صمّم مهندس معماري مسيحي مسجد الاستقلال الوطني في إندونيسيا، وهذه الحقيقة مهمّة لأن مسجد الاستقلال في جاكرتا بُني ليقول شيئًا أكبر من هوية من يصلّون فيه. فقد كان المقصود منه أن يضع الاستقلال والمواطنة والدين في إطار عام واحد.
تعرّف Encyclopaedia of Islam الصادرة عن Brill مسجد الاستقلال بأنه المسجد الوطني لإندونيسيا، وتذكر أن مهندسه كان فريدريش سيلايان، وهو مسيحي من سومطرة. وهذه ليست معلومة طريفة تُلحق بمبنى مشهور. بل هي المفتاح الذي يساعد على فهم البنية كلها.
إذا اقتربت من مسجد الاستقلال بوصفه مكانًا للعبادة فحسب، فقد يفوتك ما يفعله حجمه. فهذا ليس مسجد حيّ سكني. إنه واحد من أكبر المساجد في جنوب شرق آسيا، وقد صيغ بعد الاستقلال بوصفه نصبًا وطنيًا بقدر ما هو مسجد.
قراءة مقترحة
يكدّس البرنامج الرمزي للمسجد الدلالات الوطنية والدينية معًا في اللغة المعمارية نفسها.
| التفصيل | المرجع | ما الذي يدل عليه |
|---|---|---|
| القبة الرئيسية | 45 مترًا عرضًا | إشارة إلى عام 1945، سنة إعلان استقلال إندونيسيا |
| أعمدة قاعة الصلاة الرئيسية | 12 عمودًا | صلة بتاريخ مولد النبي محمد في التقويم الإسلامي |
| الاسم | الاستقلال | «الاستقلال» بالعربية، بما يجعل الوطنية جزءًا من رسالة المبنى |
| فترة البناء | من أوائل الستينيات إلى أواخر السبعينيات | مشروع وطني مدعوم من الدولة لا منشأة دينية محلية |
إليك طريقة مفيدة لاختبار نفسك وأنت تقرأ المبنى: أيّ التفاصيل تبدو لك دينية خالصة، وأيّها تبدو وطنية؟ غالبًا ما تكون الإجابة: كلاهما معًا، وفي هذا التداخل تحديدًا يصبح المسجد مثيرًا للاهتمام.
الذي صمّمه هو فريدريش سيلايان، وكان مهندسًا معماريًا باتاكيا مسيحيًا. وما إن تعرف ذلك حتى تتبدّل، ولو قليلًا، دلالة القبة والأعمدة وضخامة المبنى الاحتفالية ورعاية الدولة له.
والمفاجأة هنا ليست لإضفاء طرافة على القصة. إنها تغيّر الحجة نفسها. فكون المسجد الوطني قد صمّمه مسيحي يوحي بأن قيادة مرحلة الاستقلال لم تتخيّل هذا المبنى ملكًا لجماعة واحدة وحدها، حتى وهو يخدم عبادة المسلمين في بلد ذي أغلبية مسلمة.
وهنا تكمن مفصلة المقال. قبل هذه النقطة، قد يبدو المسجد تعبيرًا مهيبًا عن دين واحد. وبعدها، يبدأ في الظهور بوصفه جمهورية تحاول أن تُظهر أن الرمز الوطني يمكن أن يكون دينيًا من دون أن تكون صياغته حكرًا مذهبيًا.
تمهّل الآن قليلًا وتخيّل جاكرتا في سنوات ما بعد الاستقلال. كان سوكارنو يُشكّل عاصمة دولة جديدة، وكان شديد الاهتمام بالنُّصُب والطرق العريضة والمباني العامة. لقد أراد للعمارة أن تساعد في إخبار الإندونيسيين من هم بعد انتهاء الحكم الاستعماري.
ولهذا لا يتعامل الباحثون مع مسجد الاستقلال على أنه مجرد مبنى ديني. فدراسة تاريخية وتأويلية حديثة عن مسجد الاستقلال وميدان الاستقلال في جاكرتا تقرأ المسجد بوصفه جزءًا من مشروع سوكارنو لبناء الأمة، مرتبطًا بالقلب المدني للعاصمة وبالفكرة الداخلية للجمهورية نفسها.
وموقعه مهم هنا. فمسجد الاستقلال يقع قرب كاتدرائية جاكرتا. وكثيرًا ما يلفت هذا التجاور انتباه الزائرين لأنه يضغط مثلًا وطنيًا في حيّز واحد من المدينة: مسجد وكاتدرائية، جنبًا إلى جنب، من دون أن يُحجب أحدهما عن الآخر.
ينتمي المسجد إلى مسعى سوكارنو الأوسع لتشكيل العاصمة عبر النُّصُب والعمارة العامة.
لا لبس في أن الاستقلال مسجد، لكن الباحثين يقرؤونه على أنه أكثر من مجرد بناء تعبّدي.
يربط موقعه في القلب المدني المبنى بالهوية العامة للجمهورية، لا بحياتها الدينية وحدها.
يجمع اقتران المسجد والكاتدرائية مثلًا للتعايش العام في حيّز مرئي واحد من المدينة.
كانت الرسالة واضحة بما يكفي. فلم تكن إندونيسيا ستعرّف نفسها دولةً بلا دين في الحياة العامة، لكنها كذلك لم تكن لتختزل الحياة العامة في دعوى اعتقادية واحدة. والتعبير عن هذا التوازن في صيغة معمارية أمر عسير. وكان مسجد الاستقلال إحدى المحاولات.
هذا اعتراض وجيه. فقد تقول إن المبنى ينبغي أن يُقرأ من خلال راعيه وغايته ومستخدميه، لا من خلال دين الشخص الذي رسمه.
إذا نُظر إليها وحدها، نعم، قد تبدو مسيحية سيلايان مجرد طرفة. لكن هذا المسجد لا يوجد على نحو منفصل. فالاسم يشير إلى الاستقلال. والقبة تشير إلى 1945. والحجم يميّزه بوصفه وطنيًا. ورعاية سوكارنو تربطه بالدولة. وموقعه في وسط جاكرتا يضعه داخل سردية مدنية. وعند جمع هذه العناصر كلها، تصبح هوية المهندس جزءًا من معنى المبنى، لا زينةً تحيط به.
مسيحية المهندس المعماري مجرد تفصيل سيري طريف لا أثر يُذكر له في معنى المسجد.
لأن اسم المسجد وحجمه ورمزيته ورعاية الدولة له وموقعه المدني كلها تشير إلى ما يتجاوز جماعة دينية واحدة، فإن هوية سيلايان تصبح جزءًا من الحجة الوطنية الأوسع التي يقدّمها المبنى.
وثمة حدّ صريح يجدر قوله بوضوح. فالمباني قد تعبّر عن مُثُل عليا، لكنها لا تستطيع أن تضمنها. فمسجد إلى جوار كاتدرائية، أو مهندس مسيحي وراء مسجد وطني، لا ينتج في ذاته تسامحًا أو انسجامًا سياسيًا في الحياة اليومية.
ومع ذلك، فليست الرموز فارغة لمجرد أنها ناقصة. فالأمم تستخدم المباني لتقطع وعودًا بالحجر والفولاذ والخرسانة. وقد يُوفى ببعض الوعود على نحو غير متساوٍ. لكنها تظل وعودًا على كل حال.
قد يأتي القارئ متوقعًا قصة عن مسجد ضخم في أكبر بلد ذي أغلبية مسلمة في العالم. لكن ما يقدّمه مسجد الاستقلال في النهاية أغرب وأكثر كشفًا: إن أحد أوجه عظمته ليس أنه يتحدث باسم هوية دينية واحدة، بل أنه بُني ليجعل المواطنة المشتركة تبدو أكبر من الامتلاك الطائفي.