نشأ كثيرون على حكايات السندباد وعلي بابا والأربعين حرامي وعلاء الدين والمصباح السحري، لكن كتب التراث والحكايات العربية تضم مخلوقات أقل شهرة. من بينها النسناس، وهو كائن بنصف جسد يقفز على قدم واحدة؛ والقطرب الذي جمع بين صورة الغول ووهم التحول إلى ذئب؛ وباهموت، السمكة الهائلة التي حملت الأرض في بعض الروايات الكونية.
عرض النقاط الرئيسية
قد يوحي الاسم أولا بالنسناس المعروف، وهو نوع من القرود، إلا أن المخلوق المقصود في الحكايات العربية مختلف تماما. تصفه الروايات بنصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، ويتحرك بقفزات شديدة وينقض على البشر ويقتلهم. وقد ورد ذكره في قصص قديمة، من أشهرها حكايات ألف ليلة وليلة.
يروي جواد علي في كتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» خبرا عن قوم يدعون وبار، جاء فيه أنهم «من ولد النسناس بن أميم بن عمليق بن يلمع بن لاوذ بن سام، كانوا في الأصل بشرا، فجعلهم الله نسناسا، للرجل منهم نصف رأس ونصف وجه، وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، وصاروا يرعون كما ترعى البهائم، ويقفزون قفزا شديدا ويعدون عدوا منكرا».
قراءة مقترحة
ولا تنفرد الحكايات العربية بصورة البشر ناقصي الخلقة. ففي القرن الخامس قبل الميلاد أورد هيرودوت، في الكتاب الرابع من «التواريخ»، ما نقله الليبيون عن رجال بلا رؤوس تقع عيونهم في صدورهم. وبعد أكثر من أربعة قرون ذكر بليني الأكبر قبيلة بليميس في «التاريخ الطبيعي»، ووصف أفرادها بأن أفواههم وعيونهم في صدورهم. تتشابه هذه الصورة مع النسناس في غرابتها، وإن كانت المصادر تسمي مخلوقات مختلفة وتضعها في أماكن مختلفة.
وتحفظ المعاجم العربية وصفا أوضح لحركته. فقد ورد في «تاج العروس»: «النسناس... جنس من الخلق، يثب أحدهم على رجل واحدة، كذا في الصحاح». وينقل المعجم أيضا خبرا بصيغة الحديث عن حي من عاد عصوا رسولهم فمسخوا نسناسا، «لكل إنسان منهم يد ورجل من شق واحد ينقزون كما ينقز الطائر ويرعون كما ترعى البهائم، ويوجد في جزائر بحر الصين».
وفي رواية أخرى تعود إلى الموروث العربي قبل الإسلام، يكون النسناس من نسل تزاوج البشر مع نوع من الشياطين يدعى «الشق»، وتمنحه الحكاية القدرة على قتل البشر. ووصف القزويني الشق بقوله: «هو من المتشيطنة، صورته صورة نصف آدمي، ويزعمون أن النسناس مركب من الشق ومن الآدمي، ويظهر للإنسان في أسفاره».
ظهر القطرب في الخرافات الشعبية المنسوبة إلى العرب قبل الإسلام على هيئة وحش يشبه الذئب، وينتمي إلى الشياطين أو الجن. يعيش في المقابر ويتغذى على جثث الموتى، فتقترب صورته من الغول. وينسب إدوارد لين، مترجم ألف ليلة وليلة إلى الإنجليزية، اسم القطرب إلى ذكر الغول؛ وهو استعمال تناقشه أيضا دراسة أحمد خالد الراوي عن تحول صورة الغول العربي في الثقافة الغربية.
وتروي نسخة أخرى أنه كان إنسانا طبيعيا، ثم حولته عضة غائرة من ذئب مسعور إلى وحش منعزل. عندما يحل الليل ويكتمل القمر، يكسو الشعر جسده وتظهر أنيابه، ثم يخرج لأكل لحوم البشر. هذه هي صورة المستذئب المعروفة في الحكايات: تحول جسدي مرتبط بالليل والقمر، لا مجرد حيوان يعيش في المقابر.
انتقل الاسم كذلك إلى وصف متلازمة نفسية نادرة تسمى الليكانثروبي السريري (Clinical Lycanthropy). وتعرفها مراجعة طبية منشورة في دورية فرونتيرز إن سايكياتري بأنها اعتقاد وهامي لدى المصاب بأنه يتحول إلى ذئب أو تحول إليه بالفعل. ويرد في التراث الطبي أن أبا بكر محمد الرازي وصفها في أوائل القرن العاشر على أنها اضطراب في الدماغ أو ذهان، ورأى فيها نوعا من الجنون يدفع الإنسان إلى التصرف مثل الذئب، لا تحولا جسديا حقيقيا.
وتكلم علماء عرب، منهم ابن سينا والزهراوي، عن حالات ارتبطت بكثافة الشعر والخوف من الضوء وأطلق عليها اسم القطرب. وتلتقي هذه الأوصاف مع أكثر من حالة طبية، ولذلك يلزم التفريق بين الوهم النفسي وبين الأعراض الجسدية. فالليكانثروبي اعتقاد بالتحول، أما فرط الشعر، المعروف أحيانا باسم متلازمة الرجل الذئب، فهو نمو مفرط للشعر قد يغطي الوجه والجسم.
أما البورفيريا فهي مجموعة اضطرابات نادرة ترتبط بخلل في مسار تكوين الهيم في الجسم. وتوضح المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية أن بعض أنواعها الجلدية تسبب حساسية للضوء وبثورا وهشاشة في الجلد عند التعرض للشمس. وقد ربطت روايات شائعة بينها وبين صورة الرجل الذئب، ووصفت في حالات نادرة أظافر طويلة وبروز الأنياب واحمرار العينين وتجعد البشرة وعدم تحمل ضوء الشمس.
باهموت مخلوق أسطوري ظهر في الأساطير العربية المنسوبة إلى الجاهلية قبل الإسلام. عرف على هيئة سمكة عملاقة تسكن أعماق المحيطات، وتصور العرب القدماء أنها تحمل الأرض على ظهرها. وفي ترقيم طبعة ريتشارد برتون من ألف ليلة وليلة، تظهر الحكاية في الليلة 496: حوت خلق الله تحته بحرا عظيما، وفوقه صخرة، بينما يحمل ملك من الملائكة الأراضي السبع على كاهله.
وتروي الحكاية أن الله أعلم النبي عيسى بهذا الحوت، فطلب عيسى أن يراه. أمر الله ملكا أن يأخذه إلى البحر، ولما مر الحوت أمامه كالبرق أغشي عليه. وحين أفاق جاءه السؤال: «يا عيسى، هل رأيت الحوت؟ وهل علمت طوله وعرضه؟» فأجاب: «وعزتك وجلالك يا رب ما رأيته، ولكن مر علي نور عظيم قدره مسافة ثلاثة أيام، ولم أعرف ما شأن ذلك النور».