الساعة ذات الـ29.5 يومًا وراء كل بدر

البدر جزء من دورة تمتد 29.5 يومًا، وليس مجرد ليلة واحدة، ويسمّي علماء الفلك هذه الدورة الشهر الاقتراني: أي الزمن الذي يستغرقه القمر ليعود إلى الاصطفاف نفسه مع الشمس والأرض.

وهذا يطمئن كثيرين، لأنك إذا سبق أن أشرت إلى السماء في مساءين مختلفين وقلت: «هذا هو البدر»، فلم تكن متساهلًا في الوصف. بل كنت تستخدم عينيك على نحو طبيعي تمامًا. فالقمر قد يبدو بدرًا بما يكفي عبر أكثر من ليلة.

الذي يتغير هنا هو مستوى الدقة. ففي الكلام اليومي، يُقصد بـ«البدر» غالبًا ذلك القمر الساطع الذي يبدو مستديرًا في منتصف الشهر القمري تقريبًا. أما في علم الفلك، فالمعنى أدق من ذلك.

قراءة مقترحة

صورة لمايك بيتروتشي على Unsplash

لماذا قد تبدو ليلتان كلتاهما كأنهما ليلة بدر

تخيّل حديثًا ليلًا في موقع تخييم. يشير أحدهم إلى السماء مساء الجمعة ويقول: «بدر». وفي الليلة التالية يفعل شخص آخر الأمر نفسه. وإذا وقفت هناك وقارنت ما تراه عيناك، فقد يبدو القولان معًا معقولين.

وذلك لأن القمر لا ينتقل من «بدر» إلى «ليس بدرًا» بصورة حادة بين الغروب ووقت النوم. فهو يزداد امتلاءً على مدى ليالٍ كثيرة، ثم يبلغ أشد استدارته ظاهرًا، وبعدها يبدأ بالتناقص. وبالنسبة إلى العين المجردة، يحدث هذا التغير ببطء.

وتشرح NASA هذا بمصطلح جدير بأن تتذكره: الشهر الاقتراني. وهو الزمن الفاصل من طور معين إلى الطور نفسه مرة أخرى، وتحدده NASA بنحو 29.5 يومًا، أو على نحو أدق 29.53059 يومًا. فإذا كنت تتتبع الزمن من بدر إلى بدر، فهذا هو المقياس الذي تحتاج إليه.

إذن فالفكرة الأولى الراسخة بسيطة: البدر جزء من إيقاع متكرر يمتد شهرًا قمريًا كاملًا تقريبًا. إنه علامة واحدة ضمن دورة تستغرق نحو 29 يومًا ونصف اليوم قبل أن تعود من جديد.

ويمكنك اختبار هذا الإيقاع بنفسك. راقب القمر في ثلاث أمسيات قريبة من البدر، ولاحظ كيف يظل شبه مستدير في الليالي الثلاث كلها، حتى لو كان التوقيت الدقيق قد تبدّل بالفعل.

29.53059 يومًا

هذا هو الشهر الاقتراني: الزمن الذي يستغرقه القمر ليعود إلى الطور نفسه، بما في ذلك البدر.

الرقم الذي يربك كثيرين

هنا تحديدًا يقع الالتباس لدى كثير من القراء: فالقمر يدور حول الأرض في نحو 27.3 يومًا، ومع ذلك تستغرق دورة الأطوار نحو 29.5 يومًا. فإذا كانت الدورة الواحدة تتم في 27.3 يومًا، فلماذا تكون مدة البدر أطول؟

لأن إتمام دورة واحدة حول الأرض لا يكفي ليعود القمر إلى وضع الإضاءة نفسه. ففي أثناء دوران القمر حول الأرض، تكون الأرض نفسها تتحرك حول الشمس أيضًا. ولذلك يحتاج القمر إلى أن يقطع مسافة إضافية قليلًا قبل أن يسقط عليه ضوء الشمس بالزاوية نفسها كما نراها من الأرض.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية. فمدة 27.3 يومًا تقيس مدار القمر نسبة إلى النجوم البعيدة. أما الشهر الاقتراني، ومدته 29.5 يومًا، فيقيس عودته إلى الطور نفسه، أي إلى الترتيب نفسه بين الشمس والأرض والقمر.

ساعتان قمريتان، وقياسان مختلفان

القياسالمدة التقريبيةما الذي يتتبعه
دورة مدارية نسبة إلى النجوم27.3 يومًاإتمام القمر دورة كاملة على خلفية النجوم البعيدة
الشهر الاقتراني29.5 يومًاعودة القمر إلى الطور نفسه وإلى الاصطفاف نفسه بين الشمس والأرض والقمر

لكن البدر، فلكيًا، لحظة واحدة

والآن نصل إلى النقطة الفاصلة: فعلى الرغم من أن القمر يبدو بدرًا على مدى أكثر من ليلة، فإن البدر في علم الفلك هو لحظة محددة بدقة.

وتحدث هذه اللحظة عندما تصطف الشمس والأرض والقمر بحيث يكون القمر في الجهة المقابلة للشمس في سمائنا، ويكون نصفه المواجه للأرض مضاءً بأقصى ما يمكن. ولهذا الاصطفاف توقيت محدد. ويمكن للتقاويم أن تسجله حتى الدقيقة.

ولهذا يمكن أن تكون العبارتان صحيحتين في الوقت نفسه. فعلى امتداد ليالٍ عدة، يتصرف القمر كأنه ساعة بطيئة. لكن داخل تلك الدورة، توجد لحظة واحدة ينطبق فيها هذا الترتيب الهندسي بدقة، كما لو أن مصراع كاميرا انغلق في لحظة خاطفة.

كيف يمكن للقمر نفسه أن يكون «بدرًا» ودقيق التحديد في آنٍ واحد

المظهر

في الليالي المحيطة بالبدر، قد يظل القمر يبدو مستديرًا للعين المجردة.

علم الفلك

داخل هذا المجال الأوسع الذي يبدو فيه القمر مكتملًا، توجد لحظة دقيقة واحدة يبلغ فيها الاصطفاف بين الشمس والأرض والقمر أقصى درجات الانطباق.

وباختصار: نحو 27.3 يومًا ليدور القمر حول الأرض نسبة إلى النجوم، ونحو 29.5 يومًا ليعود إلى الطور نفسه، وبدر واحد دقيق يقع في لحظة اصطفاف واحدة، ومظاهر شبه مكتملة في الليالي المحيطة بها.

إذا كان «ممتلئًا بما يكفي» يفي بالغرض، فلماذا نهتم بالدقة؟

وقد يعترض أحدهم اعتراضًا وجيهًا فيقول: إذا كان القمر يبدو بدرًا لليلتين أو ثلاث، فإن تسميته بدرًا تكفي. وهذا صحيح في معظم الأحاديث المسائية. فلا أحد بحاجة إلى أن يوقف حديث السهرة ليصحح لطفل يقول: «انظر، بدر».

لكن المعنى الدقيق مهم لأنه يوضح ما يتعلق بالتقويم والأرقام. فهو يفسر لماذا تذكر التقاويم الفلكية والتطبيقات الفلكية وقتًا محددًا للبدر بدلًا من مساء كامل. كما يفسر لماذا قد تختلف عيناك عن الساعة من غير أن يكون أيٌّ منهما مخطئًا.

فالرؤية البشرية تعتمد على المظهر. أما علم الفلك فيعتمد على الهندسة. وما إن تفصل بين الأمرين حتى يصبح الموضوع كله أسهل فهمًا.

وإذا أردت اختبارًا سريعًا بنفسك، فجرّب هذا عند البدر المقبل: انظر إلى القمر في الليلة السابقة، وليلة البدر، والليلة التالية. قد تبدو الأقمار الثلاثة مستديرة في نظرك. ثم راجع التوقيت المعلن للبدر، ولاحظ أن واحدًا فقط من تلك المشاهدات يكون الأقرب إلى لحظة الاصطفاف الدقيقة.

الرسم البسيط الذي يجدر أن تحتفظ به في ذهنك

لو اضطررت إلى رسم هذا على ظهر منديل، فارسم الأرض في الوسط والقمر يدور حولها. ثم ارسم الشمس بعيدة إلى أحد الجانبين. فالبدر ليس مجرد «وجود القمر في الجهة المقابلة للأرض» على نحو فضفاض؛ بل هو النقطة في الدورة التي يعود فيها القمر إلى الجهة المقابلة للشمس بالنسبة إلى الأرض.

الرسم على المنديل في ثلاث خطوات

1

ضع الأرض في الوسط

ابدأ بالأرض بوصفها نقطة الرصد التي تُرى منها أطوار القمر.

2

ارسم مسار القمر

أظهر القمر وهو يدور حول الأرض حتى تتمكن من تصور إيقاعه الشهري المتكرر.

3

ضع الشمس إلى أحد الجانبين

البدر هو النقطة التي يعود فيها القمر إلى الجهة المقابلة للشمس بالنسبة إلى الأرض.

هذا الرسم يمنحك المستويين معًا في وقت واحد. فالقمر يتحرك وفق إيقاع أطوار يمتد 29.5 يومًا، و«البدر» اسم لنقطة واحدة دقيقة في هذا الإيقاع.

تلك هي الصيغة الأهدأ للفكرة: ما يبدو لك ليلة ساطعة كاملة هو في الحقيقة شيئان في آنٍ واحد؛ ساعة شهرية يمكنك مراقبتها على مدى أيام، وحدث هندسي يقع مرة واحدة لا غير.