تظهر مداخن الجنيات في غوريمه على هيئة مخاريط وأبراج صخرية، لكن الفتحات المنحوتة في جوانبها تكشف وظيفة أخرى. فقد حوّل السكان كثيرًا من هذه التكوينات إلى ملاجئ وغرف وكنائس صغيرة ومستودعات وبيوت للحمام. نشأ الشكل الخارجي بفعل التعرية، ثم أتاح الصخر البركاني اللين تشكيل فضاءات قابلة للاستعمال في داخله.
عرض النقاط الرئيسية
تجمع القيمة التراثية للموقع بين هذين الجانبين. فقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، متنزه غوريمه الوطني ومواقع كابادوكيا الصخرية على قائمة التراث العالمي استنادًا إلى خصائصها الطبيعية والثقافية. وتشمل المنطقة تضاريس بركانية شكّلتها التعرية، إلى جانب معابد ومساكن وقرى ومدن تحت الأرض نحتها البشر في الصخر.
قراءة مقترحة
بدأ تكوين المنطقة بثورات المراكز البركانية في وسط الأناضول قبل ملايين السنين. انتشر الرماد والمواد البركانية فوق مساحات واسعة، ثم تراكمت وانضغطت وتحولت إلى طبقات من الطف والإنغمبريت. هذه الصخور ألين من البازلت والغرانيت، ولذلك تستجيب بسرعة أكبر للماء والتجوية ويمكن نحتها بأدوات يدوية.
عملت الأمطار والجريان السطحي والرياح ودورات التجمد والذوبان على إزالة الطبقات بدرجات متفاوتة. وعندما غطت طبقة أصلب جزءًا من الطف، أدت دور غطاء واقٍ أبطأ تآكل ما تحتها. تراجعت الصخور المكشوفة المحيطة بوتيرة أسرع، وبقي عمود أضيق تعلوه كتلة أعرض وأكثر صلابة. ومن هنا جاء الشكل المعروف باسم «مدخنة جنّية».
توضح دراسة لمحمد عاكف ساريكايا وعطيلة تشينر وماريك زريدا عن معدلات تعرية مداخن الجنيات أن الغطاء الصخري والجسم تحته لا يتآكلان بالمعدل نفسه، وأن التعرض للشمس ودورات التجمد والذوبان يؤثران في التعرية. تساعد هذه الفروق على تفسير بقاء القمة فوق الساق، كما تفسر اختلاف أشكال المداخن من موضع إلى آخر.
تتابع العملية في خط واضح: تراكمت المواد البركانية وتصلبت، ثم فصلت التعرية بينها بحسب صلابتها وموضعها، فبقيت الأبراج المحمية بالغطاء الصخري. بعد ذلك استغل الناس قابلية الطف للنحت، ووسعوا الفراغات أو أعادوا استخدامها عبر أجيال متعاقبة. الخاصية الجيولوجية التي أسهمت في تشكيل المداخن هي نفسها التي جعلت حفرها ممكنًا.
في منطقة يكثر فيها صخر قابل للتشكيل، يختصر النحت جزءًا كبيرًا من مواد البناء والنقل. يستطيع الحفار أن يبدأ بفتحة صغيرة ثم يزيل الصخر تدريجيًا لتكوين غرفة، وأن يضيف حجرة أو ممرًا حين تدعو الحاجة. ولا يتطلب ذلك تشييد جدران خارجية كاملة أو نقل كتل حجرية من موقع بعيد.
للصخر فائدة حرارية أيضًا. خلصت دراسة جيولوجية لأومر أيدان ورشات أولوساي عن المنشآت الجوفية المصنوعة بشريًا في كابادوكيا إلى أن الطف لين نسبيًا وله خصائص عزل حراري ملائمة للسكن وتخزين الطعام. لهذا تبقى الغرف المنحوتة أكثر استقرارًا من منشآت رقيقة الجدران أمام تقلب الحرارة بين النهار والليل، وتوفر ظروفًا أبرد في الحر وأقل تعرضًا للبرد المباشر.
اتسعت وظائف هذه الفراغات تبعًا لحياة السكان. فبعضها كان مأوى أو مساحة سكنية، وبعضها خُصص للتخزين أو العبادة أو تربية الحمام. وفي أجزاء من كابادوكيا اتصلت الغرف والممرات لتكوّن مجمعات صخرية مرتبطة بالعمل اليومي، عوض أن تبقى حجرات منفردة داخل برج واحد.
تذكر اليونسكو أن وادي غوريمه ومحيطه يضمان معابد منحوتة تقدم شواهد على الفن البيزنطي، وأن بقايا المساكن والقرى الكهفية والمدن الجوفية تعود إلى القرن الرابع. ويبين ذلك أن الاستخدام البشري للصخر شمل الحياة الدينية والسكنية، وأن عمارة كابادوكيا الصخرية لا تقتصر على الكنائس المزخرفة التي تحظى عادةً بأكبر قدر من الاهتمام.
يمكن لفتحة واحدة أن تنتج من التجوية أو انهيار جزء من الصخر، ولهذا لا يكفي وجود تجويف مظلم للحكم على وظيفته. تبدأ العلامات الأقوى عند الحواف: مدخل مصقول، أو عتبة منحوتة، أو فتحة ذات هيئة منتظمة، أو سطح داخلي يبدو مقطوعًا بدل أن يكون متكسرًا على نحو عشوائي.
يزداد الاحتمال حين تتكرر الفتحات في البرج نفسه. قد تظهر نافذة فوق مدخل، أو صفوف من التجاويف على مستويات مختلفة، أو فتحات متقاربة تشير إلى غرف متصلة خلف الواجهة. التنظيم الرأسي مهم لأن الفضاء المستخدم يحتاج إلى مداخل ومنافذ وممرات تربط أجزاؤه، بينما تترك التعرية عادةً أشكالًا أقل انتظامًا.
لتمييز الأثر البشري أثناء النظر إلى الوادي، قارن بين ثلاثة أمور معًا: شكل الحافة، وتكرار الفتحات، والعلاقة المكانية بينها. الحافة المربعة وحدها قد تكون متآكلة، والتجويف المنفرد قد يكون طبيعيًا؛ أما الحواف المشذبة والفتحات المتراكبة والتجاويف المتجمعة في كتلة واحدة فتقدم قرائن متساندة على النحت المقصود.
تساعد هذه القراءة على إدراك المدخنة كوحدة رأسية من الغرف، لا كعمود يحمل ثقوبًا متفرقة. وقد تكون بعض الفتحات الخارجية مداخل إلى حجرات ضيقة، في حين يقود بعضها الآخر إلى فضاءات أوسع أو مستويات متعددة. ما يظهر على الواجهة جزء من تخطيط داخلي قد يكون توسع على مراحل، لا مخططًا اكتمل في عملية حفر واحدة.
السكن واحد من استخدامات الكهوف المنحوتة، لكنه لا يفسر كل فتحة في غوريمه وكابادوكيا. استُخدمت بعض الحجرات مستودعات، وبعضها كنائس صغيرة أو غرفًا رهبانية، وبعض التجاويف بيوتًا للحمام. كما أعيد توظيف فضاءات قائمة، أو وُسعت وأضيفت إليها مداخل وغرف في فترات لاحقة.
تختلف العلامات الخارجية تبعًا للوظيفة. الفتحات الصغيرة الكثيرة والمتقاربة قد ترتبط ببيت للحمام، بينما قد يفتح المدخل الأكبر على غرفة سكنية أو مساحة تخزين أو مكان للعبادة. ولا تكشف الواجهة البعيدة دائمًا وظيفة الداخل؛ فهي تدل أولًا على تدخل بشري، ثم يحتاج تحديد الاستعمال إلى قراءة تخطيط الحجرة وخصائصها.
يفيد هذا التفريق في تجنب تصور أن كل تجويف كان بيتًا لعائلة. فالمجمعات الصخرية خدمت أنشطة يومية ودينية واقتصادية متباينة، وقد تتجاور الوظائف داخل الموقع الواحد. يمكن أن يضم البرج أو الجرف غرفًا للنوم والتخزين، أو فضاءات أعيد ترتيبها بعدما تغيرت حاجات مستخدميها.
تبدو التجوية الطبيعية عادةً أكثر تفاوتًا في القياس والاتجاه. أما النحت البشري فيترك تكرارًا يمكن تتبعه: حافة مسوّاة، ومدخلًا يسمح بالعبور، وفتحات مصطفة، وتجويفات موضوعة حيث يستطيع الإنسان الوصول إليها أو استعمالها. لا تحدد هذه القرائن وظيفة الغرفة وحدها، لكنها تفصل بين الفراغ العرضي والفضاء المصنوع بقصد.
يتضح تكوين غوريمه عند جمع العمليتين في تسلسل واحد. صنعت البراكين مادة المنطقة، ونحتت عوامل التعرية الأبراج والوديان، ثم حوّل السكان أجزاء من تلك التضاريس إلى مساكن ومستودعات وكنائس وبيوت للحمام. لم يُنقل الحجر إلى موقع البناء؛ صار التكوين القائم نفسه مادة البناء وغلافه.
ولهذا تحمل الفتحات المتراكبة والمداخل المشذبة والتجاويف المتجمعة معنى يتجاوز شكلها الظاهر. إنها آثار غرف وطرق استعمال داخل كتلة ولّدتها التعرية، ثم عدلتها الأيدي البشرية. في غوريمه، يمكن للبرج الواحد أن يبقى تكوينًا أرضيًا من الخارج ومساحة مبنية من الداخل في الوقت نفسه.