كان من المفترض أن يكون برج إيفل مؤقتاً. ويذكر الموقع الرسمي لبرج إيفل أنه شُيّد من أجل معرض 1889 العالمي بموجب امتياز مدته 20 عاماً ينتهي في 31 ديسمبر 1909، ما يعني أن هذا الشيء الذي تنظر إليه اليوم كان مقصوداً به، في وقت ما، أن يُفكَّك.
أحب أن أخبر الزوار بهذه الحقيقة أولاً، ثم أنتظر. تكون هناك دائماً وقفة قصيرة. فمعلَم بات اليوم يبدو وكأنه مثبت في صميم فكرة باريس نفسها، بدأ في الأصل بوصفه هيكلاً لمعرض، وله أجل مستعار.
قراءة مقترحة
تصير البدايات المبكرة للبرج أوضح إذا نظرت إليه بوصفه مشروعاً له موعد انتهاء مدمج فيه، لا بوصفه أثراً كان مقدَّراً له أن يبقى.
ارتفع البرج من أجل المعرض العالمي، مرتبطاً بالذكرى المئوية للثورة الفرنسية، ومقدَّماً بوصفه بياناً جريئاً في الهندسة.
لم يُكلَّف باعتباره ضريحاً أبدياً، بل بصفته هيكلاً يشغل باريس بموجب امتياز مدته 20 عاماً.
منح العقد البرج موعداً نهائياً حقيقياً، بحيث صار تفكيكه هو الأفق المتوقع لا مجرد احتمال غامض.
عند النظر إليه بهذه الطريقة، يتوقف برج إيفل عن كونه معلماً بديهياً، ويغدو هيكلاً كان عليه أن يكتسب استمراريته بعد انتهاء المعرض.
قد تطمس شهرة البرج اللاحقة مقدار العداء الذي أثاره في بداياته.
أن برج إيفل كان دائماً موضع ترحيب بوصفه الرمز الرومانسي البديهي لباريس.
حتى قبل اكتماله، احتج عليه فنانون وكتّاب، ووصفه نقاد بأنه مسخ، ورأى فيه كثير من الباريسيين إهانة لا كنزاً.
توقف عند هذه النقطة لثانية، لأن هذا هو الوهم الذي يلعبه الزمن علينا. نحن نرث البرج بوصفه محبوباً، فنفترض أن المحبة جاءت أولاً. لكنها لم تأت أولاً. ما جاء لاحقاً هو الإحساس بأنه أمر بديهي.
وللإنصاف، لا يزال كثيرون يرون البرج مبالغاً في تقديره أو شديد الوضوح. وهذا الشعور ليس إخفاقاً في تقدير باريس، بل هو جزء من تاريخ البرج الطويل، لأن مقاومته كانت حاضرة منذ البداية.
إذا أوقفت الحكاية عند حدود عام 1900 وناقشت الحجة المناهضة للبرج بإنصاف، فإن تفكيكه يبدو منطقياً. فقد كان مؤقتاً بحكم العقد، ومكروهاً من شريحة صاخبة من الطبقة الثقافية، ومرتبطاً بمعرض لا بالخلود، وقابلاً للاستغناء عنه سياسياً بعد أن يكون المعرض قد أدى غرضه. وكان لدى مدينة مثل باريس كل الأسباب التي تدفعها إلى أن تقرر أن التجربة كانت مثيرة للاهتمام بما يكفي، وأن الوقت قد حان الآن لإخلاء المكان.
هنا يأتي التحول. بقي البرج أولاً لأنه أثبت نفعه.
ويبدو سبب إنقاذه منطقياً أكثر إذا فُهم بوصفه سلسلة مترابطة: فقد منحه الاستخدام العلمي قيمة عملية، وعززت تلك القيمة الاتصالات اللاسلكية، وجعلت الاتصالات اللاسلكية من الصعب على الدولة أن تتخلى عنه.
استخدم غوستاف إيفل وآخرون ارتفاع البرج في أعمال تتعلق بالأرصاد الجوية والديناميكا الهوائية.
ثم صار ارتفاعه أكثر قيمة لإرسال الإشارات الراديوية عبر الهواء.
وبمجرد أن صار البرج مهماً للاتصالات، ولاحقاً للبث العسكري، بدا هدمه أقل منطقية بكثير.
فقط بعدما ضمنت له المنفعة مكانه، بدأت حياته الرمزية تتضخم في الذاكرة العامة حتى بدت حتمية.
وبمجرد أن وُجدت هذه الحجة العملية، لم يعد الموعد النهائي يبدو نهائياً إلى هذا الحد. فبنية معدنية شاهقة في باريس لم تعد مجرد زينة لمعرض، بل أصبحت بنية تحتية.
ثم تسارعت هذه المنطقية. فقيمة الاتصالات قادت إلى الاستخدام الراديوي. والاستخدام الراديوي جلب قيمة عسكرية. وخلال أوائل القرن العشرين، ساعد دور البرج في البث على جعله مفيداً للدولة الفرنسية، والمنشآت المفيدة أصعب في الإزالة من الأعمال الفنية المثيرة للجدل.
وبعد ذلك فقط، تضخمت حياته الرمزية بالكامل من حوله. فالشُّهرة قد تجعل البقاء يبدو حتمياً إذا نظرنا إلى الماضي، لكن الشهرة لم تكن أول حبل إنقاذ. كانت المنفعة هي الأولى.
جرّب هذا على نفسك: لو اختفى هذا البرج في 1909، فما الذي كانت باريس ستستخدمه اليوم رمزاً فورياً لها؟ اللوفر مترامٍ أكثر مما يسمح له بأن ينضغط في خطّ واحد واضح. ونوتردام تحمل تاريخاً آخر وشكلاً آخر. أما قوس النصر فهو منافس قوي، نعم، لكن ليس بالاختزال الكوني نفسه.
إنه بالغ الأهمية، لكنه لا ينضغط في صورة ظلية واحدة بسيطة كما يفعل البرج.
إنها تقدم شكلاً وتاريخاً قويين من نوع آخر، لكن ليسا بالاختزال العالمي نفسه لباريس في لمحة واحدة.
إنه منافس قوي، لكنه لا يؤدي الدور نفسه بالسرعة نفسها ولا بالكونية نفسها التي تؤديها هيئة برج إيفل.
ذلك التعثر الذهني يخبرك بشيء ما. فالعلامة البصرية الأكثر مباشرة للمدينة لم تكن مضمونة. لقد صنعتها لحظة قرار بالإبقاء على هيكل لم يكن قد وُعد بمستقبل.
كثير من الأماكن الشهيرة تفقد بريقها بفعل الألفة المفرطة. وبرج إيفل ينجو من هذه المشكلة إلى حد ما حين تتذكر أن تصريحه كانت له نهاية، وأن سمعته كانت لها خصوم. وفجأة لا يعود ذلك الشبك الحديدي مجرد مشهد مألوف، بل يصير حجة واصلت باريس الجدال حولها حتى انتهى الجدال.
وهذا، في ظني، هو ما يمنح البرج بعض حدته إلى اليوم. فهو لم يولد مقدساً. بل صار من العسير إزالته لأنه كان يؤدي وظيفة، ثم لأنه كان يحمل إشارات، ثم لأنه صار يحمل باريس نفسها.
يبدو اليوم دائماً، لكن حكايته الحقيقية أكثر مشاكسة من ذلك: أكثر معالم باريس رسوخاً هو ذاك الذي اضطر أولاً إلى أن يبرر بقاءه.
برج إيفل ليس رمز مدينة بنت للأبد؛ بل هو رمز مدينة غيّرت رأيها.