لتغيير حياتك، تعلم كيف تثق بنفسك في المستقبل

أن تكون إنسانًا أمر صعب. نحن نعرف أنواع الاختيارات التي يتعين علينا اتخاذها، ونعتزم اتخاذها بكل جدية، ولكن عندما يحين الوقت، لا نفعل ذلك. نريد إنقاص وزننا، لكننا نأكل الحلويّات. نريد أن نستعيد لياقتنا، لكننا لا نتحرك عن الأريكة. نريد توفير المال، لكننا نشتري تذكرة طائرة إلى إيطالية. ومن المضحك أن العلماء لا يستطيعون الاتفاق على سبب ذلك. الفكرة السائدة في علم النفس والثقافة الشعبية على حد سواء هي أن جزءًا من دماغنا عقلاني ويعرف ما هو جيد بالنسبة لنا، وجزءًا آخر مندفع ويريد أشياء سيئة. وهذان الجزأان يتصارعان باستمرار، وفي النهاية يتعب الجزء العقلاني ويستسلم. إنها صورة محبطة، ولكن ما لم تسمع به ربما هو أنه في السنوات الأخيرة ظهر نموذج منافس من مجال دراسات الإدمان. في هذا المفهوم، لا يحتوي العقل البشري على جزأين متحاربين، بل على نظام موحد يعطي الأولوية لخيارات المكافأة الفورية على تلك التي تؤتي ثمارها لاحقًا. الصراع إذن ليس بين الخير والشر، بل بين المستقبل والحاضر. والأمر المثير في هذه الطريقة في النظر إلى الأشياء هو أن هذا لا يفسر فقط سبب تمكن بعض الأشخاص من الفوز في المعركة ضد الإغراءات، بل إنه يمنح بقيتنا أيضًا استراتيجية لكيفية فعل الشيء نفسه.

قراءة مقترحة

ضبط النفس:

صورة من unsplash

تقدّم تجربة الحلوى الشهيرة نقطة البداية لفهم ضبط النفس: بدا الأمر أولًا كأنه اختبار لقوة إرادة ثابتة، ثم أصبح لاحقًا سؤالًا عن الطريقة التي يقيّم بها العقل المكافآت القريبة والبعيدة.

مسار تجربة الحلوى وتفسيرها

أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات

أُعطي أطفال في سن 4 سنوات خيارًا بين قطعة حلوى واحدة فورًا، أو قطعتين بعد خمس عشرة دقيقة.

بعد سنوات

عندما فُحص المشاركون لاحقًا، وجد الباحثون أن الذين انتظروا كان أداؤهم أفضل في الحياة بكل المقاييس، فاستنتجوا أنهم يمتلكون قوة إرادة.

لاحقًا

لم يجد علماء لاحقون دليلًا على فكرة استنزاف قوة الإرادة مثل العضلات، ما أدى إلى استبعاد هذا التفسير.

ما هي قوة الإرادة؟

إذا لم تكن عضلة، فما هي؟ تعود جذور الإجابة البديلة إلى دراسات أُجريت في الفترة نفسها على طيور الحمام، اتّضح بنتيجتها أنّ الحمام يفضّل المكافأة الكبرى عندما تكون المكافأتان بعيدتين، ولكنه يختار الصغرى عندما تكون قريبة. 

تخيل أنك تمشي، وعلى مسافة بعيدة ترى شجرة عند سفح جبل. تبدو الشجرة أصغر من الجبل. ولكن عندما تقترب من الشجرة، فإنها تبدأ في التضخّم بشكل أسرع من الجبل، حتى يصبح الاثنان بنفس الحجم في النهاية. ثم تتحول النسبة؛ فعندما تقترب منها أكثر فأكثر، تبدو الشجرة أكبر فأكبر، إلى أن تصبح هي كل ما تراه، عندما تصل إلى جوارها. 

أدرك العلماء أن البشر يغيرون رأيهم بنفس الطريقة، وتنقلب أولوياتهم. لنفترض أنك تريد أن تستيقظ في الخامسة صباحًا للدراسة. ينطلق المنبه، ولكن الظلام دامس فتجد نفسك تنزلق مرة أخرى إلى حضن الوسادة الجميل. بالطبع، عندما تكون الوسادة المريحة على بعد بضع سنتيمترات فقط، تكون قيمة مكافأتها ضخمة مقارنة ببديلتها البعيدة وهي الامتحان. فتختار المكافأة الصغرى لأنها قريبة. 

ولكن على الرغم من هذا الانقلاب في الأولويات، إلّا أننا لسنا مجبرين على الاستسلام للإغراء، وهناك طريقة للرد. على عكس الحمام، يتمتع البشر بالقدرة على التنبؤ بالمكافآت المستقبلية - ليس فقط واحدة، ولكن سلسلة منها تمتد إلى المستقبل. عندما تكافح من أجل النهوض من السرير مبكرًا، فإن المفاضلة في الواقع ليست بين لحظة واحدة من الاستسلام للإغراء، ولحظة واحدة من الرضا المستقبلي. إنها بين لحظة من الاستسلام الآن مقابل سنوات عديدة ستقضيها في الاستمتاع بمهنة ناجحة. ما عليك فعله إذن هو إسقاط نفسك عقليًا في المستقبل حتى تتمكن من تجربة الرضا عن مكافآت الغد، اليوم. ومن المثير للاهتمام أن الباحثين وجدوا أن الأشخاص الذين يتعاطفون بقوة مع ذواتهم المستقبلية هم أفضل في ضبط النفس. والقدرة على أن نتخيّل أنفسنا في المستقبل، تشابه القدرة على إدراك العواقب الإيجابية والسلبية لقراراتنا.

ولكن للوصول إلى هذه القدرة هناك عقبة كبيرة يجب التغلب عليها، وهي الثقة. عندما أحاول النهوض من السرير للعمل أو للدراسة، أنجح عندما أتخيّل كل الفوائد المستقبلية لعملي أو لدراستي. لكنني لن أحصل على هذه الفوائد إلا إذا واصلت الاستيقاظ مبكرًا. فإذا لم أؤمن حقًا بأنني سأتمكن من الاستمرار في مقاومة الإغراء، وإذا اعتقدت أنه قد ينتهي بي الأمر بالسقوط والضغط على زر الغفوة غدًا أو في اليوم التالي، لن أستطيع تخيّل تلك المكافآت المستقبلية، لأنها لن تصل أبدًا. أما إذا وثقنا بأنفسنا بدرجة كافية بحيث نعتقد أننا لن نستسلم للإغراء، فإن هذا الإغراء لن يكون خيارًا متاحًا فعليًا، وسنتوقف عن الرغبة فيه. للتغلب على الإغراءات وتحقيق التغيير، نحن بحاجة إلى تبديد ضباب الشك الذاتي وتنمية الثقة في سلوكنا المستقبلي.

ولكن كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟ 

إذا كنت تعتقد أنه يمكنك زيادة ثقتك نفسك عن طريق التلفّظ بتأكيدات أمام المرآة، فكّر مرة أخرى. لقد وجدت الدراسات أنه على مستوى اللاوعي، فإن الطريقة التي نشكل بها معتقداتنا عن أنفسنا لا تتعلق بما نقوله أو حتى بما نفكر فيه، بل بما نرى أنفسنا نفعله فعلاً. أي أننا إذا أردنا تغيير معتقداتنا، علينا أولاً تغيير سلوكنا. 

لكن هذا متناقض. من أجل تغيير سلوكك، عليك أن تثق بنفسك. لكنك لن تثق بنفسك إذا كان كل ما رأيته في الماضي سلوكًا غير جدير بالثقة. الحلّ هو التوقف عن القلق بشأن السلوك والتركيز على الثقة. والطريقة للقيام بذلك هي من خلال العملية التالية المكوّنة من خطوتين:

الخطوة الأولى: اختر قاعدة بسيطة لنفسك، قاعدة بسيطة جدًا وواضحة جدًا بحيث لا يمكن أن تفشل.

الخطوة الثانية: تأكد من اتباع الخطوة الأولى.

الفكرة ليست بناء عادة دفعة واحدة، بل إنشاء نمط من الأدلة يلاحظها دماغك: تبدأ بسلوك صغير للغاية، ثم تستخدم المصداقية التي تراكمها للانتقال إلى أهداف أكثر طموحًا.

من قاعدة صغيرة إلى هوية مستقرة

في البداية

يبدو الهدف صغيرًا جدًا حتى يكاد يكون عديم الفائدة: مثل ضبط المنبه مبكرًا خمس دقائق فقط.

بعد التراكم

تتحول الخمس دقائق إلى عشر، ثم خمس عشرة، حتى يصبح الاستيقاظ في الخامسة صباحًا مرحلة بسيطة ضمن مشروع صار جزءًا من الهوية.

والشيء المثير للاهتمام في هذه العملية هو أنه على الرغم من أن العلم الذي تقوم عليه جديد، إلا أن التقنية نفسها كانت موجودة منذ سنوات، فهي ليست معقّدة حتى إن الناس يتعثرون عليها من تلقاء أنفسهم.

كثيرون شعروا بأنهم محاصرون بسبب سلوكهم، ولكنهم تمكنوا من التحرر. ولم يفعلوا ذلك من خلال تعلم عادات جديدة، بل من خلال تعلم تغيير ما يريدون. هذه الطريقة الجديدة للنظر إلى ضبط النفس تسمح لنا بالأمل. تخيل حالة من الوجود يمكننا فيها أن نعيش الحياة بالطريقة التي نريدها دون صراع، والتغيير نحو الأفضل، للأبد.