هل سبق لك أن شعرت بالتعب الشديد والنعاس، ولكن بدلاً من الاستلقاء، تجد نفسك تقضي تلك الساعات في أنشطة غير منتجة في وقت متأخر من الليل؟ وهذا ما يُعرف بالمماطلة الانتقامية قبل النوم.
هناك سبب وجيه للغاية لحدوث ذلك. في عالم سريع الخطى حيث ليس لدينا سوى القليل من الحرية فيما يتعلق ببرنامجنا، فإننا نتوق إلى الوقت الشخصي ونعتز به. والوقت الوحيد المتاح للكثيرين منا هو في الليل. إننا تُقتّر في النوم للحصول على بضع ساعات من الحرية غير المقيدة.
قراءة مقترحة
المماطلة الانتقامية قبل النوم هي عندما نتعمد تأخير النوم كوسيلة لاستعادة وقتنا الشخصي.
نحاول جميعاً استعادة السيطرة على برامجنا الزمنية، وهناك سبب وجيه لذلك. نحن نتوق إلى الاستقلالية في حياتنا، ونريد أن نحدد كيفية قضاء وقتنا.
ويواجه جيلنا تحديات فريدة تغذي هذه الرغبة. فالكثير منا عالقون في دائرة العمل التي لا تنتهي، محاولين الموازنة بين كوننا آباء مع الاستمرار في وظائف بدوام كامل، أو حتى التوفيق بين ضغوط الدراسة الجامعية وجدول العمل. إنه الكثير الذي يجب التعامل معه، والذي يخلق هذا الشعور بالتوتر، ويبدو أنه يبقى دائماً في الخلفية.
هناك العديد من العوامل النفسية التي تساهم في المماطلة الانتقامية قبل النوم. فالبعض يعاني من التوتر والقلق والرغبة في الهروب. مع زيادة مستويات التوتر، فإننا نسعى إلى أشكال إلتهاء مؤقتة. أشارت إحدى الدراسات إلى وجود علاقة بين التوتر والانخراط في سلوك المماطلة، بما في ذلك المماطلة الانتقامية قبل النوم. وهذا يعني أنه مع زيادة مستويات التوتر، يزداد أيضاً الميل إلى الانخراط في المماطلة قبل النوم.
تتجاوز عواقب المماطلة الانتقامية قبل النوم مجرد الشعور بالتعب، لأنها تمس جودة النوم والصحة النفسية والجسدية معاً.
التضحية المستمرة بالنوم تؤدي إلى اضطراب أنماط نومنا، ونوعية النوم الذي نحصل عليه.
تكشف الأبحاث أن النوم غير الكافي وغير الجيد يمكن أن يؤدي إلى القلق العام والاكتئاب وانخفاض مستوى الصحة العقلية بشكل عام.
يمكن أن يرتبط ضعف النوم بانخفاض المناعة واضطرابات المزاج، مثل نوبات الغضب.
نحن نرتبط جميعاً بهواتفنا الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة التلفزيون وغيرها من الأجهزة الإلكترونية. وقد ساعد ذلك بشكل كبير في قدرتنا على استمرار المماطلة الانتقامية قبل النوم.
يؤدي الاتصال المستمر بالترفيه الرقمي وتوفرع إلى انحباس الناس بسهولة في حلقة من الاستعراض والمشاهدة بشراهة في وقت متأخر من الليل. وجدت الأبحاث أن الإفراط في الوقت أمام الشاشات قبل النوم يمكن أن يُسبّب اضطراب أنماط نوم الشخص. ويمكن أن يؤدي أيضاً إلى تأخير بدء النوم، والتأثير سلباً على جودة نومك.
ولهذا السبب، من المعروف أن وضع حدودٍ مع التكنولوجيا، وتوفير منطقة خالية من الأجهزة في غرفة النوم يعالج مشكلات النوم المزمنة.
بالإضافة إلى المناعة والصحة العقلية، يؤثر الحرمان من النوم أيضاً على إنتاجيتك. لا تصدق تلك المدونات التحفيزية التي تتحدث عن التضحية بالنوم من أجل زيادة الإنتاجية. ففي هذه المسألة، تُعدّ ثقافة الصخب خاطئة.
توضح الأبحاث أن النوم ليس نقيض الإنتاجية، بل أحد شروطها الأساسية؛ فإهماله يضعف القدرات المعرفية، بينما تساعد أولويته الجسم والعقل على التعافي والعمل بكفاءة.
يمكن أن يؤدي عدم كفاية النوم إلى إضعاف عملية اتخاذ القرار، وحل المشكلات، والانتباه.
يمكن أن تعزز أولوية النوم الإنتاجية، وتحسن القدرات المعرفية، وتدعم التركيز والذاكرة والمناعة والصحة العاطفية.
كشفت دراسة أجريت عام 2014 عن وجود علاقة معتدلة بين المماطلة العامة والانخراط في المماطلة الانتقامية قبل النوم. فالسمات المرتبطة عادة بالمماطلة، مثل توخّي الكمالية، والاندفاع، وانخفاض مستويات الضمير، يمكن ملاحظتها لدى الأفراد الذين يظهرون هذا السلوك.
دعونا نفكر في مثال الموظفة جين، العاملة التي غالباً ما كانت تقع ضحية المماطلة الانتقامية قبل النوم. كانت تسهر حتى وقت متأخر لمشاهدة البرامج التلفزيونية، معتقدة أن هذا هو وقتها الوحيد لقضاء وقت الفراغ. ومع ذلك، بعد أن أدركت مدى تأثير ذلك على صحتها، التزمت بإجراء تغيير. وضعت جين جدول نوم متسقاً، ونفّذت روتيناً مريحاً قبل النوم، وقللت بشكل واعٍ من وقت مشاعدة الشاشة قبل النوم. ونتيجة لذلك، تحسنت نوعية نومها، وزادت طاقتها أثناء النهار، وتعززت إنتاجيتها الإجمالية.
في دراسة حديثة عن المماطلة في النوم وجودته، فحص الباحثون دور اليقظة الذهنية لدى 220 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 30 عاماً، ثم ظهرت العلاقة عبر مسار متسلسل يربط اليقظة بانخفاض الملل والمماطلة وتحسن النوم.
أكمل المشاركون استبيانات مختلفة تتعلق باليقظة الذهنية والملل والمماطلة في النوم وجودته.
أظهرت النتائج أن العلاقة بين اليقظة الذهنية وتحسين نوعية النوم تتأثر أولاً بانخفاض مستويات الملل.
انخفاض حالات المماطلة في النوم كان العامل الثاني في نموذج الوساطة التسلسلية.
من خلال اعتماد تقنيات اليقظة الذهنية، والعمل بنشاط على تقليل المماطلة في النوم، قد يجد الأفراد أنفسهم يتمتعون بنوم أفضل ورفاهية عامة.
للهروب من براثن المماطلة الانتقامية قبل النوم، من الضروري خلق بيئة ملائمة للنوم. وللقيام بذلك، تأكد من إبقاء جميع الأجهزة التكنولوجية بعيدة عن سريرك.
قم باعتماد روتين من عدم فحص هاتفك قبل ساعة على الأقل من التخطيط للنوم.
حاول تحديد وقت نوم واستيقاظ منتظم، حتى في عطلات نهاية الأسبوع. يساعد ذلك على تنظيم الساعة الداخلية لجسمك، وتحسين جودة النوم بشكل أفضل.
أخيراً، أعط الأولوية لتقنيات الاسترخاء، مثل التأمل أو تمارين التنفس العميق، من أجل تقليل التوتر وتعزيز الشعور بالهدوء قبل النوم.
قد نوفر المماطلة الانتقامية قبل النوم لحظات عابرة من الوقت الشخصي، ولكن العواقب طويلة المدى على النوم والرفاهية العامة كبيرة. ومن خلال فهم تأثير الحرمان المزمن من النوم، ووضع حدودٍ مع التكنولوجيا، وتنفيذ تقنيات الاسترخاء لخلق بيئة ملائمة للنوم، يمكننا الهروب من فخ المماطلة الانتقامية قبل النوم. من المهم إعطاء الأولوية لقوة الراحة، ومن الضروري عدم التضحية بالنوم مقابل الوقت الشخصي أو الاستقلالية.