المدن الإسلاميّة الماضية لا تسكن في الزمن القديم فحسب. بل تنبض بالحاضر. فيما يلي نُدرج 9 مدن من مختلف أنحاء العالم، ونمنحك لمحة عن أمجاد الماضي وهدوء الحاضر.
الدخول إلى هذه المدن هو الشروع في رحلة آسرة عبر الزمن. شاهد فنّ الخطّ العربيّ المتشابك الذي همس بالصلوات منذ قرون مضت، وتعجّب من الابتكارات المعماريّة التي تحدّت الجاذبية، وانغمس في النسيج النابض بالحياة من اللغات والعادات التي لا تزال تزدهر.
علاوة على ذلك، استكشف المعروضات التفاعليّة التي تسدّ الفجوة بين القطع الأثريّة التاريخيّة والحياة العصريّة، وشارك في ورش العمل التي ينظّمها علماء وفنّانون مشهورون، ما يعزّز الحوار والتفاهم بين الأجيال. اكتشف الأمكنة الصاخبة التي يعرض فيها ممارسو الحرف القديمة مهاراتهم، ويبتكرون روائع معاصرة تعكس التقنيّات الخالدة.
قراءة مقترحة
إنّها قصة حيّة للماضي. من الكنوز القديمة إلى أشكال التعبير عن الإيمان، المعاصرة والنابضة بالحياة.
في قلب آسيا الوسطى، حيث تصبغ الشمس الصحراء بلون مصفرّ دافئ، تقع بخارى. القوافل المحمّلة بالحرير والتوابل ولدت قلب بخارى المتاهيّ. الأزقّة المشمسة تستحمّ برائحة الخبز المسطّح الطازج، ويختلط دفؤها بأحلام الأراضي الغريبة.
بوقوعها على طريق الحرير، عملت المدينة لفترة طويلة كمركز للتجارة والمنح الدراسيّة والثقافة والدين. كانت بخارى عاصمة الإمبراطوريّة السامانيّة وخانيّة بخارى وإمارة بخارى.
بخارى هي واحدة من أفضل المدن الإسلاميّة التي تمّت المحافظة عليها جيّداً في آسيا الوسطى ما بين القرنين العاشر والسابع عشر، مع نسيج عمرانيّ ظلّ سليماً إلى حدّ كبير، ويرجع ذلك أساساً إلى التخليّ عن المدينة بعد سيطرة الاتّحاد السوفيتيّ.
بخارى لا تبدو كوجهة فحسب، بل كبوابّة إلى عصر آخر. هنا، التاريخ ليس معرضاً متحفيّاً، إنّه حيّ في كل فسيفساء معقدّة، وكل ممرّ متهالك، وحكايات تهمس عن الغزاة الفاتحين والشعراء الصوفيّين الغامضين.
ترتفع جيروكاستر من قاع الوادي، مثل تاج متحدٍّ فوق التلال الصخريّة. ظلالها التي تشبه الحصن هي شهادة على مدينة غارقة في التحدّي والجمال. تتمايل الشوارع المرصوفة بالحصى عبر المنازل العثمانيّة المزيّنة بأعمال حجريّة دقيقة وتقف جنباً إلى جنب مع الكنائس البيزنطيّة التي تهمس بصلوات منسيّة.
ممزوجة برائحة الفليفلة المشويّة والقهوة التركيّة، هيا بنا نلج إلى هذه المدينة الواقعة في جنوب ألبانيا.
تجمع جيروكاستر بين توسّع عثمانيّ سريع وتراث موسيقيّ ومعماريّ محفوظ، من القلعة إلى السوق والمسجد والبيوت المصنّفة آثاراً ثقافيّة.
| العنصر | التاريخ أو الرقم | الدلالة |
|---|---|---|
| التحوّل الحضريّ | من القرن السادس عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر | تحوّلت من مدينة ذات أغلبيّة مسيحيّة إلى مدينة ذات أغلبيّة مسلمة في سياق التوسّع العثمانيّ. |
| مهرجان الفولكلور الوطنيّ | انطلق عام 1968 ويقام كل خمس سنوات | يعكس حضور الغناء متعدّد الألحان الألبانيّ واليونانيّ في رحاب قلعة جيروكاستر. |
| السوق العثمانيّ القديم | بُني في الأصل في القرن السابع عشر | يبقى أحد ملامح المدينة العثمانيّة القديمة. |
| البيوت المحفوظة | أكثر من 500 منزل | محفوظة اليوم باعتبارها "آثاراً ثقافيّة". |
| مسجد جيروكاستر | بُني عام 1757 | يهيمن على السوق العثمانيّ القديم. |
كاشغار، واحة مشتعلة بألوان الرمّان وأصوات الصنج. تحت أنظار قمم كونلون المغطّاة بالثلوج، تقع المدينة الواقعة في أقصى غرب الصين، بالقرب من حدود البلاد مع قيرغيزستان وطاجيكستان.
لأكثر من 2000 عام، كانت كاشغار واحة ذات أهميّة استراتيجيّة على طريق الحرير بين الصين والشرق الأوسط وأوروبّا. وهي واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم.
عند نقطة التقاء الثقافات والإمبراطوريّات شديدة التنوّع، كانت كاشغار تحت حكم الإمبراطوريّات الصينيّة والتركيّة والمغوليّة والتبتيّة. كانت المدينة أيضاً موقعاً لعدد من المعارك بين مجموعات مختلفة من الناس في تلك السهوب.
يتميّز مطبخ الأويغور الشهير في كاشغار بمكوّنات مثل لحم الضأن المشويّ ولحم البقر، بالإضافة إلى أطباق الكباب والأرز. تقليديّاً، يتمّ تناول أطباق محدّدة مثل البيلاف بالأيدي بدلاً من أدوات مثل الملاعق والشوك أو عيدان تناول الطعام.
سمرقند، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، ومركز العمارة والتراث الإسلاميّ في آسيا الوسطى، هي مسقط رأس النهضة التيموريّة. وفي القرن الرابع عشر، جعلها تيمور عاصمة لإمبراطوريّته وموقع ضريحه.
يتمتّع تيمور بسمعة طيّبة باعتباره راعياً للفنون، وقد نمت سمرقند لتصبح مركزاً لمنطقة ما وراء النهر. التزام تيمور بالفنون شديد الوضوح، في تباين مع القسوة التي أظهرها لأعدائه، فقد أظهر الرحمة اتّجاه أصحاب القدرات الفنيّة الخاصّة.
أُنقذ الفنّانون والحرفيّون والمهندسون المعماريّون من القتل حتّى يتمكّنوا من تحسين وتجميل عاصمة تيمور.
ابن بطّوطة ـــــــ الذي زارها عام 1333 ـــــــ وصف سمرقند بأنّها "واحدة من أعظم وأرقى المدن، وأكملها جمالاً".
تمبكتو، المدينة التي طالما ارتبط اسمها بالغموض والمغامرة، تقع على بعد عشرين كيلومتراً (12 ميلاً) شمال نهر النيجر في مالي.
في عصرها الذهبيّ، لم تكن تمبكتو مدينة تجاريّة فحسب؛ بل صارت مركزاً للعلم والمخطوطات والفنون، ثم غذّت حكاياتها خيال أوروبا قبل أن تبقى مساجدها الكبرى شاهدة على تاريخها.
ساهم علماء المدينة المسلمون، إلى جانب شبكة التجارة الواسعة، في دعم تجارة كتب هامّة وجعل تمبكتو مركزاً علميّاً في إفريقية.
كانت مكتبات تمبكتو مليئة بمخطوطات حول موضوعات متنوّعة، منها الدين والقانون والرياضيّات وعلم الفلك.
احتضنت المدينة مجتمعاً فنيّاً مزدهراً، وأنتج حرفيّوها أعمالاً جميلة تضمّ المنسوجات والمجوهرات والفخّار.
أثارت حكايات الكنوز الغريبة تكهّنات في أوروبا، ولا تزال مساجد دجينجاريبر وسانكور وسيدي يحيى قائمة شاهدة على تاريخها.
الإسكندريّة، لؤلؤة النيل، شابّة إلى الأبد، تتنفّس إيقاعها الخاصّ، ولحن الواجهات التي بيّضتها الشمس، والساحات المزدحمة، والرائحة العالقة للإمبراطوريّات المنسيّة.
الإسكندريّة هي ثاني كبرى مدن مصر وكبرى مدن ساحل البحر الأبيض المتوسّط. تأسّست المدينة في الأصل على مقربة من مستوطنة مصريّة، ونمت الإسكندريّة بسرعة، لتصبح مركزاً رئيساً للحضارة الهيلينيّة وحلّت محلّ ممفيس كعاصمة لمصر في عهد الفراعنة البطالمة الذين خلفوا الإسكندر.
وقد احتفظت بهذا الوضع لما يقرب من ألف عام، خلال فترة الحكم الرومانيّ والرومانيّ الشرقيّ حتّى الفتح الإسلاميّ لمصر عام 641 م، عندما تمّ تأسيس عاصمة جديدة.
تمّ افتتاح مكتبة الإسكندريّة عام 2002 تخليداً لذكرى مكتبة الإسكندريّة القديمة، التي كانت في يوم من الأيّام واحدة من كبرى المكتبات في العالم، والتي فُقدت في العصور القديمة. تحتوي المكتبة على مساحة رفوف تتّسع لثمانية ملايين كتاب، وتبلغ مساحة غرفة القراءة الرئيسة 20 ألف متر مربّع. كما يضمّ المجمّع مكتبات متخصّصة للخرائط والوسائط المتعدّدة والمكفوفين وضعاف البصر والشباب والأطفال.
8 ملايين كتاب
مساحة رفوف مكتبة الإسكندريّة الحديثة تتّسع لهذا العدد، في مجمّع يضمّ أيضاً غرفة قراءة رئيسة تبلغ مساحتها 20 ألف متر مربّع.
ولاية ملقا التاريخيّة، هي ولاية في ماليزيا تقع في المنطقة الجنوبيّة من شبه جزيرة الملايو، في مواجهة مضيق ملقا. مدينة ملقا، كانت في يوم من الأيّام عاصمة لسلطنة الملايو الإسلاميّة القائمة على شبه الجزيرة والتي تأسّست في أوائل القرن الخامس عشر، وهي تجسّد العالميّة اليوميّة في جنوب شرق آسيا.
تقع مدينة ملقا على بعد 148 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة الماليزيّة كوالالمبور وعلى بعد 247 كيلومتراً من سنغافورة.
تشتهر ملقا بتاريخها الفريد وهي واحدة من الوجهات السياحيّة الرئيسة في ماليزيا. بفضل موقع الدولة الاستراتيجيّ للغاية بالنسبة لطرق التجارة الدوليّة، كانت ملقا ذات يوم مركزاً تجاريّاً دوليّاً معروفاً في الشرق. استقرّ العديد من التجّار في ملقا، وخاصّة التجّار من شبه الجزيرة العربية والصين والهند، وكانوا يتاجرون في ميناء ملقا. ومن هناك ولد العديد من الأحفاد والقبائل الموجودة في ملقا حتّى يومنا هذا.
كان هناك تنوّع كبير في الأعراق والقوميّات منذ فترة طويلة في المجتمع المحليّ في ملقا، ما يعكس تاريخها. الماليزيّون والصينيّون والهنود وأعراق أخرى مثل الـ "بابا نيونيا" و"كريستانغ" و"تشيتي" و"الأوراسيّون" هي مجموعات عرقيّة هامّة تعيش في ولاية ملقا حتّى يومنا هذا.
بعد تدمير حلب، ربّما تكون فاس هي المدينة الإسلاميّة الوحيدة التي لا تحتفظ بطابعها الأصليّ وخصائصها الثقافيّة فحسب، بل لا تزال تعمل كمدينة حيّة ومزدهرة قابلة للحياة.
تحيط التلال بالمدينة القديمة، وتتمركز حول نهر فاس الذي يتدفّق من الغرب إلى الشرق. وقد أطلق على فاس لقب "أثينا أفريقيا". كما تعتبر فاس العاصمة الروحيّة والثقافيّة للمغرب.
تأسّست مدينة فاس في عهد الإدريسيّين عام 789 م، ومعظم سكّانها هم من المهاجرين العرب من إفريقية (تونس) والأندلس (إسبانية/البرتغال) الذين انتقلوا إليها في أوائل القرن التاسع، ما أعطى المدينة الناشئة طابعها العربي. في ظلّ حكم المرابطين، اكتسبت المدينة سمعة طيّبة في مجال العلوم الدينيّة والنشاط التجاريّ.
وصلت فاس إلى ذروتها في العصر المرينيّ (بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر)، واستعادت مكانتها كعاصمة سياسيّة. بُني وقتها العديد من المدارس والمساجد الجديدة، ولا يزال الكثير منها قائماً حتّى اليوم، بينما رُمّمت هياكل أخرى.
في عام 1276، أسّس السلطان المرينيّ أبو يوسف يعقوب المنطقة الإداريّة الملكيّة لفاس الجديدة، حيث لا يزال يوجد القصر الملكيّ (دار المخزن) إلى اليوم، مع إضافة حدائق واسعة فيما بعد.
أصبحت فاس وجهة سياحيّة ذات شعبيّة متزايدة، ويقوم العديد من غير المغاربة الآن بترميم المنازل التقليديّة ـــــــ من رياض ودور ـــــــ كمنازل ثانويّة في المدينة القديمة. في عام 1981، صنّفت اليونسكو مدينة فاس القديمة كموقع للتراث العالميّ، واصفةً إيّاها بأنّها "واحدة من أكثر المدن التاريخيّة اتّساعاً، وأفضلها صَوناً في العالم العربيّ الإسلامّي". وكانت أوّل موقع في المغرب يحصل على هذا التصنيف.
تُعرف كيرينيا باسم "جوهرة قبرص" وهي موطن لميناءٍ وقلعةٍ خلّابين، وهي مليئة بالفنادق والمرافق الترفيهيّة والحياة الليليّة النابضة بالحياة ومناطق التسوّق.
كانت كيرينيا والمناطق المحيطة بها تقليديّاً نقطة جذب لقضاء العطلات الشاطئيّة باعتبارها أرضاً بكراً. ويُنظر إلى مناخها المعتدل وتاريخها الغنيّ وطبيعتها على أنّها مصادر جذب. وقد تمّ تطوير قطّاع كبير من السياحة البيئيّة في الآونة الأخيرة، حيث يزورها السيّاح لمشاهدة الطيور وركوب الدراجات والمشي ومراقبة الزهور في البرّيّة. تستضيف شبه جزيرة كارباس التي تمّت المحفاظة عليها جيّداً، منطقة بافرا السياحيّة كمركز لروّاد الشاطئ، حيث شُيّدت فنادق فاخرة وكبيرة، بالإضافة إلى العديد من المرافق والمهرجانات المنتظمة التي تسلّط الضوء على صفاتها الريفيّة وتبرز التقاليد المحليّة.
قلعة "القنطرة" ذات العناصر المعماريّة البيزنطيّة والفرنجيّة ـــــــ والتي كانت بمثابة برج مراقبة لغارات القراصنة عند إنشائها ـــــــ تجذب الزائرين، إضافةً إلى مرسى بُني لاستضافة اليخوت والقوارب العالميّة، إلى جانب مرافق كبيرة.