يقضي أحد أسرع الحيوانات البرية وقتًا كبيرًا من حياته وهو لا يفعل، في الظاهر، شيئًا يُذكر. لكن ذلك السكون ليس وقتًا فارغًا. ففي كثير من الأحيان يكون الحصان وهو ساكن يراقب، ويوفّر طاقته، ويقرّر ما إذا كان في العالم من حوله ما يستدعي استجابة.
من بعيد، قد يبدو الحصان في الحقل وكأنه منفصل عمّا حوله. لكن الخيول حيوانات فريسة، وحيوانات الفريسة لا تملك رفاهية الإهمال. وقد أكدت إرشادات سلوك الخيل الصادرة عن الجهات البيطرية وجهات الرفق بالحيوان الفكرة نفسها منذ زمن: فالخيول تستريح، وترعى، وتراقب في الوقت نفسه، لأن البقاء يكون في صالح الحيوان الذي يلحظ الخطر قبل أن يضطر إلى العدو.
قراءة مقترحة
الحصان مهيأ للحركة المفاجئة، نعم، لكنه مهيأ أيضًا للاقتصاد في الجهد. ففي قوائمه ما يُعرف بجهاز التثبيت، وهو مجموعة من الأوتار والأربطة تساعده على الوقوف بجهد عضلي أقل. وهذا يعني أن الحصان يستطيع أن يفعل شيئًا حيوانيًا بامتياز: أن يستريح وهو واقف، وأن يبقى مستعدًا في الوقت نفسه للانطلاق بسرعة إذا لزم الأمر.
وهنا يقع أول سوء تقدير عند النظر إليه من خلف السياج. فنحن لا نرى مشيًا، ولا رعيًا، ولا لعبًا واضحًا، فنقرأ هذه الوقفة على أنها فراغ. لكن الحصان يكون في الغالب منشغلًا بعدة مهام في آن واحد، وإن كانت إشاراتها أصغر مما تميل العين البشرية إلى الاعتداد به.
وعادة ما تظهر تلك الإشارات الأصغر في مواضع محددة ومتكررة من الجسد ومن سلوك القطيع.
قد يدير الحصان إحدى أذنيه نحو القطيع والأخرى نحو صوت يأتي من خارج الحقل، متتبعًا أكثر من مصدر للمعلومات في الوقت نفسه.
قد يريح الحصان المسترخي إحدى قائمتيه الخلفيتين، بينما تتحمل القوائم الأخرى قدرًا أكبر من الوزن، في إشارة إلى راحته من دون أن يتخلى عن استعداده.
حتى وهو واقف في مكانه، قد ينقل الحصان تركيزه من حصان آخر إلى البوابة ثم إلى صوت بعيد، محدّثًا باستمرار موقع الأشياء وما إذا كان ترتيبها ما يزال مطمئنًا بالنسبة إليه.
إذا وجّهت عدة خيول آذانها ورؤوسها إلى الاتجاه نفسه خلال ثانية أو ثانيتين، فالمجموعة هنا تشارك الانتباه، لا تقف عاطلة.
لذلك، وبينما يبدو الحصان غير نشط، قد يكون في الحقيقة يصغي، ويشمّ، ويقيّم، ويريح إحدى قوائمه، ويرسم خريطة للمسافات، ويتابع مواضع القطيع. وهنا تكمن الفكرة المفاجئة. فالسكون جزء من البنية، لا غياب للبنية.
هل سبق أن خلطت بين السكون والفراغ، لمجرد أن شيئًا كبيرًا لم يكن يحدث؟
هذا هو الفخ مع الخيول. فنحن نميل إلى الثقة بالحركة الواضحة، ونغفل العمل الأصغر الكامن تحتها. والحصان، وهو واقف هناك كأنه منحوتة، يكون في الغالب ممتلئًا بالمعلومات.
إذا وقفت تراقب حصانًا واحدًا مدة كافية، فلن يعود جسده ساكنًا على النحو الذي ظننته أول الأمر. يبقى العنق هادئًا، لكن أذنًا تنثني إلى الخلف ثم تعود. ويتسع القفص الصدري ويضيق مع نفس بطيء. ويخفّ الحمل عن إحدى القائمتين الخلفيتين ثم يعود إليها. أما الذيل فيبقى مرسلًا لا مشدودًا، ويؤدي حركة خفيفة تبدو أقرب إلى تدبير عادي منها إلى إنذار.
لا شيء في ذلك درامي. وهنا بيت القصيد. فالحصان يستطيع أن يحافظ على هيئة هادئة فيما يجري سلسلة من التعديلات الصغيرة التي تخبرك إلى أي حد يشعر بالاستقرار أو اليقظة أو عدم اليقين. وما إن ترى تلك التعديلات حتى يصعب أن تصدق الفكرة القديمة القائلة إنه «يقف فحسب».
وهنا أيضًا ينبغي وضع التنبيه الصريح في مكانه: فالسكون ليس دائمًا علامة على انتباه هادئ. فالحصان الذي يقف بعيدًا بتعبير متصلب، ووضعية جامدة، وذيل مشدود، وحركة قليلة في الأذنين، أو مع نقل متكرر للوزن، قد يكون منزعجًا. كما أن الألم أو الإرهاق أو التوتر أو المرض قد يجعل الحصان يبدو هادئًا.
ولهذا لا تتعامل نصائح رعاية الخيل مع كل سكون على أنه سكون جيد. فاليقظة المسترخية يكون فيها عادة شيء من الليونة. أما الوقفة المتجمدة فغالبًا ما تُشعِر، حتى المبتدئ، بشيء مختلف: أقل شبهًا براحة تحتفظ بخياراتها، وأكثر شبهًا بالتأهب والتصلب.
في المرة المقبلة التي ترى فيها حصانًا واقفًا بهدوء، امنح نفسك خمس نقاط للفحص.
راقب ما إذا كانت الأذنان تدوران أم تظلان جامدتين.
انظر أين يستقر الوزن، وما إذا كانت إحدى القائمتين الخلفيتين ترتاح برفق.
لاحظ ما الذي يبدو أن العينين والرأس يتجهان إليه.
انظر إلى توتر الذيل، أهو مرسل أم مشدود.
اسأل نفسك هل يتجه القطيع معًا إلى الشيء نفسه، أم أن حصانًا واحدًا يبدو خارج إيقاع البقية.
سيخبرك هذا الاختبار البسيط بأكثر مما يخبرك به انتظار أن يفعل الحصان شيئًا كبيرًا.