرض فيه العديد من التقاليد لخطر الزوال في ظل العولمة والتحديث، تشجع مثل هذه القوائم المجتمعات على الحفاظ على الممارسات الحيوية والهادفة والمتوارثة عبر الأجيال. كما أنها تذكر الجمهور الدولي بأن الثقافة تعيش في لحظات الحياة اليومية، مثل الأكل والتحدث والتعليم ونقل المعرفة من جيل إلى آخر.
يعكس اعتراف اليونسكو بالكشري أيضًا كيف يمكن للطعام أن يجسر الفجوات الثقافية. غالبًا ما يبحث السياح عن الكشري كجزء من تجربة مصرية أصيلة، ويقدّر العديد من المغتربين هذا الطبق باعتباره صلة تربطهم بوطنهم. بالنسبة لأولئك الذين يتذوقونه في الخارج، يوفر الكشري مدخلاً بسيطًا ولذيذًا لفهم الثقافة المصرية وكرم ضيافتها.
في الواقع، بعد انتهاء حديث الدبلوماسيين والمؤرخين وحراس الثقافة عن التراث، قد يكون طعم صلصة الخل والثوم على العدس والرز هو ما يبقى في الذاكرة. وبهذا المعنى، فإن اعتراف اليونسكو هو دعوة لتكريم التقاليد، وتذكر أن الوجبات المشتركة هي من بين أغنى أشكال التراث غير المادي للبشرية.