لم يكن مدرج مونتجويك الكبير في برشلونة على الدوام كما نراه اليوم

من قرب المتحف الوطني للفنون في كاتالونيا على مونتجويك، تستطيع أن ترى برشلونة مرتبة على محور واضح: القصر الوطني فوق المنحدر، والسلالم والمدرجات تحته، والنافورة السحرية في الوسط، ثم شارع الملكة ماريا كريستينا الممتد إلى ساحة إسبانيا. يبدو هذا التكوين مستقرًا في مكانه منذ زمن بعيد، مع أن أبرز عناصره أُنشئت ضمن مشروع مدني متكامل في أواخر عشرينيات القرن العشرين.

عرض النقاط الرئيسية

  • إن المشهد الشهير من مونتجويك ليس نتيجة نمو حضري تاريخي خالص، بل هو تكوين مدني مخطط له أُنجز من أجل المعرض الدولي في برشلونة عام 1929.
  • وقد شُيِّد القصر الوطني، الذي يضم اليوم المتحف الوطني للفنون في كتالونيا، في أواخر عشرينيات القرن العشرين، وهو دليل أساسي على الأصل الحديث للموقع.
  • وصُمِّمت المصاطب والسلالم وتدرجات الارتفاع لإبطاء حركة الزائرين، وضبط خطوط الرؤية، ومنح الاقتراب من المكان طابعًا احتفاليًا مهيبًا.
  • وكانت النافورة السحرية التي صممها كارلس بويغاس، إلى جانب البرجين الفينيسيَّين عند ساحة إسبانيا، من العناصر الأساسية للمعرض، وقد وُضعت كلها على امتداد محور مركزي مقصود.
  • وما يبدو اليوم طبيعيًا وخالدًا في إحساسه الزمني لم يكتسب هذه القناعة إلا عبر عقود من الاستخدام العام والذاكرة الجماعية والحياة المدنية.
  • فالجبل والمنحدر من معطيات التضاريس الموروثة، أما الطريق العريض وتموضع القصر ومحاذاة النافورة وتسلسل المدرجات، فكلها عناصر خُطِّط لها بعناية.
  • وإدراك التصميم الكامن وراء هذا المشهد لا ينتقص من روعته، بل يفسر لماذا يبدو مونتجويك واثقًا ومهيبًا إلى هذا الحد.

منح المعرض الدولي لبرشلونة عام 1929 هذا الجانب من الجبل صورته الرسمية. ويذكر المتحف الوطني للفنون في كاتالونيا أن المعرض افتُتح في 19 مايو 1929، وأن مراسمه الرئيسية جرت داخل القاعة البيضاوية في القصر الوطني. بقي بعده ترتيب عمراني كامل، لا جناحًا منفردًا، واستمرت المدينة في استخدام مبانيه ومحوره بعد انتهاء المناسبة.

الارتفاع يرسم طريق الوصول

تبدأ قراءة المكان من تضاريس مونتجويك. يرتفع الجبل فوق برشلونة، ويحتل القصر قمة المنحدر بحيث يظل أمامك خلال الاقتراب من ساحة إسبانيا. لا تختفي الوجهة بين الشوارع؛ تظهر منذ بداية المحور، ثم تتغير صورتها كلما عبرت مستوى جديدًا من الأحواض والسلالم والمدرجات.

قراءة مقترحة

تجزئ الدرجات المسافة الطويلة إلى مراحل. إنها تبطئ خطاك وتتيح لك الالتفات إلى المدينة خلفك، بينما تبقى الواجهة المركزية والقبة في أعلى مجال الرؤية عندما تنظر إلى الأمام. وبهذا يتحول الصعود إلى سلسلة من المشاهد المتتابعة، لا إلى انتقال مباشر من أسفل الجبل إلى القصر.

في قاعدة المنحدر تقع النافورة السحرية. وتوضح بلدية برشلونة أنها شُيدت على يد كارليس بويغاس للمعرض الدولي عام 1929. تتصل بها أحواض المياه والشارع العريض المؤدي إلى ساحة إسبانيا، حيث يقف البرجان الفينيسيان على جانبي المدخل. تعمل هذه العناصر معًا على توجيه بصرك من المدينة إلى أعلى مونتجويك.

تصوير يانيك فالدسالو على Unsplash

قصر من القرن العشرين بهيئة كلاسيكية

قد تمنحك القبة المركزية والكتلة المتناظرة والسلالم العريضة انطباعًا بأن القصر الوطني أقدم من تاريخ بنائه. هذه مفردات مألوفة في القصور التاريخية، وقد استُخدمت هنا لتثبيت المبنى بوصفه خاتمة بصرية للمحور الصاعد. غير أن صفحة المبنى لدى المتحف الوطني للفنون في كاتالونيا تحدده باعتباره قصرًا شُيد للمعرض الدولي لعام 1929 وأصبح مقرًا للمتحف.

يجمع الموقع بين عنصر جغرافي موروث وتصميم حديث نسبيًا. التل والانحدار موجودان بحكم طبيعة مونتجويك، أما وضع القصر على القمة وربطه بمسار مستقيم نحو ساحة إسبانيا فكان قرارًا تخطيطيًا. ومع استمرار الزيارات والمناسبات العامة قرابة قرن، صار المبنى جزءًا مألوفًا من صورة برشلونة، ولم يعد حضوره مرتبطًا في ذهن الزائر بمدة المعرض وحدها.

تؤدي الواجهة دورًا يتجاوز تحديد نهاية الطريق. حين تصعد، تظل القبة والكتلة الوسطى مرجعًا بصريًا حتى مع تغير ارتفاعك وزاوية رؤيتك. وحين تلتفت من أعلى الدرج، ينفتح المحور في الاتجاه المقابل عبر النافورة وشارع الملكة ماريا كريستينا حتى المدينة.

البرجان يحددان العتبة الحضرية

يقف البرجان الفينيسيان عند الطرف القريب من ساحة إسبانيا، في الموضع الذي تبدأ منه الحركة الرسمية نحو الجبل. تصف بوابة مدينة برشلونة موقع معرض مونتجويك بأنه الموقع التاريخي الذي أُنشئ للمعرض الدولي عام 1929، وتشير إلى البرجين اللذين يستقبلان الداخلين إليه.

يصنع تماثلهما مدخلًا واضحًا له جانبان وخط وسط. بعد المرور بينهما يمتد شارع الملكة ماريا كريستينا في اتجاه النافورة والقصر، فتتحول الساحة المزدحمة إلى بداية مقروءة لمسار واحد. ومن موضعهما تستطيع فهم وظيفة البرجين من دون دخول أي مبنى: إنهما يؤطران الطريق ويعلنان الانتقال من نسيج الشوارع المحيطة إلى فضاء المعرض السابق.

كيف استمر تخطيط معرض 1929؟

تُزال عادة منشآت كثيرة بعد انتهاء المعارض، لكن العناصر التي منحت مونتجويك وظيفة مدنية وثقافية بقيت في الخدمة. صار القصر الوطني متحفًا، وظلت النافورة نقطة جذب عامة، واستمرت السلالم والمدرجات والمحور الممتد إلى ساحة إسبانيا ضمن حركة المدينة.

كان الجبل قبل هذا المشروع مرتفعًا استراتيجيًا ومنفصلًا نسبيًا عن الشوارع اليومية في الأسفل. وتربط صفحة تاريخ المبنى لدى المتحف بين معرض 1929 واستحواذ برشلونة عمرانيًا وثقافيًا على مونتجويك، الذي تحول مع الوقت إلى مكان للثقافة والترفيه. شمل التحول طريقة الوصول إلى الجبل واستخدام منحدره، ولم يقتصر على إقامة القصر فوقه.

أضاف الاستعمال المتكرر معنى مدنيًا إلى البنية الرسمية. تعاقبت في المكان النزهات والمراسم والاحتجاجات والمواعيد الغرامية والرحلات المدرسية. لم تنشئ تلك الأنشطة المحور، لكنها جعلت السلالم والمدرجات والفضاءات المفتوحة جزءًا من الحياة اليومية بدل بقائها إطارًا لمناسبة تاريخية واحدة.

افصل بين تضاريس الجبل وخطوط المخطط

يمكنك تمييز ما صنعته الجغرافيا عما أضافه المخططون وأنت واقف في الموقع. الجبل والانحدار نحو برشلونة عنصران طبيعيان. أما القصر في أعلى الخط، والنافورة في وسطه، والبرجان عند طرفه الحضري، وتسلسل الدرجات والمدرجات بينها، فهي قرارات تربط نقاطًا متباعدة ضمن اتجاه واحد.

جرّب أن تمشي قليلًا إلى أحد جانبي الساحة أو الدرج، ثم عد إلى الوسط. ستظل العناصر أمامك خارج المحور، لكن صلتها البصرية ستضعف: قد ينزاح القصر عن النافورة أو يتراجع انتظام الطريق. وعند العودة إلى الخط الأوسط تصطف الواجهة والماء والشارع من جديد، فتلاحظ مباشرة كيف يجمع التخطيط مجال رؤيتك ويوجهه صعودًا.

تكشف هذه الحركة أيضًا أن ضخامة المكان نتجت عن مشروع واحد تعامل مع منحدر صعب وجمهور كبير. فالمدرجات والطرق والمنشآت المائية والقصر لم تتكون تدريجيًا مع نمو الشوارع المحيطة؛ جرى توزيعها لتقديم واجهة احتفالية محددة لبرشلونة، ثم أبقتها المدينة في وظائف ثقافية وعامة دائمة بعد إغلاق المعرض.

واجهة المعرض تدخل حياة برشلونة

يصلح محور مونتجويك للصور الواسعة لأنه يجمع معالم منفصلة على خط واحد، ويوفر منظرًا مرتفعًا للمدينة، ويقسم الصعود إلى نقاط توقف متعاقبة. يقرأ الزائر المكان من البرجين إلى الشارع، ثم من النافورة إلى الدرج والقصر؛ وفي الاتجاه المعاكس تصبح برشلونة نفسها نهاية المنظر.

منح الاستعمال الطويل هذه المنشآت وظائف تتجاوز عرض عام 1929: احتفظ القصر بدوره الثقافي مقرًا للمتحف الوطني للفنون في كاتالونيا، وبقيت النافورة والسلالم والمدرجات فضاءات عامة، وظل المحور طريقًا فعليًا يصل ساحة إسبانيا بمنحدر مونتجويك.