ما الفائدة من تقديم الهدايا؟ عالِم الأنثروبولوجيا يشرح هذا الجزء العريق من كوننا بشراً

صورة من unsplash

عرض النقاط الرئيسية

  • تقديم الهدايا هو سلوك عميق الجذور في التاريخ البشري ويُعد جزءًا أساسيًا من الطقوس الاجتماعية والثقافية في جميع أنحاء العالم.
  • يرى الأنثروبولوجي مارسيل موس أن تقديم الهدايا يقوم على ثلاث مراحل مترابطة: العطاء، التلقّي، والمعاملة بالمثل، مما يخلق دورة مستمرة من الالتزام الاجتماعي.
  • الإهداء يتجاوز مجرد نقل الأشياء، فهو وسيلة لإظهار القيم الأخلاقية كالحب والكرم والاحترام، ويعزز الروابط بين الأفراد.
  • في العصر الحديث، أصبحت الهدايا أحياناً مفرطة في الكم وقليلة في المعنى، إذ تشير الدراسات إلى أن الكثير منها يُهدر أو لا يتم تقديره.
  • موس يحثّ على الهدايا المُعدّة بعناية والتي تحمل طابعاً شخصياً بدلاً من الهدايا الاستهلاكية الباهظة التي تُنتَج وتُستهلك بشكل مفرط.
  • تشكّل الهدايا وسيلة للحفاظ على العلاقات الاجتماعية عبر الزمن، وتُعتبر جزءاً من شبكة أخلاقية تتطلب احتراماً وعدلاً في الردّ على الإهداء.
  • رغم أن الأعياد قد تستخدم أحياناً كذريعة للاستهلاك الزائد، إلا أن جوهر الإهداء الحقيقي يكمن في تعزيز العلاقات الإنسانية وليس في الإنفاق المادي.

هل خططت لهدايا العيد، أم أنك تؤجل شراءها حتى اللحظة الأخيرة مثلي؟ قد تبدو الهدية فعلاً بسيطاً: يسلّم شخص شيئاً يملكه إلى شخص آخر. لكن هذا التنازل الطوعي عن شيء ثمين أو نافع يمثل سلوكاً إنسانياً قديماً، وتظهر أشكال منه في كل ثقافة معروفة حول العالم.

درس عالم الأنثروبولوجيا تشيب كولويل، من جامعة كولورادو دنفر، هذه المسألة أثناء إعداد كتابه «أشياء كثيرة جداً»، الذي يتتبع اعتماد البشر على الأدوات والتقنية خلال الثلاثة ملايين سنة الماضية. كان السؤال الذي أثار اهتمامه مباشراً: لماذا يتخلى الناس عن أشياء قيّمة يستطيعون استخدامها بأنفسهم؟ الإجابة التي يعرضها تتصل بما تصنعه الهدية بين الناس أكثر مما تتصل بالشيء المنقول ذاته.

للهدية وظائف نفسية وأخلاقية ودينية

صورة من unsplash

تؤدي الهدايا أغراضاً كثيرة في وقت واحد. ربط بعض علماء النفس تقديمها بما يسمى «التوهج الدافئ»، أي شعور الفرح الداخلي الناشئ عن العطاء. وناقش لاهوتيون الإهداء باعتباره وسيلة للتعبير عن الحب واللطف والامتنان في الكاثوليكية والبوذية والإسلام. أما فلاسفة من سينيكا إلى فريدريك نيتشه، فقد تناولوه كدليل قوي على نكران الذات.

قراءة مقترحة

تفسر هذه الوظائف حضور الهدايا في الحانوكا وعيد الميلاد وكوانزا وغيرها من الأعياد الشتوية. بل إن الجمعة السوداء، التي تفتتح موسم التسوق في نهاية العام، اكتسبت لدى بعض المستهلكين مكانة تكاد تشبه مناسبة قائمة بذاتها. ومع ذلك، يرى كولويل أن أكثر التفسيرات إقناعاً لقوة الهدية جاء سنة 1925 على يد عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس.

ثلاثة التزامات: العطاء والتلقي والرد

صورة من unsplash

حاول موس فهم المجتمعات التي توزع الممتلكات بسخاء بالغ. ومن أبرز أمثلتها مهرجانات البوتلاتش التي تقيمها الشعوب الأصلية على الساحل الشمالي الغربي لكندا والولايات المتحدة. تستمر هذه الاحتفالات أياماً، ويتنازل المضيفون خلالها عن كميات كبيرة من ممتلكاتهم أمام أفراد المجتمع.

يورد كولويل في مقاله المنشور في «ذا كونفرسيشن» مثالاً من سنة 1921، حين أقام زعيم عشيرة من أمة كواكواكاواكو في كندا احتفالاً منح فيه أفراد المجتمع 400 كيس من الدقيق، وأكواماً من البطانيات، وآلات خياطة، وأثاثاً، وزوارق وقوارب تعمل بالوقود، بل وطاولات بلياردو. يبدو هذا السلوك بعيداً عن الحساب الاقتصادي المباشر، لأن المضيف يتخلى علناً عن موارد نافعة كان يستطيع الاحتفاظ بها.

في مقالته «الهدية»، التي نُشرت قبل نحو قرن، تعامل موس مع البوتلاتش كصورة متطرفة من الإهداء، ثم وسع تحليله ليشمل المجتمعات البشرية الأخرى. وتوضح موسوعة الأنثروبولوجيا المفتوحة أن نظريته تقوم على ثلاثة التزامات مترابطة: أن تعطي، وأن تتلقى، وأن ترد الهدية.

العطاء هو الفعل الأول. من خلاله يعلن مانح الهدية كرمه ولطفه واستعداده لتكريم الآخر. والهدية هنا ليست شيئاً منفصلاً تماماً عن صاحبها؛ فهي تحمل دلالة على مكانته ونواياه وطبيعة الصلة التي يريد إنشاءها أو تثبيتها.

أما التلقي فلا يساوي الاستحواذ الصامت على الشيء. قبول الهدية يعني أن المتلقي قبل التكريم وقبل معه الدخول في رابطة اجتماعية. رفضها قد يعني رفض العلاقة أو المكانة التي تقترحها، بينما يظهر قبولها استعداد الطرف الثاني للمشاركة في التبادل.

يأتي بعد ذلك رد الهدية. فالمتلقي يصبح مطالباً، ضمناً أو صراحة، بأن يقدم شيئاً إلى المانح الأول. وعندما يصل الرد، ينتقل الالتزام مجدداً إلى الطرف الآخر، فتستمر دورة الأخذ والعطاء عبر الزمن. وقد لا يكون الرد فورياً أو مطابقاً في مادته، لكن قيمته ترتبط بما سبق تقديمه وبالمعنى الاجتماعي للعلاقة.

هنا يختلف الإهداء عن الشراء من متجر. تنتهي المعاملة التجارية عادة عندما يدفع المشتري المال ويحصل على السلعة، بينما يترك تبادل الهدايا التزاماً مستمراً بين الطرفين. وهو يحمل تصوراً للعدالة، لأن قيمة الهدية اللاحقة تكون عادة مساوية لقيمة السابقة أو أكبر منها، كما يحمل معنى الاحترام لأن كل طرف يعترف بمكانة الآخر.

تكشف هذه الدورة أيضاً سبب عدم كون الهدية مجانية تماماً بالمعنى الاجتماعي. قد لا يطلب المانح مقابلاً صريحاً، لكن القبول ينشئ توقعاً بالمبادلة. ومن ثم تستطيع الهدية إنشاء رابطة بين شخصين أو عائلتين أو جماعتين، ثم إبقاء تلك الرابطة حية عبر سلسلة من الالتزامات المتبادلة.

حين تتحول دورة الهدايا إلى فائض استهلاكي

صورة من unsplash

قد يفسر تحليل موس جانباً من ضغط الشراء في مواسم الأعياد. فحين يصبح الرد متوقعاً، تتراكم الهدايا حتى لدى من لا يحتاجون إلى مزيد من الأشياء. ويتحول الالتزام الاجتماعي بسهولة إلى إنفاق واسع، خصوصاً عندما تقترن المناسبة بحملات التخفيض والإعلانات.

في القراءة النهائية لمؤسسة غالوب لموسم 2023، قدّر الأمريكيون أنهم سينفقون في المتوسط 975 دولاراً على هدايا عيد الميلاد وغيرها من هدايا الأعياد. كان ذلك أعلى تقدير سجله الاستطلاع منذ بدء تتبع هذا المؤشر سنة 1999، كما تجاوز تقدير سنة 2022 البالغ 867 دولاراً.

ولا تصل كل هذه المشتريات إلى أشخاص يريدونها. نقلت مجلة «ديسكفر» عن استطلاع أجرته فايندر أن الأمريكيين أنفقوا في موسم أعياد 2019 أكثر من 15 مليار دولار على هدايا وصفها متلقوها بأنها غير مرغوب فيها، وأن 4% منها أُلقي مباشرة في القمامة. وكان متوقعاً في موسم 2023 أن يرتفع إنفاق الأعياد أيضاً في المملكة المتحدة وكندا واليابان وأماكن أخرى.

لا تدعو أفكار موس إلى زيادة عدد الأشياء المتبادلة. إنها توضح أن قيمة الهدية الاجتماعية تنبع من معناها ومن الاعتراف الذي تحمله، لا من سعرها وحده. لهذا يمكن أن تكون سلعة قديمة أو معاد تدويرها أو مصنوعة يدوياً أكثر تعبيراً من منتج باهظ يُصنع بكميات كبيرة، ويعبأ بالبلاستيك، ثم يشحن عبر المحيطات.

وينطبق الأمر نفسه على التجارب الشخصية، مثل جولة لتذوق الطعام أو ركوب منطاد الهواء الساخن. فالهدية المدروسة بعناية تعبر عن قيم المانح ومعرفته بالمتلقي، وتؤدي وظيفة التكريم التي وصفها موس، مع احتمال أقل لأن تنتهي بين الأشياء المهملة أو في مكب النفايات.