كيف يحوّل جسم خشبي أجوف اهتزاز الوتر إلى صوت

اللافت هنا أن الوتر، الذي يفترض الناس أنه يصنع الصوت، لا ينجز إلا قدرًا محدودًا على نحو مفاجئ من مهمة ملء الغرفة بالصوت؛ أما العمل الحقيقي فتقوم به البنية الخشبية والهواء المحبوس داخلها. وتتفق كتب الصوتيات وصنّاع الآلات الموسيقية على الفكرة الأساسية: فالوتر العاري رفيع جدًا، وحركته أضعف من أن تُحرّك مقدارًا كافيًا من الهواء ليكون صوته عاليًا بمفرده.

ويمكنك أن تسمع ذلك حتى من دون مختبر. انقر وترًا في غيتار أكوستيك، ثم انقر الوتر نفسه على غيتار كهربائي ذي جسم مصمت غير موصول بمضخّم إن كان قريبًا منك. النغمات موجودة في الحالتين، لكن الغيتار الأكوستيك ينتشر صوته في المكان على نحو أوضح بكثير، لأن الوتر يستعين بسطح خشبي كبير وخفيف يساعده على دفع الهواء.

قراءة مقترحة

صورة التقطها تشيس يي على Unsplash

الوتر يبدأها. والصندوق يجعلها مسموعة للناس.

صحيح أن وتر الغيتار هو من يصنع الحركة الأولى. فعندما تنقره، يهتز الوتر من جانب إلى جانب عند طبقته الصوتية الخاصة، التي تحددها طوله وسماكته وشدّه. وهذه الحركة حقيقية فعلًا، لكن الوتر نفسه لا يقدّم للغرفة إلا مساحة ضئيلة للغاية، كأنك تحاول تهوية غرفة برباط حذاء.

ولهذا يستعير الغيتار سطحًا أكبر. فالوتر يشدّ الجسر، وهو القطعة الخشبية الصغيرة التي تُثبَّت عندها الأوتار على وجه الغيتار. وينقل الجسر تلك الحركة الضئيلة إلى اللوح الصوتي، ويُسمّى أيضًا اللوح العلوي، وعندها تبدأ مساحة أوسع كثيرًا من الخشب في الانثناء.

وهذه هي السلسلة السريعة التي تهم: يتحرك الوتر، وينقل الجسر، وينثني اللوح العلوي، ويستجيب الهواء داخل الجسم، فتسمع الغرفة. وما إن يبدأ الوجه العلوي بالحركة، حتى يدفع ويجذب من الهواء مقدارًا أكبر بكثير مما يمكن للوتر العاري أن يفعله وحده. وهذه هي الحقيقة الوسطى التي يغفلها كثيرون: الوتر هو الشرارة، والجسم هو المذيع.

كيف ينتقل الصوت من الوتر إلى الغرفة

1

يتحرك الوتر

يبدأ الوتر المنقور الاهتزاز عند طبقته الصوتية الخاصة.

2

ينقل الجسر

تنتقل تلك الحركة الصغيرة عبر الجسر إلى وجه الغيتار.

3

ينثني اللوح العلوي

يبدأ سطح خشبي أكبر بكثير في الحركة.

4

يستجيب الهواء

يبدأ الجسم والهواء المحبوس داخله في دفع مزيد من الهواء وجذبه.

5

تسمع الغرفة

يبث الجسم الاهتزاز إلى الخارج على هيئة صوت مسموع.

ويشارك التجويف الهوائي أيضًا في ذلك. فعندما يتحرك اللوح العلوي، يضغط الهواء داخل الجسم الأجوف ثم يطلقه، ويخرج بعض هذه الحركة عبر فتحة الصوت. كما أن الظهر والجوانب مهمّان كذلك، وإن كان الوجه العلوي في معظم القيثارات الصوتية هو السطح الرئيس الذي يشعّ الصوت، أي الجزء الذي يؤدي النصيب الأكبر من العمل المسموع.

وإذا أردت دليلًا سريعًا، فألصق جسم الغيتار برفق بصدرك ثم انقر مرة أخرى. ستشعر غالبًا بحركة الخشب تحت ذراعك أو كفك، وستسمع في كثير من الأحيان أن الآلة أصبحت أكثر خفوتًا لأن الجسم لم يعد قادرًا على الحركة بالحرية نفسها. وهذا ليس خدعة. فأنت قد خمدت جزئيًا، أو قيّدت، السطح ذاته الذي كان يساعد على قذف الصوت إلى الغرفة.

وهنا تتجاوز الحكاية فجأة حدود نقرة واحدة إلى زمن أقدم بكثير. فعلى مدى قرون، ظل صانعو القيثارات والعود يغيّرون التقويس، والدعائم الداخلية، والسماكة، وشكل الجسم، ونوع الخشب للتحكم في شيء واحد فوق كل شيء: مدى حرية حركة الوجه العلوي والجسم، وأين يقاومان. وما يصل إلى أذنك في جزء من الثانية يحمل وراءه سلالة طويلة من التجربة والخطأ ومهارة اليد.

ثم نعود إلى الغرفة، إلى تلك النقرة الواحدة. لا يزال الوتر هو الذي يبدأ كل شيء، لكن حركته تظل، وحدها، حركة خاصة لا يسمعها إلا القريب. أما الغيتار فيجعلها اجتماعية حين يسلّمها إلى الخشب والهواء المحبوس القادرين فعلًا على دفع الهواء من حولك.

إذن ما الذي تسمعه بالضبط: الوتر أم الصندوق؟

الجواب الصادق: كلاهما، لكن ليس بالدور نفسه. فالوتر يحدد الطبقة الصوتية، ويسهم بجزء من لون النبرة في بداية النغمة. واختلاف الأوتار يغيّر حقًا ما تسمعه: فالفولاذ والنايلون يبدوان مختلفين في الإحساس والصوت، كما تتصرف الأوتار الأخف والأثقل على نحو مختلف، وتفقد الأوتار البالية شيئًا من بريقها.

لكن ذلك لا يغيّر الفكرة الأساسية. فهذه الفروق مهمة داخل منظومة أكبر ما تزال تعتمد على الجسم في إسقاط الصوت جيدًا في المكان. غيّر الوتر، فتغيّر طابع الإشارة الداخلة؛ وغيّر طريقة رنين الجسم، فتغيّر مدى قوة انطلاق تلك الإشارة إلى الغرفة.

من يفعل ماذا في الصوت؟

الوتر

يحدد الطبقة الصوتية ويؤثر في لون النغمة عند بدايتها، مع اختلافات تعود إلى المادة والسماكة وحالة الاهتراء.

الجسم

يحدد مدى قوة إسقاط تلك الإشارة المهتزة عبر تحريك سطح خشبي أكبر والهواء داخل الغيتار.

وهناك أيضًا قيد بسيط يجدر إبقاؤه في الحسبان. فهذا الشرح ينطبق على الغيتار الأكوستيك، لكن شدة الصوت الدقيقة ولونه يختلفان باختلاف حجم الجسم، وخشب اللوح العلوي، ونمط التدعيم، ونوع الأوتار، وحتى طريقة إمساك العازف بالآلة. فاللوح العلوي الخفيف البناء قد يستجيب على نحو يختلف عن لوح أثقل، والغيتار المضغوط إلى أريكة أو إلى جسد شخص لن يتصرف تمامًا مثل غيتار يُمسك بحرية.

ومع ذلك، تبقى الصورة اليومية صحيحة. وتر رفيع، دفع قليل للهواء. وجه خشبي عريض، دفع أكبر للهواء. أضف إلى ذلك التجويف الأجوف، فتكون الآلة قد استعارت لنفسها غرفة أخرى في داخلها قبل أن يدخل الصوت إلى الغرفة الفعلية من حولها.

أسهل برهان هو ما يمكنك أن تشعر به

اشعر بالخشب

أوضح اختبار يومي هنا هو اختبار جسدي: إذا جعل كتم الجسم الغيتار أكثر خفوتًا، فهذا يعني أن الجسم كان يؤدي عملًا صوتيًا كبيرًا.

أرح ساعدك برفق على وجه الغيتار بينما تنقر وترًا غليظًا. اشعر بتلك الحياة المرتجفة الخافتة في الخشب. ثم اكتم الجسم على صدرك، وأصغِ إلى الانخفاض. وإذا أردت أن تعرف ما الذي يجعل الغيتار عالي الصوت، فلا تكتفِ بالإصغاء إلى الوتر؛ بل اشعر بجسم الخشب وهو يعمل.