الملوخية أكثر من مجرد أكلة

الملوخية هي أكلة مصرية شهيرة يعود أصلها إلى المصريين القدماء ثم انتشرت الأكلة إلى بعض البلاد العربية كالمغرب والجزائر. أساس هذه الأكل هو نبات من فصيلة الخبازيات وتستعمل أوراق هذا النبات في طهي الملوخية. تقدم هذه الأكلة في شكل حساء أخضر اللون.

من أين أتى اسم "الملوخية"؟

صورة من unsplash

تدور حكاية الاسم حول انتقال الملوخية من حساء ارتبط بحاكم فاطمي وعلية القوم إلى طعام يومي يأكله الجميع.

محطات تحول الاسم والمكانة

القرن العاشر الميلادي

مرض المعز لدين الله الفاطمي وشعر بتوعك في المعدة، فأوصاه أحد الأطباء بالملوخية.

بعد التحسن

أمر المعز بزراعة الملوخية في حديقته حتى يستطيع استعمالها متى شاء.

طعام علية القوم

قلد المعز أصدقائه وحاشيته فزرعوا الملوخية مثله، فاقتصرت على علية القوم آن ذاك.

من ملوكية إلى ملوخية

ذاع سيطها كطعام الملوك، ثم تغير الاسم عبر الزمان ولم تعد تقتصر على الملوك بل يأكلها الأغنياء والفقراء على حد السواء.

قراءة مقترحة

لماذا منعت الملوخية في وقت من الأوقات؟

يحكى أنه في عام 1005 وبالتحديد في عصر الفاطميين قام الخليفة الحاكم بأمر الله، أحد حكام مصر في ذاك الوقت وكان معروفاً عنه إصداره للأحكام الغريبة، بمنع تناول الملوخية. تكاثرت الأقاويل حول سبب هذا القرار. فيقال إنه منعها لأنها كانت أكلة قريبة إلى قلوب أهل الشام ومشهورة بينهم بينما كان الحاكم بأمر الله يكره معاوية، الخليفة الأموي. وفي رواية أخرى قيل إنها منعت لأنها اشتهرت بزيادة الشهوة الجنسية عند النساء مما تعارض مع طبيعة المجتمع في ذلك الوقت. ولكن هل للملوخية هذا التأثير بالفعل؟

فوائد الملوخية

في حقيقة الأمر لم تكن قصة حاكم مصر التي ساعدته الملوخية في تهدئة أوجاع معدته قصة أسطورية. تحتوي الملوخية على نسبة كبيرة من الألياف التي نظم الهضم وتخفف من أوجاع القولون العصبي. ومثل باقي الأوراق الخضراء، فإن أوراق الملوخية تحتوي على كمية كبيرة من الحديد الذي يقي من فقر الدم. تحتوي الملوخية أيضاً على البوتاسيوم وهو عنصر في غاية الأهمية بالنسبة إلى صحة القلب وضغط الدم.

كما ذكرنا أن نسبة الألياف العالية في أوراق الملوخية تساعد على صحة الجهاز الهضمي فإن هذه الألياف تساعد أيضاً على تقليل مستوى الكوليسترول الضار وبالتالي تساعد على صحة القلب، نظرياً...

طريقة طهي الملوخية

بعد ذكر كل هذه الفوائد لابد أن نستنتج أن الملوخية أكلة مفيدة للغاية، ولكم للمصريين إضافات أخرى وآراء أخرى. 

خطوات الطبخة التقليدية وسر القوام

1

غسل وخرط الأوراق

غسل وتجفيف أوراق الملوخية وخرطها بآلة المخرطة. (لقد اندثرت هذه الآلة بين الأجيال الجديدة التي تستعمل الملوخية المجمدة المخرطة مسبقاٍ)

2

الشوربة

تحضير شوربة من مرق الدجاج أو اللحم أو الطيور وإضافة أوراق الملوخية للشوربة.

3

اختبار "العرق"

القوام المثالي يظهر عندما توضع الملوخية في ملعقة وترفع لمسافة قصيرة عن الطبق؛ فإذا بقي خط سائل بين الملعقة والطبق فهذا دليل على وجود "العرق" المطلوب.

4

الطشة أو التقلية

هذه الخطوة هي الخطوة الأكثر خطورة، وفيها تحضر "الطشة" أو كما يسميها البعض "التقلية".

5

السمن والثوم والكزبرة

طشة الملوخية هي عبارة عن الزبدة أو السمن مع الثوم والكزبرة الناشفة، وهنا يقرر كل مصري ما إذا كان يريد فوائد الملوخية لصحة القلب أو إضافة كميات مهولة من السمن فيفقد هذه الفائدة!

ولأن الملوخية هي قصة وتجربة كاملة وليست مجرد أكلة شهية ذات قيمة غذائية مرتفعة، فبالطبع طريقة الطهي تبعد كل البعد عن العادية. تكاد تكون الملوخية هي الأكلة الوحيدة التي لها صوت. هذا الصوت هو "الشهقة".

شهقة الملوخية

الشهقة هو شهيق عميق يؤخذ بفم مفتوح وبصوت عال. هذه الشهقة هي من العادات المصرية التي لا تزال خالدة حيث إن المصريين يعتقدون أن الملوخية لا تكون لذيذة أبداً إلا إذا أصدر طاهيها صوت الشهقة عند إضافة الطشة إلى الملوخية.

وبالطبع لهذه الشهقة حكاية!

الأسطورة الأولى لسر الشهقة يعود إلى أحد قصور حكام مصر قديماً وكان يعرف عن ذلك الحاكم سرعة غضبه وأن تأخير الأكل يفقده أعصابه. وفي يوم من الأيام كان أحد الطهاة في القصر يعد الملوخية للملك وتأخر قليلاً ففتح أحد حراس الملك الباب بقوة ليستعجل الطاهي فشهق الطاهي من خوفه. يقال أن الملوخية في ذات اليوم كانت من أجمل المرات التي أكل فيها الملك الملوخية فأرجع من في القصر السبب إلى الشهقة لأنها الشيء الوحيد المختلف الذي حدث في ذلك اليوم لأنه كان نفس الطاهي يحضرها كل مرة و مستخدماً ذات الخامات؛ فقط أضاف الشهقة.

القصة الثانية تعود إلى امرأة عادية كانت تحضر الملوخية لأسرتها وعندما أمسكت الطاسة التي كانت قد حضرت بها الطشة لتنقلها إلى الملوخية مالت منها الطاسة وكادت أن تسقط فشهقت المرأة خوفاً ونجحت في استعدال الطاسة وأنقذت الطشة. وبالطبع كانت يومها الملوخية ألذ من أي يوم سبق؛ غالباً بسبب الشهقة!

منذ مئات السنين وإلى يومنا هذا ترفض الأمهات طهي الملوخية بدون الشهقة الشهيرة. أغلبهن لم و لن تغامرن أبداً و تجرب تحضيرها بدون الشهقة. حتى إن لم تؤثر على الطعم، لن يتنازل المصريون عن إرثهم من العادات اللطيفة التي تجعل للحياة في مصر مذاق خاص جداً.

هل تحضر الملوخية بنفس الطريقة في كل أنحاء مصر؟

مصر هي بلد كبير جداً مترامي الأطراف ولكل منطقة في مصر عاداتها، تقاليدها، لكنتها، وبالطبع ملوخيتها.

اختلافات الملوخية من الدلتا إلى النوبة

المنطقةطريقة التحضيرالملامح
القاهرة والإسكندرية والدلتاتحضر من الأوراق الخضراء المخرطة بالطريقة التقليدية.تعتمد على الأوراق الطازجة ذات اللون الأخضر.
الصعيدتستعمل أوراق الملوخية المجففة في الشمس.تصبح داكنة وتعطي طعماً مختلفاً تماماً عن الملوخية المحضرة بالأوراق الطازجة.
الصعيد: "شلولو"تحضر بدون حرارة مع الماء البارد مع إضافة الشطة الحارة والليمون.أكلة سهلة لا تحتاج إلى نار أو وقود أو أي معدات خاصة لتجهيزها.
النوبةلا يخرط أهل النوبة أوراق الملوخية ولكن يضيفون إليها البامية المجففة.تفرك بأداة نوبية أصيلة تسمى "المفراك".

كيف تقدم الملوخية؟

كما أن الملوخية تحضر بطرق مختلفة فهي أيضاً تقدم بطرق مختلفة. الملوخية هي أحب الأكلات لدى الأطفال المصريين وذلك ليس فقط لطعمها الشهي، ولكن لسهولة بلعها. من أكثر الأكلات المفيدة للأطفال والتي تحضرها الأمهات لأطفالهم بعد الفطام مباشرة هي الملوخية والأرز والأرانب حيث أن الملوخية تلتصق في الأرز و تقطع معهم لحم الأرانب لقطع صغيرة جداً فتصيح وجبة مفيدة و متكاملة بها كل العناصر الغذائية من بروتين و دهون و كربوهيدرات. 

أما عن "الشلولو" ولأنه أكلة سهلة كما ذكرنا، فتحضره المرأة الصعيدية في يوم الخبز لضيق وقتها. فيقدم طبق الشلولو البارد مع الخبز الشمسي الساخن الطازج. وكثير من المصريين يفضل "تغميس" الملوخية بالعيش بما يسمى ب "ودن القط" حيث يقطع جزء صغير من الخبز ويمسك مثل قرطاس صغير كودن القطة ليحتوي الملوخية.

الملوخية هي تراث شعبي مصري أصيل يجتمع على حبه الصغير والكبير، والغني والفقير. للملوخية، كما لأغلب الأشياء في مصر، قصص وأساطير وتاريخ وعادات وتقاليد، ولكن الأهم هو تجمع العائلات والجيران والأصدقاء حول هذا الطبق الغير العادي الذي يشهد أحاديث و قصص جديدة كل يوم منذ مئات الأعوام إلى اليوم متوجاً موائد المصريين.