الأنوناكي بين الواقع والخيال في التراث العراقيّ
لا يخفى على عشاق التاريخ مدى عمق وثراء التراث العراقيّ وتعدّد حضاراته على مرّ تاريخه الضارب في القدم، سنعود في هذه المقالة 5000 سنةٍ إلى الماضي .. إلى صفحة من صفحات التراث العراقيّ المنسيّة، ونسبح في عالمٍ من الأفكار التي تتأرجح بين الحقيقة والخيال لتثير عاصفةً من التساؤلات داخل العقول. سنتحدّث اليوم عن ... الأنوناكي.
قراءة مقترحة
لا يخفى على عشاق التاريخ مدى عمق وثراء التراث العراقيّ وتعدّد حضاراته على مرّ تاريخه الضارب في القدم، سنعود في هذه المقالة 5000 سنةٍ إلى الماضي .. إلى صفحة من صفحات التراث العراقيّ المنسيّة، ونسبح في عالمٍ من الأفكار التي تتأرجح بين الحقيقة والخيال لتثير عاصفةً من التساؤلات داخل العقول. سنتحدّث اليوم عن ... الأنوناكي.
الأنوناكي هم مجموعةٌ من الآلهة التي ورد ذكرها في بعض الكتابات العراقية القديمة من العصور السومريّة والأكاديّة والأشوريّة والبابلية التي عاشت بأرض العراق قديمًا، وينتمون إلى مجموعةٍ يطلق عليها اسم آلهة "البانثيون" السومريّة، وهي مجموعة آلهةٍ ترتبط مع بعضها بأحداثٍ تاريخيّةٍ وطقوسٍ معيّنةٍ، كما أنهم يُعرّفون بأنهم أبناء إله السماء " آنو" وإلهة الأرض "كي"، وتعني حرفيًّا: أبناء أو أتباع الإله "آنو" وتعني أيضًا: أبناء السلالة الملكيّة من الإله "آنو"، ويقال أنهم الجيل الأوّل من الآلهة التي تمّ نفيها وهزيمتها من قبل الآلهة الصغار. تمّ ذكر مصطلح الأنوناكي لأوّل مرّةٍ في النقوش المكتوبة في عهد أحد أشهر الملوك السومريّين القدماء، الملك "غوديا" الذي حكم بين عامي 2144 ق.م و 2124 ق.م في مدينة "لجش". وصفت النصوص السومريّة الأولى الأنوناكي بأنهم أقوى وأهم الآلهة في "البانثيون" السومريّ، وشمل الأنوناكي الآلهة السبعة الذين يقرّرون وهم: "آن" و "إنليل" و "إنكي" و "نينهورساغ" و "نانّا" و "أوتو" و"إنانّا".
تتباين نصوص التراث العراقيّ السومريّ في تصوير عدد الأنوناكي وأدوارهم؛ فهي تذكرهم أحيانًا كسبعة آلهة يقرّرون مصير البشر، وتعرضهم في سياقاتٍ أخرى بصورةٍ أوسع لا تحصر أسماءهم جميعًا.
| السياق | العدد أو الوصف | الدور المذكور |
|---|---|---|
| النصوص السومريّة | الآلهة السبعة | يقرّرون مصير البشر على الأرض ويجلسون أمام عرش "إريشكيجال" ليحكموا على الموتى |
| عصر الحيثيّين | اثنا عشر إلهًا | تمّ اعتبارهم بهذا العدد في مرحلةٍ لاحقة من التراث |
| نصوص تراثيّة أخرى | غير محصورين بالكامل | ورد ذكر العديد من الأنوناكي خارج العالم السفليّ دون جمع كل الأسماء في قائمةٍ نهائيّة |
| قصيدة "إنكي والنظام العالميّ" | آلهة سماويّة ذات قوى هائلة | كرّموا "إنكي" وغنّوا ترانيم الثناء على شرفه، وذُكر أنهم "يقرّرون مصير البشريّة" |
كان يُنظر إلى كل إلهٍ رئيسيٍّ في البانثيون السومريّ تقريبًا على أنّه يحمي مدينةً معيّنةً، لذا انتظر منه الشعب أن يحمي مصالح تلك المدينة، وكان لكل إلهٍ منهم هيكلًا يقيم فيه بشكلٍ دائمٍ داخل كل مدينةٍ، كما تذكر النصوص أن مدينة "إريدو" مثلًا يسكنها خمسين من الأنوناكي. أمّا في مدينة "إنلد" التي توجد في العالم السفلي حسب المعتقد السومري، فيوجد بها سبعةٌ من الأنوناكي يعملون كقضاةٍ، حيث تمّت محاكمة "إنانا" أمامهم عقابًا لها على محاولة الاستيلاء على العالم السفليّ ، وتمّ اتّهامها بالغطرسة وحُكِم عليها بالإعدام.
من يخشى الأنوناكي .. يمدّ عمره"
هذه قطعة من ترنيمةٍ بابليّةٍ قديمةٍ تشير إلى تقديس البابليّين القدماء للأنوناكي، كما ترسم النصوص الأكاديّة في 1531 ق.م صورًا للأنوناكي "إنانّا" وهي تنزل إلى العالم السفليّ، وتصوّر بقيّة الأنوناكي على أنّهم آلهة العالم السفلي. في قصيدةٍ أكاديّةٍ مختصرةٍ مكتوبةٍ في أوائل الألفية الثانية عن الأنوناكي "إنانّا"، علّقت "إريشكيغال" ملكة العالم السفليّ بأنها تشرب الماء مع الأنوناكي، وفي وقتٍ لاحقٍ في نفس القصيدة، أمرت "إريشكيغال" الخادم المدعو "نامتار" بجلب الأنوناكي من مدينة "إيغالجينا" كما أمرت الخدم بتزيين عتبات سلم العرش بالشعب المرجانيّة الملوّنة.
ارتبطت الآلهة الرئيسيّة في الأساطير السومريّة بأجرامٍ سماويّةٍ محددّةٍ، وكان يعتقد أن "إنانا" هي كوكب الزهرة، كما كان يعتقد أن "أوتو" هي الشمس و "نانّا" هي القمر. تمّت نسبة كل مجموعةٍ من المدارات أو النجوم إلى أنوناكي معيّنٍ، فنُسب "آنو" إلى السماء الاستوائيّة ونُسب "إنليل" إلى السماء الشماليّة و"إنكي" إلى السماء الجنوبيّة، وكان مسار مدار "إنليل" السماويّ مستمرًّا كدائرةٍ متماثلةٍ حول القطب السماويّ الشماليّ، ولكن يعتقد أن دائرتي "آنو" و"إنكي" تتقاطعان في نقاطٍ مختلفةٍ.
اعتقدت شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة أن آلهتهم تعيش في السماء، وأن تمثال الإله كان تجسيدًا ماديًّا للإله نفسه؛ لذلك ارتبطت العبادة برعاية التمثال والمعبد وطقوس النقل والحضور الرمزيّ في الحرب وتجمّع الآلهة.
كان يُعتقد أن معبد الإله هو مكان الإقامة الحرفيّ لذلك الإله.
تم تعيين مجموعةٍ من الكهنة لرعاية تماثيل العبادة؛ فكانوا يلبسونها ويقيمون المأدبات أمامها.
حُفظت قوارب وصنادل كاملة الحجم داخل المعابد لاستخدامها في نقل تماثيل الآلهة على طول الممرّات المائيّة خلال المهرجانات الدينيّة.
كان لدى الآلهة عرباتٌ تُستخدم أحيانًا لنقل تمثال عبادة الإله إلى موقع المعركة حتى يتمكن الإله من مشاهدة المعركة.
كان يُعتقد أن الآلهة الرئيسيّة، ومن ضمنها الأنوناكي، تشارك في "تجمّع الآلهة" لاتخاذ القرارات، بوصفه نظيرًا إلهيًّا للنظام التشريعيّ شبه الديموقراطيّ في عهد الأسرة الثالثة في أور.
تمّ ذكر الأنوناكي بشكلٍ رئيسيٍّ في نصوص التراث العراقيّ الأدبيّة، ولم يتم اكتشاف سوى القليل جدًّا من الأدلّة التي يمكن أن تثبت حقيقة وجود أيّة طائفةٍ منهم، ونقول طائفةً لأن كل عضوٍ من الأنوناكي كانت لديه طائفته الفرديّة، وبالمثل، لم تكتشف حتى الآن أيّة بياناتٍ عن أنوناكي كمجموعةٍ كاملةٍ، على الرّغم من تحديد بعض الصور لاثنين أو ثلاثة أعضاءٍ فرديّين معًا. كانت الآلهة في بلاد ما بين النهرين القديمة مجسّمةً بشكلٍ فرديٍّ في معظم الأحيان، وكان يُعتقد أنها تمتلك قوًى غير عاديّةٍ وغالبًا ما كان يُنظر إليها على أنها ذات حجمٍ ماديٍّ هائلٍ. كانت الآلهة ترتدي "الميلام" عادةً، وهي مادةٌ غامضةٌ ومخيفةٌ تغطّي أجساد الانوناكي، كما يمكن أن يرتدي "الميلام" أيضًا الأبطال والملوك والعمالقة وحتى الشياطين. يسمى تأثير رؤية الإنسان لـ"الميلام" بوصف "ني"، وتعني الوخز الجسديّ. كانت الآلهة تصوّر دائمًا وهي ترتدي قبّعاتٍ ذات قرنين، تتكوّن من سبعة أزواجٍ متراكبةٍ من قرون الثيران، كما تمّ تصويرها أحيانًا وهي ترتدي ملابس بها زينةٌ ذهبيّةٌ وفضيّةٌ متقنةٌ مخيطةٌ فيها.
في عام 2018م، عرض الكاتب التركيّ "شفق جوكتورك" في كتابه المكتوب باللغة الإنجليزية بعنوان: "Anunnaki Theory Authenticated With a New Twist: Historical Evidence of Anunnaki Presence" أطروحةً تربط الأنوناكي بأرض العراق وبفكرة كائناتٍ فضائيّة متطوّرة، مستندًا إلى مصادرٍ متنوّعة وإلى قراءة خاصة للنصوص والآثار.
جمع الكاتب أدلّته حول الأنوناكي في أكثر من مسار، ثم ربط بينها وبين سرّ القفزة العلميّة الهائلة التي حدثت في العقود الأخيرة من عمر البشريّة.
الألواح المسماريّة ونيبيرو
اعتمد على بعض الألواح الأثريّة القديمة المدوَّنة بالخطّ المسماريّ، والتي تتحدّث حسب قوله عن مجيء الأنوناكي من كوكب "نيبيرو".
المصادر الدينيّة
استند أيضًا في استنتاجاته إلى بعض الآيات القرآنية وبعض المصادر التوراتية والإنجيليّة.
المؤرّخون القدامى
أعاد صياغة بعض المقولات الأثرية لمشاهير المؤرّخين أمثال "هيرودوت" و"بيريسوس".
الإلهة إنانّا
خصّص كتابًا آخر سمّاه " الإلهة إنانّا"، وهي إحدى الأنوناكي المعروفة بتمرّدها ونزولها إلى العالم السفليّ وتعرّضها للموت ثم عودتها إلى الحياة.
لم يكن الكاتب " شفق" أوّل من تكلّم بخصوص نظريّة المؤامرة حول حقيقة الأنوناكي، بل سبقه الكثيرون في هذا الأمر من أمثال "إيريك فون دينيكن" الذي ألّف كتابًا بعنوان: "عربات الآلهة" عام 1968م ليطرح نفس الأطروحة، كما كتب أيضاً "زكريّا سيتشن" كتاب أسماه "الكوكب الثاني عشر" كمحاولةٍ لإثبات نظريّة مجيء الأنوناكي من كوكب "نيبيرو"، وألّف "ديفيد آيك" وغيره كتبًا مماثلةً فنّدوا فيها أدلّةً وبراهين لإثبات حقيقة وجود الأنوناكي وأنهم ليسو من البشر. ويظلّ أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة فيما يخصّ الأنوناكي هم أهل العراق، فهم أدرى بتاريخهم من غيرهم، ولعلّهم يحسمون الخلاف بكتبٍ تؤرخ لهذه المرحلة بشكلٍ علميٍّ ليظهر للعالم حقيقة الأنوناكي بغض النظر عن ماهيّتهم فالعراق تظلّ أرضها صاحبة أعظم الحضارات على مرّ التاريخ سواء كان الأنوناكي من وحي الخيال أم كانوا بشراً أو حتى كائناتٍ فضائيّة.