لماذا يقود الناس سياراتهم على جوانب مختلفة من الطريق في أجزاء مختلفة من العالم؟ وربما الأهم من ذلك، كيف نشأت هذه الاختلافات؟
إن الإجابات على هذه الأسئلة مثيرة للاهتمام، وتتضمن سياقات تاريخية متعددة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. أنا أعتبر الإجابات مثيرة للاهتمام بسبب تنوعها المذهل، بدءًا من الاحتجاجات واسعة النطاق وحتى الأمور البسيطة التي لا تصلح إلا للضرورة. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، دعونا نلقي نظرة على كيفية حدوث ذلك.
هناك بعض السجلات التاريخية التي تشير إلى وجود حركة مرور يسارية في العالم القديم. لماذا الجانب الأيسر؟ حسنًا، كان هذا في الغالب مسألة راحة، وهو ما يبدو أنه نمط فيما يتعلق بهذا الموضوع.
قراءة مقترحة
من الحقائق المعروفة أن غالبية الناس يستخدمون "اليد اليمنى"، مما يعني أنهم أكثر دراية باستخدام يدهم اليمنى في الأنشطة اليومية. خذ بعين الاعتبار شخصين في العالم القديم كانا يستخدمان الخيول أكثر من غيرهما:
يجد الشخص الذي يستخدم يده اليمنى، والذي يجلس في المنتصف ويتحكم في اثنين من الخيول، أنه من المناسب أن تميل العربة نحو اليسار، لأن هذا من شأنه أن يوفر تحكمًا أفضل ومساحة حرة للسائق.
جلبت أوائل القرن التاسع عشر ثورتين أثرتا بشكل مباشر على الجانب الذي تتحرك عليه حركة المرور. وكانت هاتان الثورتان:
ومع تضخم الإنتاج وظهور عربات الشحن الكبيرة، تغير منطق التموضع على الطريق من عربات صغيرة يملكها التجار أو الباعة إلى منظومة نقل تحتاج فرق خيول وسائقًا يتحكم بيده اليمنى.
أدت الرأسمالية والثورة الصناعية إلى أساليب إنتاج حديثة وكمية بضائع لم تعد العربات الصغيرة كافية لنقلها.
احتاجت عربات الشحن الكبيرة إلى فريق من الخيول، ولم يكن لها عادةً مقعد مركزي للسائق.
جلس السائق فوق أحد الخيول على الجانب الأيسر، ليتمكن من التحكم في الخيول الأخرى بيده اليمنى.
لهذا انتقلت العربات بشكل طبيعي إلى الجانب الأيمن من الطريق، حتى يتمكن السائق من السيطرة على الخيول والقيادة بشكل صحيح.
خلقت الثورة الفرنسية انقسامًا صارخًا بين النبلاء وعامة الناس. وبما أن الثورة كانت دموية، فقد اضطر الكثير من النبلاء إلى تغيير أساليب معيشتهم للاندماج مع عامة الناس. في العصور السابقة، كان النبلاء والأشخاص ذوو المكانة العليا في المجتمع يسافرون على الجانب الأيسر من الطريق، بينما يسافر عامة الناس، مثل الفلاحين، على الجانب الأيمن. أثناء الثورة، بدأ النبلاء يسافرون على الجانب الأيمن حتى لا يتم تمييزهم وقتلهم.
أصبحت هذه المقدمات والتعديلات الجديدة ببطء هي الطريقة المعتادة للحياة. في مناطق مثل فرنسا، بدأت حركة المرور بأكملها تتحرك على الجانب الأيمن بعد عام 1794، عندما تم إقرار قاعدة اليمين الرسمية في فرنسا. بعد الثورة الفرنسية، نشرت فتوحات نابليون (الملك الفرنسي الذي وصل إلى السلطة في نهاية الثورة) في جميع أنحاء أوروبا هذا الأسلوب إلى مناطق مثل ألمانيا وبولندا وسويسرا وغيرها. والدول التي عارضت نابليون علقت على الجانب الأيسر كعلامة من المعارضة الصريحة لحكمه. على سبيل المثال، كانت دول مثل بريطانيا والبرتغال متمسكة بشكل صريح بالجانب الآخر.
في الأعقاب، لم يعد اختيار جانب الطريق مجرد عادة تقنية؛ فقد ارتبط بالإمبراطوريات، والصناعة، والرغبة في الانتماء إلى كتلة أكبر، كما تُظهر أمثلة بريطانيا والولايات المتحدة والسويد.
أخذت بريطانيا نظامها الأيسر إلى جميع مستعمراتها في العالم، ولذلك تمارس دول في شرق أفريقيا وجنوب المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا هذا النظام حتى اليوم.
ما بدأ كحركة لمعارضة بريطانيا تحول سريعًا إلى مسألة اختيار رجال الصناعة، إذ يقال إن القيادة على الجانب الأيمن في الولايات المتحدة تأثرت بشدة بهنري فورد وطراز Model-T ذي عجلة القيادة اليسرى.
بعد الحرب العالمية الثانية كانت السويد استثناءً في أوروبا القارية لأنها احتفظت بحركة المرور اليسرى، لكن ضغط الاتفاقيات التجارية والرغبة في التوافق مع بقية القارة دفعها عام 1967 إلى حركة المرور ذات الاتجاه الأيمن.
كما ذكرنا سابقًا، في العصور القديمة، كانت القيادة مجرد مسألة راحة، لذلك لم تكن هناك أي قواعد محددة. وكانت بريطانيا في القرن التاسع عشر هي التي قررت تحويله إلى قانون. ومع حدوث التحول إلى القيادة على الجانب الأيمن، لا تزال بعض الأماكن يتم تحديدها على أساس الراحة، في حين أخذت بلدان أخرى في الاعتبار السياقات السياسية والتاريخية الأكبر.
لذا، في المرة القادمة التي تقود فيها السيارة وتتعثر في ازدحام مروري، يمكنك أن تطمئن إلى حقيقة أنه في مكان آخر من العالم، هناك شخص يقود سيارته على الجانب الآخر من الشارع يلعن الاختناق المروري بفارغ الصبر. قد لا نقود جميعًا على نفس الجانب من الطريق، ولكن ربما لدينا أشياء مشتركة أكثر مما نعتقد!