كيف يعمل «إطار دبي» كمبنى لا مجرد نصب تذكاري

يقف «برواز دبي» في حديقة زعبيل كمستطيل هائل مفتوح الوسط. ويذكر الموقع الرسمي للمعلم أن ارتفاعه يبلغ 150 مترًا وعرضه 95 مترًا، وأن تشييده استهلك أكثر من 9,900 متر مكعب من الخرسانة المسلحة و2,000 طن من الفولاذ و2,900 متر مربع من الزجاج المصفح. تتركز هذه المواد في البرجين والجزء العلوي والقواعد، فيما بقي قلب المستطيل خاليًا؛ ومن هنا تبدأ المسألة الإنشائية التي تخفيها الكسوة الذهبية.

عرض النقاط الرئيسية

  • يكمن التحدي الهندسي الأصعب في «إطار دبي» في الحفاظ على فراغه المركزي الهائل، لا في إنشاء مظهره الخارجي الزخرفي.
  • يعتمد الهيكل على دعامتين رأسيّتين وامتداد أفقي علوي لحمل الأحمال حول الفراغ الأوسط.
  • وعلى خلاف المباني الشاهقة التقليدية التي توزّع القوى عبر الطوابق والجدران، يركّز «الإطار» قوته الإنشائية في محيطه.
  • ويتصرّف الجزء العلوي كما لو كان جسرًا، إذ يحمل وزنه الذاتي والمساحات المشغولة وقوى الرياح بين البرجين.
  • وتُظهر كميات المواد فيه، بما يشمل الخرسانة المسلحة والفولاذ والزجاج المصفّح، حجم المتطلبات الإنشائية التي يفرضها هذا التصميم.
  • وتمنح الكسوة الزخرفية المعلم هويته البصرية، لكن الإنجاز الحقيقي يكمن في النظام الخفي الذي يقاوم الانحناء والشد والضغط والتأرجح.
  • ويبرهن «إطار دبي» أن الفراغ في العمارة ليس مجانيًا، لأن الفراغ الكبير يتطلب ضبطًا إنشائيًا دقيقًا كي يبقى مستقرًا وآمنًا وقابلًا للاستخدام.
تصوير أحمد الداي على Unsplash

في مبنى متعدد الطوابق، تتكرر الأعمدة والجدران والبلاطات داخل المسقط، فتجد الأحمال مسارات كثيرة نحو الأساسات. أما هنا، فلا يمكن وضع عمود في الوسط من دون إفساد الفتحة التي يقوم عليها الشكل كله. يتعين على البرجين والوصلة العلوية استقبال الوزن وقوى الرياح وتحويلها إلى الأرض عبر محيط الإطار.

مسار الحمل يبدأ من الجسر العلوي

قراءة مقترحة

إذا تتبعت البرواز بعينيك من أعلى إلى أسفل، تبدأ بجسر مشغول يصل بين برجين ثم تهبط عبر الجانبين إلى الأساسات. وتصف مؤسسة المهندسين الإنشائيين التكوين ببرجين معينيّي المقطع تصل بينهما وصلة علوية، مع مشاركة ترتيب الإطار نفسه في تحقيق الثبات الإنشائي. يعني ذلك أن العناصر الثلاثة مترابطة، فلا يعمل كل برج ككتلة منعزلة وُضع فوقها جسر مستقل.

يحمل الجزء العلوي وزنه، إضافة إلى أحمال الزوار والتجهيزات الموجودة داخله، ثم ينقل ردود الأفعال إلى طرفيه. عند موضعي الالتقاء تتغير اتجاهات القوى، فتتعرض الوصلات والعناصر المجاورة لمزيج من القص والانحناء والشد والضغط. بعدها يحمل البرجان هذه القوى مع وزنهما الذاتي إلى القواعد.

للرياح مسار آخر ينبغي أن تقرأه في الشكل نفسه. فالضغط الجانبي على برج بارتفاع 150 مترًا يولد انحناءً وحركة أفقية، كما يؤثر في الجسر وفي نقاط اتصاله بالجانبين. ويساعد الربط العلوي البرجين على العمل ضمن تكوين واحد، بينما توفر الخرسانة المسلحة والفولاذ الصلابة والقدرة على مقاومة القوى الداخلية المختلفة.

بهذا يصبح الحد المرئي للبرواز مسار الحمل الأساسي أيضًا: الجسر يستند إلى الجانبين، والجانبان يهبطان بالقوى إلى الأرض، والوصلات تحفظ استمرارية هذا المسار. أما الفتحة فلا تحمل شيئًا مباشرة، لكنها تحدد أين يجب أن تذهب الأحمال.

ماذا يغيّر غياب العمود الأوسط؟

تخيل عمودًا يمتد من الأرض إلى منتصف الجسر العلوي. كان سيقسم الامتداد إلى جزأين أقصر ويمنح الأحمال طريقًا مباشرًا نحو الأساسات. حذفه يبقي الرؤية مفتوحة، لكنه يطيل المسافة بين نقطتي الإسناد ويرفع الطلب على صلابة الجسر وقدرة وصلاته على تمرير القوى إلى البرجين.

لا يتوقف أثر الفتحة عند حمل الجاذبية. فكلما طال العضو الأفقي من دون دعامة وسطية، ازدادت حساسيته للانحناء والهبوط، وأصبح ضبط الحركة عند الأطراف جزءًا أساسيًا من التصميم. وفي الجانبين، يجب التعامل مع ردود أفعال الجسر بالتوازي مع أحمال كل برج وقوى الرياح المؤثرة فيه.

تكشف طريقة تركيب الجسر حجم هذه القطعة. تذكر مؤسسة المهندسين الإنشائيين أن وزنه يقارب 800 طن، وأنه جُمّع فوق سقف الجزء السفلي من البرواز قبل رفعه إلى موضعه بروافع الكابلات. كما وثقت مجلة «كونستركشن ويك» رفع كتلة تزن 800 طن إلى ارتفاع 150 مترًا. كان على عملية الرفع أن توصل الجسر إلى نقطتي الارتكاز عند القمة كي يصبح الاتصال الدائم بين البرجين ممكنًا.

عندما تنظر عبر الوسط من الحديقة، تستطيع رؤية النتيجة المعمارية لهذا الحل مباشرة: مساحة بعرض المعلم تقريبًا من دون دعامة تقطعها. أما العمل الإنشائي الذي كان يمكن أن يتوزع داخل تلك المساحة، فقد انتقل إلى الجسر والجانبين والوصلات.

الكسوة تخفي نظامًا أثقل منها

تمنح الزخارف الذهبية «برواز دبي» مظهره المعروف، إلا أن الكسوة لا تؤدي وظيفة البرجين والجسر. مقاومة الجاذبية والرياح تعتمد على النظام الموجود خلف السطح وعلى اتصاله بالأساسات. وإذا نزعت الكسوة ذهنيًا، يبقى التكوين الإنشائي واضحًا: عضوان رأسيان طويلان، وامتداد علوي مشغول، وفتحة واسعة بينهما.

توضح كميات المواد مقدار ما يتطلبه هذا المظهر النحيل. تدخل الخرسانة المسلحة في توفير الكتلة والصلابة ومقاومة الضغط، بينما يتيح الفولاذ تشكيل أعضاء ووصلات تتعامل مع الشد والانحناء والقوى المركزة. ولا يحدد رقم 2,000 طن موضع كل قطعة فولاذية، لكنه يبين أن خفة الشكل البصرية لا تعني قلة المادة الإنشائية.

أما مساحة الزجاج المصفح، البالغة 2,900 متر مربع بحسب الموقع الرسمي، فترتبط بالمناطق الزجاجية التي يستخدمها الزوار ويرون من خلالها. وتوضح شركة «غارديان غلاس» أن شظايا الزجاج المصفح تبقى عادة ملتصقة بالطبقة البينية وعالقة في الإطار عند الكسر. هذه الخاصية جزء من متطلبات مادة مستخدمة داخل مبنى يدخله الناس، إلى جانب وظيفتها البصرية.

الإشغال يحوّل الشكل إلى مبنى

يضم البرواز مساحات يدخلها الزوار ويصعدون إليها، ولا تقتصر وظيفته على تكوين صورة تُرى من الحديقة. تنقل الأبراج الحركة الرأسية، فيما يستقبل الجسر العلوي الزوار والتجهيزات ويتيح لهم العبور والنظر عبر الواجهات والمناطق الزجاجية. كل مساحة مستخدمة تضيف أحمال إشغال ومتطلبات حركة وسلامة إلى الحساب الإنشائي.

لهذا تعمل العمارة والإنشاء في الموضع نفسه عند القمة. فالجزء الذي يعبره الزائر هو الجسر الذي ينقل وزنه إلى البرجين، والزجاج الذي يرى من خلاله مكوّن في مساحة مشغولة، والبرجان اللذان يصعد داخلهما يحملان القوى إلى الأساسات. عندما يمشي الزائر في الوصلة العلوية، تدخل حركته ووزنه ضمن الأحمال الفعلية التي صُمم ذلك الامتداد لاستقبالها.