غالباً ما يُشار، في الأفلام والبرامج التلفزيونية وفي الثقافة الشعبية، إلى فكرة أن التوتر يمكن أن يتسبب في تحول شعر الشخص إلى اللون الرمادي. أحد الأمثلة الشهيرة هو الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، الذي كان لديه شعر أسود عندما بدأ منصبه، لكن شعره أصبح رمادياً عندما انتهى من إدارة البلاد لفترتين!
وفي حين أن من الصعب إنكار مثل هذه الأمثلة، إلا أن الباحثين لا يسارعون إلى القفز إلى ذاك الاستنتاج. كيف بالضبط يؤدي التوتر إلى تحويل الشعر الأسود إلى اللون الأبيض عند أشخاص غير طاعنين في السن؟ وهل سببه التوتر أم شيء آخر مختلف تماماً؟
تبدأ قصة لون الشعر داخل بصيلات الرأس، حيث تتعاون الخلايا التي تبني الشعرة مع الخلايا التي تمنحها الصبغة، ثم تتأثر النتيجة مع مرور الوقت بعمر احتياطيات الخلايا الجذعية.
قراءة مقترحة
في قاعدة بصيلات الشعر توجد خلايا جلدية تسمى الخلايا الكيراتينية، وهي تبني خلايا الشعر تدريجياً، ملليمتراً تلو الآخر.
أثناء بناء الشعرة، تنتج الخلايا الصباغية صبغة الميلانين وتوصلها إلى الخلايا الكيراتينية، فيحصل الشعر الجديد على لونه.
يوجد نوعان من الميلانين: بني/أسود، وأصفر/برتقالي، ويؤدي مزيجهما إلى مجموعة لا حصر لها من ألوان الشعر.
تبقى بصيلات الشعر قيد الإنتاج لمدة تتراوح بين 2 و 7 سنوات فقط، ثم يعتمد الجسم على احتياطيات الخلايا الجذعية؛ لكن الخلايا الجذعية للخلايا الصباغية لا تدوم بقدر الخلايا الجذعية للخلايا الكيراتينية.
ليس هناك من ينكر أن للوراثة دوراً في كيفية نمو شعرك. الصلع المبكر، والشيب المبكر، وأشكال الصلع عند الذكور هي بالتأكيد عوامل وراثية. تحدد صبغياتك عدد الخلايا الجذعية لديك ومقدار الوقت الذي تنمو فيه بصيلاتك الشعر قبل أن تتوقف. ولا يمكننا فعل الكثير بشأن أساسيات تركيبنا الوراثي.
ولكنّ التوتر شيء يمكننا السيطرة عليه. تؤدي المستويات المرتفعة من التوتر إلى ارتفاع مستويات هرمونات التوتر. إن هرمونات التوتر – الأدرينالين والكورتيزول والنورإبينفرين – ليست بالضرورة أشياء شريرة في الجسم. في الواقع، نحن بحاجة إلى هرمونات التوتر لتنشيط مجموعات عضلية معينة (العديد من عضلات الهيكل العظمي) وتوفير دفعة من الطاقة عندما نحتاج إليها (اندفاع "الأدرينالين" الشهير، والمعروف أكثر باسم استجابة "القتال أو الهروب" للجسم).
ومع ذلك، يمكن أن يكون هرمون التوتر سيفاً ذا حدّين؛ إذ يؤدي الارتفاع المزمن منه في الجسم إلى حدوث التهابات في أنسجة وخلايا الجسم. ويمكن أن تؤدي زيادة الالتهاب هذه إلى انهيار مناعتك، وتسريع عملية الشيخوخة، وزيادة خطر الإصابة بالأمراض المعدية وغير المعدية.
أظهرت دراسة متقدمة أجريت على الفئران أن التوتر يتسبب في إطلاق النورادرينالين بالقرب من قاعدة بصيلات الشعر. يدفع هذا النورادرينالين جميع الخلايا الجذعية الصباغية هنا لتصبح خلايا صباغية. وهذا يعني في الأساس، استنزاف احتياطي الحيوان من الخلايا الجذعية الصباغية. وعندما تموت الخلايا الصباغية أخيراً، فإن ما تبقى لهذه الفئران هو الشعر الذي لم يعد يحتوي على أية خلية منتجة للصباغ. ومن هنا تأتي الفئران الفضية!
إن إظهار أن التوتر يحوّل الفئران ذات الشعر الأسود إلى فئران فضية، أمر، ولكنّ الفئران تختلف عنا في نواحٍ عديدة. أحد المجالات التي يتجلّى فيها هذا الاختلاف هو مجال علم الأعصاب. تختلف بنية أدمغة الفئران قليلاً عن أدمغة البشر، لكن هل ينطبق هذا على الشعر أيضاً؟
في دراسة عام 2021، تحققت الباحثة أيليت إم روزنبرغ وزملاؤها من دور التوتر في الشعر الرمادي لدى البشر عبر تتبع أحداث التوتر بالتوازي مع تغيرات الشعر.
قرر فريق أيليت دراسة أحداث التوتر بالتوازي مع أية تغيرات في الشعر، وطلب من المشاركين ملء اختبار تقييم الإجهاد النفسي والاجتماعي بأثر رجعي.
استخدموا أقوى المجاهر، وهو المجهر الإلكتروني، ولاحظوا عبر صور الشعرة أنماط التصبغ المختلفة على جذع الشعرة.
باستخدام متوسط معدل نمو شعر الإنسان، تتبعوا أحداث الحياة وردّوها إلى أجزاء معينة من جذع الشعرة، ثم رسموا خريطة للتغيرات التي تواكب ما كشف عنه المتبرعون ذاتياً.
بهذا المعنى، يحتوي الشعر بشكل دائم على معلومات حول ماضينا البيولوجي، ويعمل بمثابة جهاز لكشف الذاكرة.
يسمح فيديو المجهر الإلكتروني لجذع الشعرة للمرء برؤية عمليّة شيب الشعر وعكسها أيضاً!
تُظهر الدراسة بشكل قاطع أن مستويات التوتر يمكن أن تغير لون شعرك. فقد أظهر الباحثون أن لدى أحد المشاركين حالة شيب ملحوظ. وقدّروا بالحساب أن هذا الشيب استغرق فترة شهرين من التغيرات الواضحة في الشعر الناجمة عن الإجهاد. عند العودة إلى المتبرع بعينة الشعر، أظهر اختبار تقييم الإجهاد أن هذه الفترة تزامنت مع أحد أكثر الأحداث إرهاقاً في حياة المشارك، حدثٍ يصنف بدرجة 9 من 10 على سلّم الإجهاد. فقد كان المشارك يمر بانفصال زوجي انتهى به إلى الانتقال من مسكنه.
ويشار إلى الدراسة السابقة على أنها اختراق علمي لسبب آخر مثير؛ فبالإضافة إلى إظهار شيب الشعر الناجم عن الإجهاد بشكل مباشر، تمكن المؤلفون أيضاً من إظهار أن انخفاض مستويات التوتر يمكن أن يعكس عملية الشيب!
عند النظر إلى الشعر الموجود على فروة رأس رجل أبيض يبلغ من العمر 35 عاماً له شعر بني محمر، رأوا أن الشعر الرمادي يعود إلى لونه الأصلي. تزامن هذا الانعكاس مع شهر من أدنى مستويات الإجهاد التي صرّح عنها هذا الرجل: درجة 0 من 10. كان الرجل قد ذهب في إجازة لمدة أسبوعين قبل هذه الفترة مباشرة. وهذا دليل علمي على أننا نحتاج إلى الإجازات لنظلّ نشعر بالشباب ونبدو بمظهر شبابي!
في تفسير الشيب نفسه، لم تكن المفاجأة في وجود بروتينات مسؤولة عن لون الشعر أو غيابها فقط، بل في تغيّر مستوياتها صعوداً وهبوطاً داخل جذع الشعرة.
كان العلماء قد اعتبروا في وقت سابق أن الشيب يحدث بسبب فقدان بعض البروتينات المسؤولة عن لون الشعر.
كشفت الدراسة المذكورة أن التوتر يسبب زيادة في بعض البروتينات في جذع الشعرة التي تسبب الشيب، وأن فكرة زيادة ونقصان هذه البروتينات قلبت الأفكار السابقة المقبولة.
مع تقدمنا في السن، ستبدأ، بشكل طبيعي، خلايانا الكيراتينية والصباغية بالموت أو بالتوقف عن العمل، ما يتركنا في عالم من الثعالب الفضية والإلهات ذوات الشعر الرمادي. ولكن، إذا كنت تريد إبطاء هذا التحول الحتمي إلى اللون الأبيض، فإن تقليل التوتر هو إحدى الطرق للبقاء شاباً. وإذا لم ينجح ذلك، فقط خذ إجازة!