قف ساكنًا بضع دقائق في ساحة يرتادها الحمام الحضري، وراقب استجابته لكل عابر على حدة. قد تمر امرأة فيبقى السرب مسترخيًا، ثم يقترب رجل فتتقدم نحوه ثلاث حمامات قبل سقوط أي فتات. وعندما يشق شخص ثالث طريقه بسرعة بين الطيور، تقفز الحمامات الأقرب إلى الخلف دفعة واحدة.
عرض النقاط الرئيسية
إذا تابعت الطيور نفسها والأشخاص الذين يترددون على المكان، فسترى فروقًا متكررة: شخص يمكن الاقتراب منه، وآخر يستحق المتابعة لأنه يحمل الطعام عادة، وثالث يبعد الحمام عن طريقه كل يوم. يستطيع الحمام الصخري الوحشي الذي يعيش في المدن تعلم هوية أشخاص بعينهم، ثم معاملتهم بصورة مختلفة.
تخص هذه القدرة طيورًا حرة غير مدربة، من النوع الذي يخطو بين بقع العلكة وأغطية أكواب القهوة، وليس حمامًا أليفًا يؤدي مهمة داخل مختبر. وقد اختبرها أحمد بلغرمي ودليلة بوفيه وأنوك باسكال وآن كارولين بريفو جوليارد وميشيل سان جالم ولورانس رات فيشر وجيزيل لوبوشيه في دراسة نشرتها دورية Animal Cognition عام 2011 بعنوان Pigeons discriminate between human feeders.
قراءة مقترحة
أجرى الفريق التجربة على حمام وحشي غير مدرب في حديقة بمدينة باريس. قدم شخصان الطعام للطيور، لكن أحدهما ظل هادئًا، بينما كان الآخر يطارد الحمام ويبعده. مع تكرار اللقاءات تعلمت الطيور تجنب الشخص العدائي.
بعد ذلك تبادل الشخصان معطفيهما. استمر الحمام في الابتعاد عن الشخص العدائي نفسه، على الرغم من ارتدائه معطف الشخص الهادئ، فاستنتج الباحثون أن الطيور اعتمدت على سمات فردية مستقرة ولم تربط الخطر بلون المعطف وحده.
تناولت دراسة ثانية الوجه بصورة مباشرة. ففي عام 2012 نشر كل من كلوديا شتيفان وآنا ويلكنسون ولودفيغ هوبر دراسة Have We Met Before? Pigeons Recognise Familiar Human Faces في دورية Avian Biology Research. أظهرت النتائج أن الحمام يستطيع التمييز بصورة موثوقة بين أشخاص مألوفين وآخرين غير مألوفين، وأن خصائص الوجه تكفي لهذا الفرز.
بحثت التجربتان جانبين مختلفين من القدرة نفسها. اختبرت تجربة عام 2011 استجابة حمام الشوارع لشخص هادئ وآخر عدائي بعد تبادل المعاطف، بينما عزلت دراسة عام 2012 دور ملامح الوجه في التمييز بين البشر المألوفين وغير المألوفين. ويعني التعرف هنا أن يفرز الطائر أشخاصًا محددين استنادًا إلى خبرته البصرية، ثم يضبط مسافة اقترابه أو ابتعاده وفق ذلك.
تواجه الحمامة في ممر مزدحم مهمة بصرية متواصلة. عليها مراقبة الطيور الأخرى والأحذية وعجلات الدراجات والطعام المتساقط ومدى امتداد الأيدي البشرية. يساعدها فرز الأشخاص وسط هذا الازدحام على اختيار المسافة المناسبة: الاقتراب ممن اعتادت العثور على الطعام قربه، أو الابتعاد عمن يطاردها.
راقب سربًا قرب مقاعد المكاتب أو مدخل محطة. قد تثبت حمامة عند الحافة وتميل رأسها لتراقب بإحدى العينين شخصًا يتكرر ظهوره في المكان، بينما تمنح عابرًا جديدًا قدرًا مختلفًا من الانتباه. حركة واحدة لا تكشف ما تعلمه الطائر؛ العلامة الأوضح هي تكرار الاستجابة للشخص نفسه في أكثر من لقاء.
وتظهر الفروق داخل السرب أيضًا. قد تتقدم بضع حمامات نحو أحد المارة فيما تبقى طيور أخرى في أماكنها. وإذا حرّك الشخص ذراعه فجأة، فقد تتراجع الطيور الأقرب، بينما يستمر الحمام المعتاد على وجوده في التقاط الطعام عند الحافة. ما يبدو حركة جماعية واحدة يتكون هنا من قرارات فردية متزامنة.
يرتبط كثير من اقتراب الحمام بالطعام، كما يمكنك أن ترى في أي ساحة، لكنه لا يفسر وحده اختلاف استجابة الطيور لشخص يطعمها بانتظام، وموظف يمر يوميًا في خط مستقيم، وشخص يندفع نحوها أو يصفق لإفزاعها. تكشف تجربة الحديقة الباريسية هذا التفصيل بوضوح، لأن الشخصين قدما الطعام واختلف سلوكهما تجاه الطيور.
وتوفر المدينة فرصًا متكررة للتعلم: الزوايا نفسها، واستراحات الغداء نفسها، وممشو الكلاب أنفسهم، ومسارات التوصيل نفسها. مع كل لقاء يستطيع الطائر تحديث ما تعلمه عن اتجاه اقتراب الشخص وتوقيته وحركة يديه والمسافة التي يحتفظ بها.
يمكنك ملاحظة ذلك من دون إطعام الطيور أو إزعاجها. اختر حمامتين عند طرف سرب، ثم تابع اقتراب شخص يطعم الحمام بانتظام، وآخر يمشي مباشرة خلاله، وثالث يفزعه. انتبه إلى المسافة وزاوية الرأس والخطوة الأولى لكل طائر، عوضًا عن متابعة حركة السرب كله.
عندما تمر قرب الحمام، راقب أي طائر يتحرك أولًا ونحو أي شخص. قد تتقدم حمامة، وتتجمد أخرى في مكانها، فيما تزيد ثالثة المسافة بينها وبين العابر. وعند تكرار مرور الأشخاص أنفسهم، يصبح توقيت الاقتراب أو التراجع، والمسافة التي يحتفظ بها كل طائر، أوضح من حركة السرب السريعة.