تُعد الغربان من أذكى الحيوانات المعروفة؛ فبعض قدراتها المعرفية في مهام محددة تنافس أداء أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و7 سنوات. وفي 2025 أضيف تمييز الانتظام الهندسي إلى قائمة القدرات التي أظهرتها هذه الطيور في المختبر.
وجد فيليب شميتباور وماديتا هان وأندرياس نيدر، من جامعة توبنغن، أن غرابين استطاعا التفريق بين الأشكال المنتظمة والأشكال المشوهة اعتماداً على خصائص مثل الزوايا القائمة والخطوط المتوازية والتماثل. ونُشرت النتائج في مجلة ساينس أدفانسز (Science Advances) في 11 أبريل 2025 تحت عنوان «Crows recognize geometric regularity».
غراب كاليدونيا الجديدة
اختبر نيدر، عالم الأعصاب الإدراكي، وزميلاه طائرين يعيشان في المختبر. وتوضح الورقة المنشورة أن الطائرين كانا من غربان الجيف، واسماهما جلين وأوزي، لا من غربان كاليدونيا الجديدة كما وُصفا في بعض التغطيات. وكانت الغربان قد شاركت من قبل في ألعاب حاسوبية لدراسة الإدراك العددي.
قراءة مقترحة
في بداية كل محاولة، كان الغراب ينظر إلى شاشة تعرض مجموعة من ستة أشكال. خمسة منها تنتمي إلى نمط واحد، أما السادس فيختلف عنها، وكان على الطائر أن ينقر الشكل الدخيل ليحصل على مكافأة من الديدان.
بدأ التدريب بفروق بصرية واضحة. يشرح نيدر المثال بقوله: «في البداية قدمنا بعض الأشكال المختلفة بشكل واضح للغاية. على سبيل المثال، خمسة أهلّة وزهرة واحدة». وعندما كان الغراب يختار الزهرة، كان يحصل على الطعام.
يمتلك الغراب قدرة على العد حتى العدد 4
بعد أن تعلّم الطائران قاعدة اللعبة، عرض الباحثون عليهما مجموعات أصعب تضم مربعات ومتوازيات أضلاع وأشكالاً رباعية غير منتظمة. وقد يرى الغراب، مثلاً، خمسة مربعات إلى جانب شكل رباعي واحد تختلف أطوال أضلاعه أو زواياه.
كان الهدف معرفة ما إذا كانت الغربان ستظل قادرة على تحديد الشكل المختلف حين تتشابه الأشكال الستة إدراكياً. وبصياغة نيدر: «مع هذه الأشكال الرباعية، هل ما زال بإمكان الغربان الاستمرار في العثور على الشكل المختلف، على الرغم من أنه كان يبدو مشابهاً جداً من الناحية الإدراكية للأشكال الخمسة الأخرى المنتظمة؟»
نجح الطائران في المهمة، وتحسن أداؤهما عندما احتوت الأشكال على سمات هندسية منتظمة، منها الزوايا القائمة والخطوط المتوازية والتماثل. وتذكر الورقة أن جلين حقق نسبة إجابات صحيحة بلغت 48.3%، بينما حقق أوزي 56.7%؛ وكلتا النسبتين أعلى بوضوح من احتمال الاختيار العشوائي بين ستة أشكال.
ازدادت المهمة صعوبة كلما اقترب الشكل الدخيل من الأشكال المنتظمة. ومع ذلك ظل الطائران يختاران الشكل الخارجي بمعدل يفوق المصادفة، واستمر الأداء في اختبارات لم تعد فيها الإجابة الصحيحة مصحوبة بالمكافأة المعتادة.
يستطيع الغراب التمييز بين المربع والأشكال الرباعية الأخرى
النتيجة تتجاوز مجرد التفريق بين صورتين مختلفتين بوضوح. فقد ارتبط تحسن الأداء بدرجة انتظام الشكل الرباعي، وهو ما سمّاه الباحثون «تأثير الانتظام الهندسي». ومع ذلك، اختبرت التجربة التمييز البصري في مهمة محددة؛ فهي لا تُظهر أن الغربان تفهم القواعد أو البراهين الهندسية بالطريقة التي يتعلمها البشر في المدرسة.
قبل هذه التجربة، كان تأثير الانتظام الهندسي قد وُثق لدى البشر، بينما لم يظهر في اختبارات سابقة على حيوانات أخرى. وقال نيدر في حديث إلى الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية: «إن الادعاء بأن هذا النوع من الحدس الهندسي خاص بنا نحن البشر، أي أن البشر وحدهم هم من يمكنهم اكتشاف الانتظام الهندسي، هو ادعاء باطل الآن، لأن لدينا على الأقل الغراب».
لا يعرف الباحثون على وجه اليقين لماذا تحتاج الغربان إلى هذه القدرة. ومن الفرضيات التي طرحوها أن تمييز العلاقات المكانية والأشكال قد يساعدها في الملاحة والتوجيه أثناء الطيران، أو في البحث عن الطعام، أو في التعرف على أفراد النوع نفسه والرفقاء من ملامح الوجوه.
يربط نيدر تطور هذه القدرات بما تمنحه من أفضلية في البقاء أو التكاثر. فالاستفادة من انتظام الأشياء المحيطة قد تساعد الحيوان على اختيار مسار، أو اكتشاف مورد غذائي، أو تمييز فرد مألوف، حتى إن لم تكن هذه المهام «هندسة» بالمعنى الأكاديمي.
قدمت دراسة لماتيلد سابليه ماير وزملائها، نُشرت في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2021، مهمة مشابهة لقياس الحساسية لانتظام الأشكال. أظهر البشر تأثير الانتظام الهندسي، في حين لم يظهر لدى قردة البابون في ذلك الاختبار حتى بعد تدريب مطول.
لكن نتيجة 2021 لا تبرر القول إن قردة البابون تفتقر إلى الفهم الرياضي كله. وفي يوليو 2026 أعلنت جامعة كارنيغي ميلون نتائج تجربة مختلفة قدمت دليلاً على أن قردة البابون والمكاك تشارك الأطفال بعض الحدس الهندسي. توضح المقارنة أن نتيجة أي نوع تتأثر بالمهمة وطريقة عرضها، وأن دراسة الغربان تثبت قدرتها في اختبار الشكل الدخيل تحديداً.
هل يمتلك البشر احتكار مهارة تمييز الأشكال الفراغية؟
لا تأتي القدرة الهندسية منفردة. فقد بينت تجربة منشورة في مجلة ساينس عام 2024 أن غربان الجيف تستطيع إصدار عدد من النداءات يتراوح من واحد إلى أربعة استجابة لإشارات عددية، أي إنها تضبط عدد الأصوات التي تنتجها وفق المطلوب.
كما تستطيع الغربان التمييز بين وجوه بشرية مألوفة، وربط تلك الوجوه بخبرات سابقة. ووجدت تجارب أخرى أنها قادرة على تكوين تسلسلات متداخلة وفق نمط تكراري؛ ففي دراسة عام 2022 كان أداؤها مماثلاً لأداء الأطفال في المهمة وأفضل من أداء قرود المكاك.
تستطيع بعض أنواع الغربان كذلك صنع أدوات والاحتفاظ بالأداة المناسبة لاستخدام مقبل. وقد أظهرت غربان كاليدونيا الجديدة تخطيطاً لاستخدام أداة في حدث مستقبلي محدد، بينما اقترحت تجربة على الغربان المقنّعة أنها قد تدرك حجم أجسامها عند اختيار فتحة تستطيع المرور منها.
يريد الباحثون تحديد المناطق العصبية التي تتيح للغربان معالجة الانتظام الهندسي. فالطيور لا تمتلك قشرة مخية حديثة مرتبة بالطريقة نفسها الموجودة لدى الثدييات، مع أنها تنجز مهاماً ترتبط لدى البشر بالتفكير والوظائف المعرفية المعقدة.
توجّه أبحاث الدماغ الانتباه إلى العباءة الدماغية لدى الطيور وإلى دوائرها العصبية الكثيفة، بما فيها مناطق تؤدي وظائف تقارن بوظائف القشرة الحديثة لدى الثدييات من دون أن تطابق بنيتها. وقد يساعد تسجيل نشاط هذه الدوائر أثناء اختبار الأشكال في معرفة كيف يمثل دماغ الغراب الزوايا والتوازي والتماثل.
ويعتزم الفريق أيضاً اختبار «الانتظام الهندسي» لدى أنواع حيوانية أخرى، ومقارنة أدائها بأداء الغربان والبشر في المهمة نفسها، لمعرفة مدى انتشار هذه القدرة بين الفروع المختلفة من الحيوانات.
مصدر مرجعي