تبدو جدران كابادوكيا ومخاريطها دقيقة الحواف، لكن المادة التي تراها بدأت بثورات فرشت وسط الأناضول بالرماد والحطام البركاني الساخن. يعود تكوّن الوحدات البركانية التي قامت عليها هذه التضاريس إلى نحو 10 ملايين سنة، بينما تعمل التعرية بمقاييس أقصر تمتد من آلاف السنين إلى الحاضر، فتفصل الأعمدة وتضيّق أعناقها وتفتح الأودية بينها.
عرض النقاط الرئيسية
إذا وقفت في غوريمه، فانتبه إلى أن صلابة الوادي غير متجانسة. يصف مركز التراث العالمي التابع لليونسكو متنزه غوريمه الوطني ومواقع كابادوكيا الصخرية بأنها تضاريس بركانية نحتتها التعرية إلى حواف وأودية وقمم مخروطية تعرف بمداخن الجنيات. بقيت بعض الأجزاء بارزة لأن صخورها قاومت الإزالة مدة أطول من الصخور المحيطة بها.
تخيّل أنك تقف عند مطل على جانب الطريق، وفي الجهة المقابلة مخروط شاحب تعلوه كتلة أغمق، كأنها غطاء ثقيل. قراءة هذا العمود المنفرد أسهل من محاولة تفسير الوادي كله دفعة واحدة: الجسم والغطاء لا يتآكلان بالمعدل نفسه، وهذا الاختلاف هو المفتاح إلى هيئة مدخنة الجنيات.
قراءة مقترحة
يتكون الجسم الشاحب غالبًا من الطف، وهو صخر فتاتي بركاني يتشكل عندما تترسب مواد مثل الرماد ثم تتماسك. وقد تكون بعض رواسبه ملتحمة بفعل حرارتها عند الترسيب، في حين تبقى وحدات أخرى أضعف وأيسر تفككًا. وتوجد في مواضع من كابادوكيا طبقات أصلب من البازلت أو من مواد بركانية أخرى فوق الطف أو داخله.
تعمل الأمطار والجريان السطحي والصقيع والرياح على هذه الصخور جميعًا، لكن النتيجة تختلف تبعًا للصلابة والتركيب ودرجة التماسك. راقب اللون أولًا: مادة أفتح وألين في الأسفل، وغطاء أغمق وأكثر مقاومة في الأعلى. يحجب الغطاء جزءًا من المطر ويحمي الصخر الواقع تحته، فيما ينخفض السطح المكشوف حوله وتتراجع جوانب العمود.
قسّمت دراسة ألبير بابا وعبدين كايا ونجدت تورك المنشورة عام 2005 مدخنة الجنيات إلى غطاء وعنق وجسم، ووجدت أن الأغطية أشد مقاومة للتعرية من الأعناق والأجسام. يفسر ذلك بقاء كتلة عريضة فوق عمود يضيق تدريجيًا. وحين يفقد العمود غطاءه، يتعرض سطحه العلوي مباشرة للماء والطقس، فتتغير سرعة تراجعه وهيئته.
يرتبط التاريخ الجيولوجي لوسط الأناضول بنشاط بركاني متكرر شمل مراكز إقليمية كبرى، منها جبل إرجييس وجبل حسن، إلى جانب مراكز أخرى. ويعرض الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية إقليم كابادوكيا البركاني مثالًا على تزامن الترسيب والنشاط البركاني والتصدع، حيث انتشرت تدفقات إغنيمبريت كبيرة داخل أحواض المنطقة.
يضع العرض الجيولوجي لتطور كابادوكيا بداية تراكم الوحدات الواسعة من الإغنيمبريت في أواخر عصر الميوسين، قبل نحو 10 ملايين سنة، مع استمرار النشاط البركاني إلى العصر الرباعي. كما أحصى الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية تسع وحدات إغنيمبريت دُرست ورُسمت خرائطها وحُددت أعمارها، ويزيد السمك المجمع لهذا التتابع على 430 مترًا. لا يظهر هذا السمك كاملًا في كل جدار، لكنه يوضح مقدار المادة التي أودعتها الثورات المتعاقبة.
انتقل جزء من الرماد عبر الهواء ثم سقط على الأرض، واندفع جزء آخر قرب السطح داخل تدفقات فتاتية حارة تحمل الرماد والخفاف والغاز. توضح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن رواسب هذه التدفقات تسمى طف التدفقات الرمادية أو الإغنيمبريت، وقد تلتحم مكوناتها بدرجات متفاوتة عند ترسبها. تراكمت الوحدات بعضها فوق بعض، ثم بردت وتماسكت قبل أن تقطعها الأودية.
دخل الماء بعد ذلك عبر الفواصل والشقوق، وحمل الجريان الحبيبات المفككة وعمّق القنوات الصغيرة. ومع اتساع شبكة التصريف تحولت المجاري إلى أخاديد، ثم عزلت أجزاء من الحواف والجدران. ساعد التجمد والذوبان على توسيع مواضع الضعف، ونقلت الرياح المواد التي انفصلت بالفعل، غير أن الجريان السطحي ظل عاملًا رئيسيًا في شق المنحدرات وتصريف الفتات منها.
يمكنك قراءة الترتيب الزمني في جدار واحد: وحدات بركانية متعاقبة، وفواصل تقطعها، وأخاديد أحدث تشق سطحها. بعض الكتل ينفصل على امتداد فاصل قائم، وبعضها يتحدد بمسار قناة تصريف محلية. لهذا لا تبدأ كل مدخنة بالطريقة التفصيلية نفسها، حتى عندما تكون الأعمدة متجاورة.
تفسر مواضع الماء والطبقات المقاومة تكرر الأشكال بأحجام مختلفة. حين تتراجع طبقة لينة، تبقى فوقها حافة أصلب. وإذا اخترق جريان السطح تلك الحافة من جهتين، تنفصل كتلة عنها. يواصل الماء توسيع الشقوق حول الكتلة، بينما يصون الغطاء الجزء الواقع تحته، فتتحول الحافة المقسمة بمرور الوقت إلى مجموعة أعمدة.
تختلف النهايات لأن الأغطية ليست متساوية في السماكة والصلابة. قد ترى مخروطًا مدببًا بلا غطاء، وعمودًا ذا قمة عريضة، وجدارًا تقطعه أخاديد متوازية ولم ينفصل بعد. وتتيح لك هذه المجاورة متابعة مراحل النحت: سطح متشقق، ثم حافة مقسمة، ثم أعمدة مستقلة تتراجع جوانبها.
تقيس دراسة لمحمد عاكف صاري قايا وأتيلا تشينر وماريك زريدا، نُشرت عام 2015 في دورية «جيومورفولوجي»، معدلات تآكل أغطية مداخن مدروسة بين 3.21 و3.39 سنتيمتر لكل ألف سنة. يربط هذا القياس بين المقياسين اللذين يجتمعان في الوادي: صخور أودعتها الثورات قبل ملايين السنين، وتغيرات تراكمية يمكن التعبير عنها بالسنتيمترات خلال آلاف السنين.
جاء الاستخدام البشري بعد تشكل القسم الأكبر من التضاريس. استطاع الناس قطع الطف وحفر الكنائس والغرف والملاذات داخله، فتحولت قابلية الصخر للنحت إلى عنصر في عمارة المنطقة. وتذكر اليونسكو أن وادي غوريمه ومحيطه يضمان مزارات محفورة في الصخر، وقرى جوفية ومساكن استغلت طبيعة التكوينات البركانية.
تكشف الواجهات المحفورة فرقًا آخر بين سهولة قطع الصخر وسرعة زواله طبيعيًا. فالطف الذي يمكن تشكيله بأدوات بشرية ظل قادرًا على حمل غرف وواجهات، لكنه بقي معرضًا لدخول الماء عبر الشقوق وتفتت الأسطح المكشوفة. هكذا اجتمعت في المكان نفسه خصائص سمحت بالحفر وخصائص أبقت التعرية نشطة.
حين تنظر عبر أحد أودية كابادوكيا، اختر تكوينًا واحدًا وابحث عن التباين بين الجسم الشاحب وقمته الأغمق. وسّع نظرك بعد ذلك لترى أين يتكرر ترتيب الطبقات، ثم تتبع الأخاديد الرفيعة الهابطة على المنحدر والشقوق التي تفصل الأعمدة والمجرى الأعمق في القاع. ستعرف من هذه العلامات أين قاوم الصخر وأين ركز الماء عملية الإزالة.
قد تجد عمودًا كامل الغطاء بجوار مخروط فقد جزءًا من قمته، أو جدارًا ما زالت الأخاديد تقسمه قبل أن تنفصل منه أعمدة جديدة. وتوضح اليونسكو أن عمليات التعرية التي أنشأت التكوينات المخروطية مستمرة، وستنتج مداخن جنيات وأعمدة صخرية جديدة. لذلك تقف في الوادي وحدات يبلغ عمرها نحو 10 ملايين سنة إلى جانب حواف وأعناق لا يزال الماء والطقس يغيرانها.